وعزّ عليهم في أزواجهم أنه لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين وصداق، وأن لا يتزوج الرجل أكثر من أربع، وقال غيره: يدلّ على هذا وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ [النور:
32] ، وَلا تَعْضُلُوهُنَّ [النساء: 19] وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: 32] مع ما يقوّي ذلك الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فالذي فرض فيه ألّا يحلّ من النساء إلّا سبي من لا ذمة له لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ أي لا تتعدّ هذا، وقيل: هو راجع على قوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ وما بعده.
[سورة الأحزاب (33) : آية 51]
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (51)
ترجئ من تشاء منهنّ بالهمزة من أرجأت الأمر إذا أخّرته. ويقرأ تُرْجِي[1]بغير همز. وقد تكلم النحويون في الحيلة له فقال بعضهم: هي لغة وإن كانت ليست بالفصيحة، ومنهم من قال: على بدل الهمزة على لغة من قال: قريت. قال أبو جعفر:
وسمعت علي بن سليمان يقول: الصحيح من قول سيبويه أنه لا يجيز بدل الهمزة لأن أبا زيد قال له: من العرب من يقول في قرأت قريت مثل رميت فقال سيبويه: كيف يقولون في المستقبل؟ قال: يقولون يقرأه قال له سيبويه: كان يجب أن يقولوا: يقرى مثل رميت أرمي. قال أبو الحسن: وهذا من كلام سيبويه يدلّ على أنه لا يجوز عنده، قال: وسمعت محمد بن يزيد يقول: هو من رجا يرجو مشتق، يقال: رجا وأرجيته أي جعلته يرجو. ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ قد ذكرناه[2]. وقيل فيه: ذلك أقرب ألّا يحزن إذا لم تجتمع أحداهن مع الأخرى، وتعاين الأثرة والميل. وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ على توكيد المضمر أي ويرضين كلّهن، وأجاز أبو حاتم وأبو إسحاق وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ على التوكيد للمضمر الذي في «آتيتهنّ» ، والفراء[3]لا يجيزه لأن المعنى ليس عليه إذ كان المعنى وترضى كلّ واحدة منهن، وليس المعنى بما أتيتهن كلّهن. قال أبو جعفر: والذي قال حسن.
[سورة الأحزاب (33) : آية 52]
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52)
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال الفراء[4]: اجتمعت القراء على القراءة بالياء
[1]انظر مختصر ابن خالويه 120، والبحر المحيط 7/ 234.
[2]انظر إعراب الآية 33- الأحزاب.
والبحر المحيط 7/ 235.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 436.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 346.
لا يَحِلُّ لَكَ وزعم أنه لو كان لجميع النساء لكان بالتاء أجود. وقال أبو جعفر: وهذا غلط بين وكيف يقال: اجتمعت القراء على الياء، وقد قرأ أبو عمرو بالتاء[1]بلا اختلاف عنه وإذا كان لجماعة النساء كان بالياء جائزا حسنا. وسمعت علي بن سليمان يقول:
سمعت محمد بن يزيد يقول: من قرأ لا تحل لك النساء قدره بمعنى جماعة النساء، ومن قرأ بالياء قدّره بمعنى جميع النساء. والفراء يقدره إذا كان بالياء لا يحلّ لك شيء من النساء فحمل التذكير على هذا إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ في موضع رفع على البدل من النساء، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الاستثناء. وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ في موضع رفع عطفا على النساء أي لا يحلّ لك النساء التبدل بهن، ومن قال: إن الآية لا يجوز فإنما أجاز ذلك لأنها في معنى النهي، وإن كان لفظهما لفظ الأخبار لا يجوز أن تنسخ.
[سورة الأحزاب (33) : آية 53]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (53)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ «إن» في موضع نصب على معنى إلّا بأن يؤذن لكم، ويكون استثناء ليس من الأول إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ نصب على الحال أي لا تدخلوا في هذه الحال، ولا يجوز في غير الخفض على النعت للطعام لأنه لو كان نعتا لم يكن بد من إظهار الفاعلين وكان يكون غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ أنتم، ونظير هذا من النحو: هذا رجل مع رجل ملازم له، وإن شئت قلت: هذا رجل ملازم له هو، ومررت برجل معه صقر صائد به، وإن شئت قلت: صائد به هو.
وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا الفاء في جواب إذا لازمة لما فيها من معنى المجازاة. وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ في موضع نصب عطفا على غير. ويجوز أن يكون خفضا عطفا على ما بعد غير فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ قال أبو إسحاق: ويقال: يستحي بياء واحدة تحذف الياء تخفيفا. قال أبو جعفر: وقد ذكرت هذا في السورة التي تذكر فيها البقرة[2]. وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ في موضع رفع اسم كان. وَلا أَنْ تَنْكِحُوا معطوف عليه.
[1]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 523، وتيسير الداني 145.
[2]انظر آية 26 من سورة البقرة.
[سورة الأحزاب (33) : آية 56]
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ عطف وحكي «وملائكته» بالرفع وأجاز الكسائي على هذا: إنّ زيدا وعمرو منطلقان. ومنع هذا جميع النحويين غيره. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: الآية لا تشبه ما أجازه لأنك لو قلت: إنّ زيدا وعمرو منطلقان، أعملت في منطلقين شيئين وهذا محال، والتقدير في الآية: إنّ الله جلّ وعزّ يصلّي على النبي وملائكته يصلّون على النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم حذفت من الأول لدلالة الثاني. والذي قال حسن. ولقد قال بعض أهل النظر في قراءة من قرأ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ بالنصب مثال ما قال علي بن سليمان في الرفع قال: لأن يصلون إنما هو للملائكة خاصة لأنه لا يجوز أن يجتمع ضمير لغير الله جلّ وعزّ مع الله إجلالا له وتعظيما، ولقد قال رجل للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما شاء الله وشئت، وأنكر ذلك وعلمه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال له: قل ما شاء الله ثم شئت.
[سورة الأحزاب (33) : آية 57]
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57)
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الَّذِينَ في موضع نصب وما بعده صلته، وهو يقع لكل غائب مذكر وأخواته «من» و «ما» و «أي» ومؤنثه «التي» فإذا قلت: رأيت من في الدار، كان للآدميّين خاصة، وإذا قلت: رأيت الذي في الدار، كان مبهما للآدميين وغيرهم، وإذا قلت: رأيت ما في الدار، كان لما لا يعقل خاصة ولنعت ما يعقل لو قال قائل: ما عندك؟ فقلت: كريم، كان حسنا. قال محمد بن يزيد: ولو قلت: رجل، كان جائزا لأنه داخل في الأجناس، ولا يجوز أن تقول: زيد ولا عمرو إلّا أن من وما يكونان في الاستفهام والجزاء بغير صلة لأنك لو وصلتهما في الاستفهام كنت مستفهما عما تعرفه، والجزاء مبهم لا يختص شيئا دون شيء فلهذا لم تجز فيه الصلة، و «يؤذون» مهموز لأنه من آذى والأصل بين مهموز مثل آمن فإن خففت الهمزة أبدلت منها واوا فقلت: يوذون لأنه لا سبيل إلى أن يجعلها بين بين لأنها ساكنة.
[سورة الأحزاب (33) : آية 58]
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (58)
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ في موضع رفع بالابتداء، ويجوز أن يكون في موضع نصب على العطف.
[سورة الأحزاب (33) : آية 59]
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (59)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ واحدها زوج. يقال للمرأة: زوج وزوجة، والفصيح
الكثير بغير هاء وبها جاء كل ما في القرآن ولا يجوز أن تجمع زوجة على أزواج، إنما أزواج جمع زوج مثل حوض وأحواض والأصل زوج مثل فلس وأفلس واستثقلوا الحركة في الواو، وقد جاء في فعل أفعال فردّوه إليه فقالوا أزواج وأحواض وللكثير حياض وزياج، وفي قولهم: زوج بغير هاء قولان: أحدهما أن تأنيثه تأنيث صيغة مثل عقرب وعناق، وليس بجار على الفعل فيلزمه الهاء، والجاري على الفعل متزوّجة، والقول الآخر أن العرب تقول لكل مقترنين: زوجان. يقال للخفّين: زوجان، وكذا النعلان والمقرضان[1]والمقصان. قال الله جلّ وعزّ احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود: 40] وقال جلّ وعزّ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ [ص: 58] . وَبَناتِكَ جمع مسلم، وهو جمع بنة مثل هنة وهنات والمحذوف منه ياء، وقد قال بعض النحويين:
المحذوف منه واو واستدلّ بقولهم البنوّة. قال أبو جعفر: وهذا لعمري مما تقع فيه المغالطة لأنه ليس فيه دليل لأنهم قد قالوا: الفتوّة وهو من ذوات الياء يدلك على ذلك قوله جلّ وعزّ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ [يوسف: 36] . قال أبو جعفر: وأحسن ما سمعت فيه قول أبي إسحاق قال: هو عندي مشتقّ من بنى يبني. وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ قيل:
نساء جمع جواب للأمر، والأمر محذوف والتقدير عند المازني: قل لهنّ أدنين يدنين مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ عن ابن مسعود وابن عباس الجلباب: الرداء. قال محمد بن يزيد:
الجلباب كل ما ستر من ثوب أو ملحفة أي يرخين على وجوههن منه. ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ أي يعرفن بالستر والصيانة.
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 60 الى 61]
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (61)
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، كما روى سفيان بن سعيد بن منصور عن أبي رزين قال:
المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة هم شيء واحد يعني أنهم قد جمعوا هذه الأشياء، وعن ابن عباس وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال فجور وشك، قال: لئن لم ينتهوا عن أذى النبي وعن أذى النساء وفي هذه الآية للعلماء غير قول فمنها أنه لم ينتهوا وأن الله جل وعز قد أغراه بهم لأنه قد قال جلّ وعزّ وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [التوبة: 84] وأنه أمره بلعنهم فهذا هو الإغراء فهذا قول، وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قد أغراه بهم في الآية التي تلي هذه مع
[1]أخرجه أبو داود في سننه- المناسك، الحديث رقم (1847) ، ومسلم في صحيحه ب 9 رقم 79، والطبراني في المعجم الكبير 17/ 329.
اتصال الكلام بها، وهو قوله جلّ وعزّ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا فهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم وهذا أمرهم أن يؤخذوا ويقتلوا إذ كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف. وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «خمس يقتلن في الحرم»[1]فهذا فيه معنى الأمر كالآية سواء. وهذا من أحسن ما قيل وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «خمس يقتلن في الحرم» . لَنُغْرِيَنَّكَ لام القسم واليمين واقعة عليها وأدخلت اللام في إن توطئة لها ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا فكان الأمر كما قال جلّ وعزّ لأنهم لم يكونوا إلا أقلاء فهذا أحد جوابي الفراء[2]، وهو الأولى عنده أي إلا في حال قتلهم، والجواب الآخر أن يكون المعنى: إلّا وقتا قليلا.
مَلْعُونِينَ هذا تمام الكلام عند محمد بن يزيد، وهو منصوب على الحال أي ثم لا يجاورونك إلا أقلاء. عن بعض النحويين أنه قال يكون المعنى أينما أخذوا ملعونين، وهذا خطأ لا يعمل ما كان مع المجازاة فيما قبله.
[سورة الأحزاب (33) : آية 62]
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62)
سُنَّةَ اللَّهِ نصب على المصدر أي سنّ الله جلّ وعزّ فيمن أرجف بالأنبياء وأظهر نفاقه أن يؤخذ ويقتل.
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 64 الى 65]
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (65)
إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً فأنّث لأن السعير بمعنى النار. خالِدِينَ فِيها أَبَداً.
[سورة الأحزاب (33) : آية 66]
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (66)
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ وحكى الفراء[3]«يوم تقلّب» بمعنى تتقلّب. ويوم نقلّب وجوههم في النار يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا هذه الألف تقع في الفواصل لتتفق فيوقف عليها ولا يوصل بها.
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 67 الى 68]
وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (67) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)
وقرأ الحسن إنّا أطعنا ساداتنا بكسر التاء لأنه جمع مسلّم لسادة، وكان في هذا زجر عن التقليد.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 350.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 350.
[3]انظر تيسير الداني 145، وكتاب السبعة لابن مجاهد 523 والبحر المحيط 7/ 242.
وقرأ عاصم وابن عامر وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً و (كثيرا)[1]في هذا أشبه كما قال جلّ وعزّ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة: 159] وهذا اللعن كثير.
[سورة الأحزاب (33) : آية 69]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69)
وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً خبر كان. ولو قلت: كان عبد الله عندنا جالسا، كان في نصبه وجهان: يكون خبر كان ويكون على الحال. والوجيه عند العرب العظيم القدر، الرفيع المنزلة، ويروى أنه كان إذا سأل الله شيئا أعطاه إياه.
[سورة الأحزاب (33) : آية 70]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70)
قال الحكم بن أبان عن عكرمة «قولوا قولا سديدا» قال: لا إله إلا الله وما أشبهها من الصدق والصواب. قال أبو جعفر: الاسم من هذا السّداد بفتح السين وقد استدّ فلان، القياس من فعله سدّ والأصل سدد. فأما السّداد بكسر السين فما غطّي به الشيء، وهو سداد من عوز.
[سورة الأحزاب (33) : آية 72]
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها قد ذكرناه. ومن حسن ما قيل في معناه أنّ معنى عرضنا أظهرنا كما تقول: عرضت الجارية على البيع، والمعنى: أنّا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السموات وأهل الأرض من الملائكة والجنّ والإنسان فأبين أن يحملنها أي أن يحملن وزرها، كما قال جلّ وعزّ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: 13] «وحملها الإنسان» قال الحسن يراد به الكافر والمنافق، قال: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً لنفسه جَهُولًا بربّه فيكون على هذا الجواب مجازا، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ، وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السموات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن وزرها وأطعن فيما أمرن به وما سخّرن له، وحملها الإنسان على ما مر من الجواب الذي تقدم.
[سورة الأحزاب (33) : آية 73]
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73)
[1]انظر تيسير الداني 145، وكتاب السبعة لابن مجاهد 523.
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ أي بالحجج القائمة عليهم من عرض الأمانة عليهم، وهي إظهار ما أظهر لهم من الوعيد. قال عبد الله بن مسعود:
الأمانة: الصلاة والصيام وغسل الجناية، وعن أبيّ بن كعب قال: من الأمانة أنّ المرأة اؤتمنت على فرجها. وفي حديث مرفوع «الأمانة الصلاة»[1]إن شئت قلت صليت، وإن شئت قلت لم أصلّ وكذا الصيام وغسل الجنابة. وقرأ الحسن ويتوب الله[2]بالرفع يقطعه من الأول أي يتوب عليهم بكل حال. وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً خبر بعد خبر لكان، ويجوز أن يكون نعتا لغفور، ويجوز أن يكون حالا من المضمر.
[1]انظر تفسير الطبري 22/ 23. [.....]
[2]انظر البحر المحيط 7/ 244، مختصر ابن خالويه 121.
34 شرح إعراب سورة سبأ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة سبإ (34) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ[1]
الَّذِي في موضع خفض على النعت أو البدل، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني. وحكى سيبويه: الحمد لله أهل الحمد بالنصب والرفع والخفض. وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ مبتدأ وخبره.
[سورة سبإ (34) : آية 2]
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ[2]
يَعْلَمُ في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون مستأنفا.
[سورة سبإ (34) : آية 3]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ[3]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي قسم، والجواب لَتَأْتِيَنَّكُمْ وقرأ أهل المدينة عالم الغيب[1]بالرفع لأن جواب القسم قد تقدّم فحسن الرفع بالابتداء والخبر ما بعده، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، ويجوز النصب بمعنى أعني، وقرأ أبو عمرو وعاصم عالِمِ الْغَيْبِ على النعت، وقرأ سائر الكوفيين علّام الغيب[2]بالخفض على النعت أيضا، فعالم يكون للقليل والكثير وعلّام للكثير لا غير، والمستعمل والأشبه في مثل هذا: عالم الغيب فإن قلت: علام الغيوب كان علّام أشبه. وقرأ يحيى بن وثاب والكسائي لا يعزب[3]بكسر الزاي، يقال: عزب يعزب
[1]انظر تيسير الداني 146، وكتاب السبعة لابن مجاهد 526.
[2]وهذه قراءة ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي، انظر البحر المحيط 7/ 248.
[3]انظر تيسير الداني 146، وكتاب السبعة لابن مجاهد 526.