والخبر لا تَقْتُلُوهُ وإنما بعد لأنه يصير المعنى: أنه معروف بأنه قرّة عين له، وجوازه أن يكون المعنى إذا كان قرّة عين لي ولك فلا تقتلوه، ويجوز النصب بمعنى: لا تقتلوا قرّة عين لي ولك. وقالت: لا تقتلوه ولم تقل: نقتله، وهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبّارون وكما يخبرون عن أنفسهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يكون لبني إسرائيل، ويجوز أن يكون لقوم فرعون أي لا يشعرون أنه يسلبهم ملكهم.
[سورة القصص (28) : آية 10]
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً قد ذكرناه، وعن فضالة بن عبيد وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً[1]إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ من بدا يبدو إذا ظهر، وعن ابن مسعود قال:
كانت تقول: أنا أمّة. قال الفراء[2]: أي إن كادت لتبدي باسمه لضيق صدرها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها «أن» في موضع رفع وحذف الجواب لأنه قد تقدّم ما يدلّ عليه ولا سيما وبعده لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
[سورة القصص (28) : آية 12]
وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12)
الْمَراضِعَ جمع مرضع على جمع التكسير، ومن قال: مراضيع فهو جمع مرضاع ومفعال تكون للتكثير، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المذكّر والمؤنث لأنه ليس بجار على الفعل ولكن من قال: مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة، كما يقال: مطرابة. قال الفراء: تدخل الهاء فيما كان مدحا يراد به الداهية وفيما كان ذما يراد به البهيمة. وهذا القول خطأ عند البصريين، ولو كان كما قال لكانت الهاء للتأنيث. مِنْ قَبْلُ غاية ومعنى غاية أنه صار غاية الاسم لما حذف منه. قال محمد بن يزيد: فأعطي الضمّة لأنها غاية الحركات، وقال غيره: أعطي الضمّة لأنها لا تلحقه في حال السلامة. قال أبو إسحاق: التقدير من قبل أن نردّه إليها فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ «يكفلونه» ليس بجواب، ولكن يكون مقطوعا من الأول، أو في موضع نعت لأهل.
وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ليس «له» متعلقا بناصحين فلو كان ذلك لكان تفريقا بين الصلة والموصول. وقد ذكرناه في «سورة الأعراف»[3].
[سورة القصص (28) : آية 14]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)
[1]انظر معاني الفراء 2/ 303، والمحتسب 2/ 147، والبحر المحيط 7/ 102.
[2]معاني الفراء 2/ 303.
[3]انظر إعراب الآية 21- الأعراف.
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ عند سيبويه[1]جمع شدّة، وقال غيره: هو جمع شدّ، وقيل: هو واحد، وحكى أبو إسحاق في غير هذه السورة أنّه لا يعرف في كلام العرب اسم واحد على أفعل بغير هاء إلا أشدّ وهو وهم، وقد حكى أهل اللغة إصبع. قال أبو إسحاق:
وتأويل بلغ أشدّه استكمل نهاية قوة الرجل. وَاسْتَوى أهل التفسير منهم ابن عباس على أنّ معنى واستوى بلغ أربعين سنة، وتأوّله أبو إسحاق: على أنه يجوز أن يكون حقيقة واستوى وصف بلوغ الأشدّ. آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً العالم والحكيم هو الذي يعمل بعلمه وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال أبو إسحاق: فجعل إتيان العلم والحكمة جزاء الإحسان لأنهما يؤدّيان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين.
[سورة القصص (28) : آية 15]
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس على أنه دخل نصف النهار، وقال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها فدخلها حين علم منهم ذلك فكان منه ما كان من قتل الرجل من قبل أن يؤمر بقتله فاستغفر ربه فغفر له. ويقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، ودخلت «على» في هذه الآية لأنّ الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول:
جئت على غفلة، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة فكذا الآية. فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ ابتداء وخبر. والمعنى: إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا من شيعته أي من بني إسرائيل. وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي من قوم فرعون. وعدوّه بمعنى أعداء، وكذا يقال في المؤنّث: هي عدو لك. ومن العرب من يدخل الهاء في المؤنث لأنه بمعنى معادية عند البصريين وعند الكوفيين لأن الواو خفيّة، كذا يقولون. والواو ليست بخفيّة بل هي حرف جلد. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ خبر بعد خبر، وإن شئت كان «مضلّ مبين» نعتا.
[سورة القصص (28) : آية 17]
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17)
فيه قولان: أحدهما أنه بمعنى الدعاء، وهذا قول الكسائي والفراء، وقدّره الفراء[2]بمعنى اللهمّ فلن أكون ظهيرا للمجرمين، والقول الآخر أنه بمعنى الخبر، وزعم الفراء أن قوله «هو» قول ابن عباس. قال أبو جعفر: وأن يكون بمعنى الخبر أولى وأشبه بنسق الكلام، كما يقال: لا أعصيك لأنّك أنعمت عليّ، وهذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفراء[3]لأن ابن عباس قال: لم يستثن فابتلي،
[1]انظر الكتاب 4/ 60.
[2]انظر معاني الفراء 5/ 304.
[3]انظر معاني الفراء 5/ 304.
والاستثناء لا يكون في الدعاء، لا تقول: اللهمّ اغفر لي إن شئت. وأعجب الأشياء أن الفراء روى أن ابن عباس قال هذا ثم حكى عنه قوله.
[سورة القصص (28) : آية 18]
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ منصوب على خبر أصبح، وإن شئت على الحال ويكون الظرف في موضع الخبر، قال الضحاك: خاف أن يراه أحد أو يظهر عليه قال:
ويَتَرَقَّبُ يتلفّت. فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ «الذي» في موضع رفع بالابتداء يَسْتَصْرِخُهُ في موضع الخبر ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال «وأمس» إذا دخلت عليه الألف واللام تمكّن وأعرب عند أكثر النحويين، ومنهم من يبنيه وفيه الألف واللام، وإذا أضيف أو نكر تمكّن أيضا. والعلّة في بنائه عند محمد بن يزيد أنّ تعريفه ليس كتعريف المتمكّنات فوجب أن يبنى ولا يعرب فكسر آخره لالتقاء الساكنين، ومذهب الخليل رحمه الله أن الياء محذوفة منه. وللكوفيين فيه قولان: أحدهما أنه منقول من قولهم: أمس بخير. والآخر أن خلقة السين الكسر، هذا قول الفراء، وحكى سيبويه[1]وغيره أنّ من العرب من يجري أمس مجرى ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة، وربّما اضطرّ الشاعر ففعل هذا في الخفض والنصب كما قال: [الرجز] 326-
لقد رأيت عجبا مذ أمسا[2]
فخفض بمذ فيما مضى واللغة الجيّدة الرفع وأجرى «أمس» في الخفض مجراه في الرفع على اللغة الثانية. قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ والغويّ الخائب أي لأنك تشار من لا تطيقه.
[سورة القصص (28) : آية 19]
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ «أن» زائدة للتوكيد. وقرأ يزيد بن القعقاع أَنْ يَبْطِشَ[3]وهي لغة إلّا
[1]انظر الكتاب 3/ 315.
[2]الشاهد بلا نسبة في الكتاب 3/ 315، وأسرار العربية 32، وأوضح المسالك 4/ 132، وخزانة الأدب 7/ 167، والدرر 3/ 108، وشرح الأشموني 2/ 537، وشرح التصريح 2/ 226، وشرح قطر الندى ص 16، وشرح المفصّل 4/ 106، ولسان العرب (أمس) ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 95، والمقاصد النحوية 4/ 357، ونوادر أبي زيد 57، وهمع الهوامع 1/ 209، وجمهرة اللغة 841. وبعده:
«عجائزا مثل السعالى خمسا»
[3]انظر البحر المحيط 7/ 106، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر.
أنّ يَبْطِشَ[1]أعرف منها، وإن كان الضمّ أقيس، لأنه فعل لا يتعدّى. إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ قال عكرمة: لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسين. قال أبو إسحاق:
الجبّار في اللغة المتعظّم الذي لا يخضع لأمر الله جلّ وعزّ وإنما تأول عكرمة في قتل النفسين- الآية كما تأول عطاء «فلن أكون ظهيرا للمجرمين» على أنه لا يحلّ لأحد أن يعين ظالما، ولا يكتب له، ولا يصحبه، وإنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين حتى قال لمن استفتاه: ارم قلمك واسترزق الله جلّ وعزّ ولا تكن ظهيرا للمجرمين.
[سورة القصص (28) : آية 22]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22)
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قال أبو إسحاق: أي سلك الطريق الذي هو تلقاء مدين، قال: ولم ينصرف مدين لأنه اسم للبقعة. قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قال أبو إسحاق: وسواء السبيل قصد السبيل.
[سورة القصص (28) : آية 23]
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ فقد ذكرنا قول ابن عباس: إن معنى تذودان تحبسان، وذلك معروف في اللغة يقال: ذاده يذوده إذا حبسه، وإذا قاده، لأن معنى قاده حبسه على ما يريد، وإنما كانتا تحبسان غنمهما لأنهما لا طاقة لهما بالسّقي وكانت غنمهما تطرد عن الماء. قالَ ما خَطْبُكُما مبتدأ وخبره قال أبو إسحاق: والمعنى ما تريدان بذود غنمكما عن الماء. قالَتا لا نَسْقِي أي لا نقدر على السّقي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ قراءة أهل الكوفة وأهل الحرمين إلا أبا جعفر فإنه قرأ حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ[2]وكذا قرأ أبو عمرو. فمعنى القراءة الأولى حتى يصدر الرعاة مواشيهم، ومعنى الثانية حتى ينصرف الرعاء فأفادت القراءتان معنيين وهما حسنان إلّا أنّ «يصدر» أشبه بالمعنى، وزعم أبو حاتم أنّ المعنى حتى يصدروا مواشيهم. قال: ولم يرد حتى ينصرفوا إن شاء الله و «الرعاء» جمع راع كما تقول: صاحب وصحاب. قال يعقوب:
وذكر لي في لغة الرّعاء بضم الراء، وأنكر أبو حاتم هذه اللغة، وقال: إذا ضممت الراء لم تقل: إلّا الرّعاة بالهاء والذي أنكره لا يمتنع، كما يقال: غاز وغزّاء وغزّا بالمدّ والقصر. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ قال أبو إسحاق: الفائدة في «وأبونا شيخ» أنه لا يمكنه أن يحضر فيسقي فاحتجنا ونحن نساء أن نخرج فنسقي.
[سورة القصص (28) : آية 24]
فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)
[1]هذه قراءة الجمهور، انظر البحر المحيط 7/ 106. [.....]
[2]انظر البحر المحيط 7/ 108، وكتاب السبعة لابن مجاهد 492.
فَسَقى لَهُما أي قبل الوقت الذي كانتا تسقيان فيه. ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ وهو في اللغة ما ليس عليه شمس، والفيء ما كانت عليه شمس ثم زالت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى صلّى الله عليه وسلّم ربّ إنّني لما أنزلت إليّ من خير فقير، وما أحد من الخلق أكرم على الله جلّ وعزّ منه ولقد افتقر إلى شقّ تمرة فمصّها فلزق بطنه بظهره من الجوع.
[سورة القصص (28) : آية 25]
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)
فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب قال: جاءت وقد جعلت كم قميصها على وجهها أو كمّ درعها. قال أبو إسحاق: ويقال: جاءت تمشي مشي من لم يعتد الدخول والخروج مستحيية، قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وفي الكلام حذف أي: فأجابها ومضى معها. فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ حذفت الضمّة من الفاء للجزم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين.
[سورة القصص (28) : آية 26]
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ أي من قوي على عملك وأدّى فيه الأمانة.
[سورة القصص (28) : آية 28]
قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
قالَ ذلِكَ في موضع رفع بالابتداء. بَيْنِي وَبَيْنَكَ في موضع الخبر، والتقدير عند سيبويه: بيننا، وأعيدت الثانية توكيدا. أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ نصب بقضيت و «ما» زائدة فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ تبرية، ويجوز فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ من جهتين: إحداهما أن تكون «لا» عاملة كليس، والأخرى أن يكون «عدوان» مرفوعا بالابتداء، و «عليّ» الخبر، كما تقول:
لا زيد في الدار ولا عمرو. وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ابتداء وخبر. قال أبو إسحاق:
والمعنى: والله شهيدنا على ما عقد بعضنا على بعض.
[سورة القصص (28) : آية 29]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)
وقرأ عاصم: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ بفتح الجيم، وروي عن الأعمش أو جذوة[1]بضم الجيم.
[1]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 493، والبحر المحيط 7/ 111، وهذه قراءة مسلمة أيضا.
[سورة القصص (28) : آية 30]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (30)
وعن الأشهب العقيلي فِي الْبُقْعَةِ بفتح الباء، وهي لغات، وقولهم بقاع يدلّ على بقعة، كما يقال: جفنة وجفان، ومن قال: بقعة قال: في الجمع بقع مثل غرفة وغرف. قال أبو إسحاق: ويجوز بقعة وبقاع مثل جفرة وجفار. قال: وأَنْ في موضع نصب بمعنى أنّه يا مُوسى.
[سورة القصص (28) : آية 31]
وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)
قال: وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ عليها. وَلَّى مُدْبِراً على الحال. وَلَمْ يُعَقِّبْ أي لم يلتفت، والتقدير قيل له يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ قال وهب: قيل له: ارجع إلى حيث كنت فرجع فلفّ درّاعته على يده فقال له الملك: أرأيت إن أراد الله أن يصيبك بما تحاذر أينفعك لفّك يدك فقال: لا ولكنّي ضعيف خلقت من ضعف وكشف يده فأدخلها في فم الحيّة فعادت عصا. قال إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ مما تحاذر.
[سورة القصص (28) : آية 32]
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (32)
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ يكون التقدير: ولّى مدبرا من الرّهب أو لفّ يده من الرّهب وعن ابن كثير والجحدريّ مِنَ الرَّهْبِ[1]بضم الراء والهاء، وعن قتادة مِنَ الرَّهْبِ[2]بفتح الراء وإسكان الهاء على أصل المصدر. فَذانِكَ بُرْهانانِ ابتداء وخبر، ومن قرأ فذانّك[3]فله تقديران: منها أنه ثنّى ذلك فقال: ذانّك ومن قال: ذانك وقيل: تشديد النون عوض من الألف التي حذفت من «ذا» وكذا وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ [النساء: 16] ، وكذا هذانِ خَصْمانِ [الحج: 19] ، وهذا القول الثاني قول أبي حاتم، وقيل: تشديد النون للفرق بين النون التي لا تقع معها إضافة فتحذف وبين النون المحذوفة في الإضافة، فأما فذاناك وفذانيك فلا وجه لهما.
[سورة القصص (28) : آية 34]
وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
[1]انظر مختصر ابن خالويه 112، والبحر المحيط 7/ 112 وتيسير الداني 139.
[2]انظر تيسير الداني 139.
[3]انظر تيسير الداني 139، والبحر المحيط 7/ 113.
فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً نصب على الحال ومعنى «ردء» معين مشتق من أردأته أي أعنته، وقد حكي ردأته ردءا. وجمع ردء أرداء، ومن خفف الهمزة حذفها وألقى حركتها على الدال، فقال: فأرسله معي ردّا. يُصَدِّقُنِي[1]وقرأ عاصم وحمزة يُصَدِّقُنِي بالرفع يكون نعتا لردء ويكون حالا. قال أبو إسحاق: ومن جزم فعلى جواب السؤال.
[سورة القصص (28) : آية 38]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38)
قال الفراء: والصرح كلّ بناء متّسع وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ فالظنّ هاهنا شكّ فكفر على الشكّ لأنه قد رأى من البراهين ما لا يخيل على ذي فطنة.
[سورة القصص (28) : آية 43]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
بَصائِرَ نصب على الحال، والتقدير ولقد آتينا موسى الكتاب بصائر أي مبيّنا وَهُدىً وَرَحْمَةً عطف على بصائر، ويجوز الرفع بمعنى فهو هدي ورحمة.
[سورة القصص (28) : آية 44]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44)
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أقيمت الصّفة مقام الموصوف أي بجانب الجبل الغربي.
[سورة القصص (28) : آية 46]
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)
وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ نصب على المصدر، كذا عند الأخفش قال: ولكن رحمك ربّك رحمة، وعند أبي إسحاق مفعول من أجله أي للرّحمة، وعند الكسائي على خبر كان. قال: ويجوز الرفع بمعنى ولكن هي رحمة. قال أبو إسحاق: الرفع بمعنى ولكن فعل ذلك رحمة.
[سورة القصص (28) : آية 47]
وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)
فَنَتَّبِعَ جواب لَوْلا أي هيلا.
[سورة القصص (28) : آية 49]
قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49)
[1]انظر تيسير الداني 139، والبحر المحيط 7/ 113.
قال الفراء[1]بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ بالرفع لأنه صلة للكتاب وكتاب نكرة. قال: وإذا جزمت وهو الوجه فعلى الشرط.
[سورة القصص (28) : الآيات 54 الى 55]
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55)
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ابتداء وخبر. قال أبو العالية: هؤلاء قوم من أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يبعث وقد أدركه بعضهم. قال محمد بن إسحاق: سألت الزّهري عن قوله جلّ وعزّ أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ من هم، فقال: النجاشي وأصحابه، ووجّه باثني عشر رجلا فجلسوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكان أبو جهل وأصحابه قريبا منهم فآمنوا بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلما قاموا من عنده تبعهم أبو جهل ومن معه فقالوا لهم خيّبكم الله من ركب، وقبحكم من وفد لم تلبثوا أن صدقتموه، ما رأينا ركبا أحمق ولا أجهل منكم، فقالوا: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لم نأل أنفسنا رشدا لنا أعمالنا ولكن أعمالكم وَيَدْرَؤُنَ من درأت أي دفعت أي يدفعون بالاحتمال والكلام الحسن الأذى، وقيل يدفعون بالتوبة والاستغفار الذنوب. وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ فأثنى عليهم بأنهم ينفقون من أموالهم.
[سورة القصص (28) : آية 57]
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57)
شرط ومجازاة. تجبى إليه ثمرات كلّ شيء[2]على تأنيث الجماعة ويُجْبى على تذكير الجمع، وثمرات جمع ثمرة، وثمر جمعه ثمار.
[سورة القصص (28) : آية 58]
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58)
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها منصوب عند المازني بمعنى في معيشتها فلما حذف «في» تعدّى الفعل، وهو عند الفراء[3]منصوب على التفسير، قال: كما تقول: أبطرك مالك وبطرته، ونظيره عنده إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 130] ، وكذا عنده فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [النساء: 4] ونصب المعارف على التفسير محال عند البصريين لأن معنى التفسير والتمييز أن يكون واحدا نكرة يدلّ على الجنس.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 307.
[2]انظر تيسير الداني 139، والبحر المحيط 7/ 121 وكتاب السبعة لابن مجاهد 494.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 308.