بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 189

وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ قد ذكرناه، وكان أبو إسحاق يذهب إلى أنه على التوكيد، ويقول: إنّ قول قطرب التقدير من قبل التنزيل خطأ لأن المطر لا ينفك من التنزيل، وأنشد: [الطويل] 338-
مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت ... أغاليها مرّ الرّياح النّواسم[1]
فأنّث المرّ، لأنّ الرياح لا تنفكّ منه، ولأن المعنى تسفّهت أعاليها الرياح، فكذا معنى: «من قبل أن ينزل عليهم المطر» من قبل المطر. ويقال: آثر وإثر. كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ لا يجوز فيه الإدغام لئلا يجمع فيه ساكنان.

[سورة الروم (30) : آية 51]
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا قيل: التقدير فرأوا الزرع مصفرّا، وقيل: فرأوا السحاب، وقيل فرأوا الريح، وذكّرت الريح لأنها للمرسل منها، وقال محمد بن يزيد لا يمتنع تذكير كلّ مؤنث غير حقيقي نحو أعجبني الدار، وما أشبهه لَظَلُّوا قال الخليل رحمه الله: معناه ليظلّنّ. قال أبو إسحاق: وجاز هذا لأن في الكلام معنى المجازاة.

[سورة الروم (30) : الآيات 52 الى 53]
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53)
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ جعلوا بمنزلة الموتى والصمّ، لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون. وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قال الفراء»
: ويجوز من ضلالتهم بمعنى وما أنت بمانعهم من ضلالتهم، وعن بمعنى وما أنت بصارفهم عن ضلالتهم.

[سورة الروم (30) : آية 54]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ قال عطية عن ابن عمر رحمه الله قال: قرأت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من ضعف» فقال لي مِنْ ضَعْفٍ[3]وقرأ عيسى بن عمر مِنْ ضَعْفٍ، وقرأ الكوفيون مِنْ ضَعْفٍ وهو المصدر، وأجاز النحويون منهم من ضعف، وكذا كلّ ما كان فيه حرف من حروف الحلق ثانيا أو ثالثا. قال أبو إسحاق:
تأويله الله الذي خلقكم من النطفة التي حالكم معها الضعف ثم جعل من بعد الضعف الشبيبة.
[1]مرّ الشاهد رقم 141. [.....]
(2) انظر معاني الفراء 2/ 326.
[3]انظر تيسير الداني 142.


صفحه 190

[سورة الروم (30) : آية 55]
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (55)
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ وليس في هذا ردّ لعذاب القبر إذ كان قد صحّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غير طريق أنه تعوّذ منه، وأمر أن يتعوّذ منه. من ذلك ما رواه عبد الله بن مسعود قال: سمع صلّى الله عليه وسلّم أمّ حبيبة تقول: اللهمّ أمتعني بزوجي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال لها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سألت الله في آجال مضروبة وأرزاق مقسومة ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنّم أو عذاب القبر»[1]في أحاديث مشهورة. وفي معنى ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ قولان: أولهما أنّه يريد لا بدّ من خمدة قبل يوم القيامة ولحق الفناء الذي كتب على الخلق من رحم ومن عذّب فعلى هذا قالوا ما لبثنا غير ساعة لأنهم لم يعملوا مقدار ذلك، والقول الآخر أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير ما يدرون قال الله جلّ وعزّ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ أي كذلك كانوا يكذبون في الدنيا، وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل على غير ذلك. قال الله جلّ وعزّ: كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ وقال جلّ ثناؤه يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ [المجادلة: 18] .

[سورة الروم (30) : آية 56]
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56)
وردّ عليهم المؤمنون فقالوا: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ قال أبو إسحاق: أي في اللّوح المحفوظ وحكى يعقوب عن بعض القراء «إلى يوم البعث»[2]فهذا ما فيه حرف من حروف الحلق.

[سورة الروم (30) : آية 57]
فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57)
فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ لمّا ردّ عليهم المؤمنون سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذروا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ولا حالهم حال من يستعتب فيرجع.

[سورة الروم (30) : آية 58]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (58)
[1]أخرجه مسلم في صحيحه- القدر- 32، 33.
[2]انظر المحتسب 2/ 166.


صفحه 191

وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ يدلّهم على ما يحتاجون إليه.

[سورة الروم (30) : آية 60]
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60)
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ في موضع جزم بالنهي فأكّد بالنون الثقيلة فبني على الفتح، كما يبنى الشيئان إذا ضمّ أحدهما إلى الآخر الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ في موضع رفع، ومن العرب من يقول الذّون في موضع الرفع.


صفحه 192

31 شرح إعراب سورة لقمان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم[1]تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (2)
الم تِلْكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي هذه تلك، ويقال: تيك.
آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ بدل من «تلك» .

[سورة لقمان (31) : آية 3]
هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3)
هُدىً وَرَحْمَةً نصب على الحال، مثل هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [الأعراف: 73، وهود: 64] وهذه قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم والكسائي، وقرأ حمزة هدى ورحمة[1]بالرفع، وهو من جهتين: إحداهما على إضمار مبتدأ لأنه أول آية، والأخرى أن يكون خبر تلك.

[سورة لقمان (31) : آية 4]
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، لأنه أول آية أو في موضع نصب بمعنى أعني، أو في موضع خفض على أنه نعت للمحسنين.

[سورة لقمان (31) : آية 6]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (6)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ مِنَ في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة.
وعن رجلين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أن «لهو الحديث» هاهنا الغناء وأنه ممنوع بالكتاب والسنة فيكون التقدير ومن الناس من يشتري ذا لهو أو ذات لهو، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] أو يكون التقدير: لما
[1]انظر تيسير الداني 143، والبحر المحيط 7/ 179.


صفحه 193

كان إنما يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشترى اللهو. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي ليضلّ غيره ومن قرأ ليضل[1]فعلى اللازم له عنده، وَيَتَّخِذَها[2]قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وَيَتَّخِذَها عطفا على ليضلّ. والرفع من وجهين: أحدهما أن يكون معطوفا على يشتري، والآخر أن يكون مستأنفا. والهاء كناية عن الآيات، ويجوز أن تكون كناية عن السبيل لأن السبيل يذكّر ويؤنّث.

[سورة لقمان (31) : آية 7]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7)
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً اسم كأنّ وتحذف الضمة لثقلها فيقال: أذن.

[سورة لقمان (31) : آية 10]
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يكون تَرَوْنَها في موضع خفض على النعت لعمد أي بغير عمد مرئية، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. قال أبو جعفر:
وسمعت علي بن سليمان يقول: الأولى أن يكون مستأنفا ويكون بغير عمد التمام. أَنْ تَمِيدَ في موضع نصب أي كراهة أن تميد، والكوفيون يقدّرونه بمعنى لئلا تميد.
فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ عن ابن عباس: من كلّ نوع حسن، وتأوّله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، قال: فمن كان منهم يصير إلى الجنة فهو الكريم ومن كان يصير إلى النار فهو اللئيم، وقد تأول غيره أن النطفة مخلوقة من تراب وظاهر القرآن يدلّ على ذلك.

[سورة لقمان (31) : آية 11]
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11)
هذا خَلْقُ اللَّهِ مبتدأ وخبر. فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ «ما» في موضع رفع بالابتداء وخبره «ذا» وذا بمعنى الذي، وخلق واقع على هاء محذوفة على هذا، تقول: ماذا تعلّمت أنحو أم شعر، ويجوز أن يكون «ما» في موضع نصب بخلق و «ذا» زائدة، وعلى هذا تقول: ماذا تعلمت أنحوا أم شعرا. بَلِ الظَّالِمُونَ رفع بالابتداء.
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ في موضع الخبر.

[سورة لقمان (31) : آية 12]
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)
[1]انظر تيسير الداني 143، والبحر المحيط 7/ 179، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو.
[2]انظر تيسير الداني 143، وكتاب السبعة لابن مجاهد 512.


صفحه 194

وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ مفعولان ولم ينصرف لقمان لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين فأشبه فعلان الذي أنثاه فعلى فلم يصرف في المعرفة لأن ذلك ثقل ثان وانصرف في النكرة لأن أحد الثقلين زال. وزعم عكرمة أن لقمان كان نبيا وفي الحديث أنه كان حبشيا[1]. أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ فيه تقديران: أحدهما أن تكون «أن» بمعنى أي مفسرة أي قلنا له اشكر، والقول الآخر أنها في موضع نصب والفعل داخل في صلتها، كما حكى سيبويه: كتبت إليه أن قم إلا أن هذا الوجه بعيد. وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ جزم بالشرط، ويجوز الرفع على أن من بمعنى الذي.

[سورة لقمان (31) : آية 13]
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ «إذ» في موضع نصب، والمعنى واذكر، وحكى أبو إسحاق في كتابه في القرآن أن «إذ» في موضع نصب بآياتنا وأن المعنى ولقد آتينا لقمان الحكمة إذ قال. قال أبو جعفر: وأحسبه غلطا لأن في الكلام واوا تمنع من ذلك وأيضا فإن اسم لقمان مذكور بعد قال. يا بُنَيَّ[2]بكسر الياء لأنها دالّة على الياء المحذوفة ومن فتحها فلخفّة الفتحة عنده.

[سورة لقمان (31) : آية 16]
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)
إِنَّها الكتابة عن القصة أو عن الفعلة أو بمعنى: إنّ التي سألتني عنها لأنه يروى أنه سأله، والبصريون يجيزون إنّها زيد ضربته، بمعنى أن القصة، والكوفيون لا يجيزون هذا إلّا في المؤنث إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ خبر «تك» واسمها مضمر فيها، واستبعد أبو حاتم أن يقرأ إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ[3]بالرفع. لأن مثقالا مذكّر فلا يجوز عنده إلا بالياء. قال أبو جعفر: وهذا جائز صحيح وهو محمول على المعنى لأن المعنى واحد، وهذا كثير في كلام العرب يقال: اجتمعت أهل القيامة لأن من كلامهم اجتمعت اليمامة، وزعم الفراء أن مثل الآية قول الشاعر:
339-
وتشرق بالقول الّذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدّم[4]
فأما وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ فمعترض بين كلام لقمان كما روى شعبة عن سماك ابن حرب عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله جلّ
[1]انظر البحر المحيط 7/ 181.
[2]انظر تيسير الداني 143، وكتاب السبعة لابن مجاهد 513.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 328، والبحر المحيط 7/ 182.
[4]مرّ الشاهد رقم (130) .


صفحه 195

وعزّ ببرّ الوالدة؟ فو الله لا أطعم ولا أشرب حتى تكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا إذا أرادوا أن يطعموها أو جروها بالعصا وجعلوا في فيها الطعام والشراب، فنزلت وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إلى وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الآية فأما نصب «وهنا على وهن» قال أبو جعفر: فما علمت أن أحدا من النحويين ذكره فيكون مفعولا ثانيا على حذف الحرف أي حملته بضعف على ضعف أو فازدادت ضعفا على ضعف، ومَعْرُوفاً نعت لمصدر محذوف. وزعم أبو إسحاق في كتابه أن «أن» في موضع نصب وأن المعنى ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك. وهذا القول على مذهب سيبويه بعيد ولم يذكر أبو إسحاق فيما علمت غيره. وأجود منه أن تكون «أن» مفسرة والمعنى: قلنا له اشكر لي ولوالديك.

[سورة لقمان (31) : آية 17]
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ معنى إقامة الصّلاة إتمامها بجميع فروضها، كما يقال: فلان قيّم بعمله الذي وليه أي قد وفّى العمل جميع حقوقه، ومنه هذا قوام الأمر وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ وهو أن لا يخرج من الجزع إلى معصية الله وكذا الصبر عن المعاصي.

[سورة لقمان (31) : آية 18]
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18)
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قد ذكرناه وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: «تصاعر» من واحد مثل عافاه الله وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي متبخترا متكبرا. وهو مصدر في موضع الحال.

[سورة لقمان (31) : آية 19]
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي توسّط والتوسط أحمد الأمور، وكذا وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ أدّبه الله جلّ وعزّ بالأمر بترك الصياح في وجوه الناس تهاونا بهم إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال أبو عبيدة[1]: أي أشدّ، وقال الضحاك: وهما جميعا على المجاز.
وفي الحديث «ما صاح حمار ولا نبح كلب إلّا أن يرى شيطانا»[2].

[سورة لقمان (31) : آية 20]
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (20)
[1]انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/ 127.
[2]أخرجه الترمذي في سننه- الدعاء 13/ 13، بمعناه.


صفحه 196

أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وذلك من نعم الله جلّ وعزّ على بني آدم فالأشياء كلّها مسخرة لهم من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم، وتجرّ إليهم منافعهم، ومن سماء وما فيهما لا يحصى وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً على الحال ومن قرأ نعمة ظاهرة وباطنة[1]جعله نعتا، وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح مروية وفسرها: الإسلام وشرح هذا أنّ سعيد بن جبير قال في قوله جلّ وعزّ:
وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [المائدة: 6] قال: يدخلكم الجنة وتمام نعمة الله على العبد أن يدخله الجنة فكذا لمّا كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سمّي نعمة، وعن ابن عباس قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال: هو النّضر بن الحارث.

[سورة لقمان (31) : آية 21]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (21)
أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي أولو كان كذا يتّبعونه على التوبيخ.

[سورة لقمان (31) : آية 22]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22)
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وقراءة أبي عبد الرحمن السلمي وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ. قال: «يسلم» في هذا أعرف، كما قال جلّ وعزّ: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ومعنى «أسلمت وجهي لله» قصدت بعبادتي إلى الله وأقررت أنه لا إله غيره، ويجوز أن يكون التقدير: ومن يسلم نفسه إلى الله مثل كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:
88] معناه إلّا إياه. ويكون يسلّم على التكثير إلّا أنّ المستعمل في سلّمت أنه بمعنى دفعت يقال: سلّمت في الحنطة وقد يقال: أسلمت. وروى جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى قال: لا إله إلا الله.

[سورة لقمان (31) : آية 27]
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)
وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ «أنّ» في موضع رفع، والتقدير ولو وقع هذا و «أقلام» خبر أن. وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مرفوع من جهتين: إحداهما العطف على الموضع،
[1]انظر تيسير الداني 143، وكتاب السبعة لابن مجاهد 513. [.....]