[سورة سبإ (34) : آية 31]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31)
قال سعيد عن قتادة: وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب والأنبياء عليهم السلام.
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ الظَّالِمُونَ بالابتداء مرفوعون، ومَوْقُوفُونَ خبره، والجملة في موضع خفض بالإضافة، ولا يجوز أن تنصب «موقوفون» على الحال لأن إذ ظرف زمان فلا تكون خبرا عن الجثث، وجواب «لو» محذوف لعلم السامع. يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ أي يجاوبه واللغة الفصيحة هذه يقال: رجعت زيدا. يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ هذه اللغة الفصيحة ومن العرب من يقول: لولاكم حكاها سيبويه[1]ويكون «لولا» تخفض المضمر وترفع المظهر بعدها بالابتداء وتحذف خبره، ومحمد بن زيد يقول: لا يجوز «لولاكم» لأن المضمر عقب المظهر فلما كان المظهر مرفوعا بإجماع وجب أن يكون المضمر أيضا مرفوعا.
[سورة سبإ (34) : آية 32]
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32)
بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي أنتم اخترتم الكفر ولم يكن لنا عليكم سبيل إلّا أن دعوناكم فاستجبتم لنا.
[سورة سبإ (34) : آية 33]
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33)
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ قال الأخفش: أي هذا مكر الليل والنهار. قال أبو جعفر:
والمعنى والله جلّ وعزّ أعلم، مكركم في اللّيل والنهار أي مشارتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر الذي حملنا على هذا. قال محمد بن يزيد: أي بل مكركم الليل والنهار كما تقول العرب: نهاره صائم، وليله قائم، وأنشد: [الطويل] 346-
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى ... ونمت وما ليل المطيّ بنائم[2]
[1]انظر الكتاب 2/ 395.
[2]الشاهد لجرير في ديوانه 993، وخزانة الأدب 1/ 465، ولسان العرب (ريح) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 8/ 60، والصاحبي في فقه اللغة 222، والمحتسب 2/ 184، والمقتضب 3/ 105.
وأنشد سيبويه: [الرجز] 347-
فنام ليلي وتجلّى همّي[1]
أي نمت فيه، وروى جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ قال ممرّ اللّيل والنّهار عليهم فغفلوا، وقرأ راشد بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ[2]بالنصب كما يقال: رأيته مقدم الحاج، وإنما يجوز هذا فيما يعرف، ولو قلت: رأيته مقدم زيد لم يجز إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً قال: ويقال: نديد وأنشد:
[الوافر] 348-
أتيما تجعلون إليّ ندّا ... وما تيم لذي حسب نديد[3]
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ في معناه قولان: أحدهما أن معنى أسروا أظهروا وأنه من الأضداد، كما قال: [الطويل] 349-
تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا ... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي[4]
وقد روي يشرّون. وقيل وأسرّوا الندامة تبيّنت الندامة في أسرار وجوههم.
وقيل: الندامة لا تظهر وإنما تكون في القلب وإنما يظهر ما يتولّد عنها.
[سورة سبإ (34) : آية 34]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34)
إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها قال سعيد عن قتادة: مترفوها جبابرتها ورؤوسها وقادة الشر.
[سورة سبإ (34) : آية 36]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36)
أحسن ما قيل في هذا قاله الحسن، قال: يخير له والمعنى على قوله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أن الله جلّ وعزّ إنما يبسط الرزق لمن يشاء، ويقدر على المحنة ويفعل بهم الذي هو خير لهم.
[سورة سبإ (34) : آية 37]
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (37)
[1]الرجز لرؤبة في ديوانه 142، والمحتسب 2/ 184 وبلا نسبة في خزانة الأدب 8/ 202، والمقتضب 3/ 105.
[2]وهذه قراءة ابن جبير وطلحة أيضا، انظر البحر المحيط 7/ 271، ومختصر ابن خالويه 122.
[3]مرّ الشاهد رقم (237) .
[4]الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص 13، وجمهرة اللغة 736، وخزانة الأدب 11/ 238، وشرح شواهد المغني 2/ 651، ولسان العرب (شرر) ، ومغني اللبيب 1/ 265، وبلا نسبة في رصف المباني 292.
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى قال الأخفش: أي أزلافا. وهو اسم المصدر وزعم الفراء[1]أن التي تكون للأموال والأولاد جميعا، وله قول آخر، وهو مذهب أبي إسحاق، يكون المعنى وما أموالكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ثم حذف، وأنشد الفراء: [الخفيف] 350-
نحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرّأي مختلف[2]
وأنشد: [الكامل] 351-
إنّي ضمنت بما أتاني ما جنى ... وأبي وكان وكنت غير غدور[3]
ويجوز في غير القرآن باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذين للأولاد خاصة. إِلَّا مَنْ آمَنَ في موضع نصب بالاستثناء. وزعم أبو إسحاق أنه في موضع نصب على البدل من الكاف والميم التي في «تقربكم» وهذا القول كأنه غلط لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز: رأيتك زيدا. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء[4]إلّا أن الفراء لا يقول: بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين ولكن قوله يؤول إلى ذلك وزعم أن مثله إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 89] يكون منصوبا عنده بينفع وأجاز الفراء[5]أن يكون «من» في قوله جلّ وعزّ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ في موضع رفع بمعنى ما هو إلّا من آمن كذا قال، ولست أحصل معناه.
فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وأجاز النحويون أولئك لهم جزاء الضعف[6]يكون بدلا من جزاء أو على إضمار مبتدأ، وأجازوا «أولئك لهم جزاء الضّعف» بمعنى أولئك لهم أن نجزيهم الضعف، وأجازوا أولئك لهم جزاء الضعف[7]. قال أبو إسحاق:
والمعنى: أولئك لهم الضعف جزاء أي في حال مجازاتهم. وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ[8]وعن الحسن في الغرفات[9]إسكان الراء، وعن الأعمش وحمزة في الغرفة[10]. قال أبو جعفر: «الغرفات» جمع غرفة على جمع التسليم إلّا أن الراء ضمت فرقا بين الاسم والنعت، ومن قال: غرفات حذف الضمة لثقلها، ومن قال:
[1]انظر معاني الفراء 2/ 336.
[2]مرّ الشاهد رقم (185) .
[3]الشاهد للفرزدق في الكتاب 1/ 126، والردّ على النحاة 100، وشرح أبيات سيبويه 1/ 226، ولسان العرب (قعد) وتفسير الطبري 26/ 158، وبلا نسبة في معاني الفراء 1/ 434، وهو غير موجود في ديوان الفرزدق. [.....]
[4]انظر معاني الفراء 2/ 363.
[5]انظر معاني الفراء 2/ 363.
[6]انظر البحر المحيط 7/ 273.
[7]انظر معاني الفراء 2/ 364.
[8]انظر البحر المحيط 7/ 273.
[9]انظر البحر المحيط 7/ 273، ومختصر ابن خالويه 122، وتيسير الداني 147.
[10]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 530.
غرفات أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف، ويجوز أن يكون «غرفات» جمع غرف ومن قرأ الْغُرْفَةَ أتى بواحدة تدل على جماعة والجمع أشبه لأن الإخبار عن جمع.
[سورة سبإ (34) : آية 39]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وهذا فيما أنفق في طاعة الله جلّ وعزّ فهو مخلف لا محالة إما في الدنيا وإما في الآخرة. وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي رزق العباد.
[سورة سبإ (34) : آية 40]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40)
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً على الحال ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قال سعيد عن قتادة هذا استفهام مثل قوله جلّ وعزّ لعيسى عليه السلام: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ [المائدة: 116] . قال أبو جعفر: والمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم.
[سورة سبإ (34) : آية 41]
قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)
قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي أنت المتولّي لنا دونهم. بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي يطيعونهم. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ بقبولهم منهم وهو مجاز.
[سورة سبإ (34) : آية 46]
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46)
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ قال سفيان عن ليث عن مجاهد: «بواحدة» قال: لا إله إلا الله، وقال غيره: تقديره بخصلة واحدة ثم بينها بقوله جلّ وعزّ: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى وتكون «أن» في موضع خفض على البدل من واحدة أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ومذهب أبي إسحاق أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا مَثْنى وَفُرادى على الحال وهو لا ينصرف لعلّتين قد ذكرناهما[1]، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا معطوف على تقوموا.
[سورة سبإ (34) : آية 48]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (48)
وقرأ عيسى بن عمر علام الغيوب[2]على أنه بدل أي: قل إنّ ربّي علّام
[1]انظر إعراب الآية 3/ من سورة النساء.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 278، وهذه قراءة ابن أبي إسحاق وزيد بن علي وابن أبي عبلة وأبي حيوة وحرب أيضا.
الغيوب يقذف بالحقّ. قال أبو إسحاق: والرفع من جهتين: على الموضع لأن الموضع رفع وعلى البدل مما في «يقذف» . قال أبو جعفر: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبرا بعد خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر «إنّ» ومثله إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: 64] .
[سورة سبإ (34) : آية 49]
قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (49)
قُلْ جاءَ الْحَقُّ قال سعيد عن قتادة، قال: القرآن. قال أبو جعفر: والتقدير: جاء صاحب الحقّ أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج الحق. وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ قال سعيد عن قتادة، قال: الباطل إبليس. والتقدير في العربية صاحب الباطل. وقال الضحاك: الباطل الآلهة، وقال: وما يبدئ وما يعيد أي ما يحيى وما يميت وقال قتادة ما يُبْدِئُ وما يُعِيدُ ما يخلق وما يبعث، وقال غيره: «ما يُبْدِئُ الْباطِلُ» أي ما يبتدي بحجة و «ما يُعِيدُ» ما يحكي عن غيره حجة «ما» الأولى في موضع نصب يبدئ، و «ما» الثانية في موضع نصب بيعيد. قال أبو إسحاق: والأجود أن تكون «ما» نافية.
[سورة سبإ (34) : آية 50]
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي شرط وجوابه، وكذا وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي فإن جعلت «ما» بمعنى الذي كانت الهاء محذوفة، وإن جعلتها مصدرا لم يحتج إلى عائد إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أي يسمع ممن دعاه قريب الإجابة له.
[سورة سبإ (34) : آية 51]
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51)
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ حذف جواب «لو» قال أبو إسحاق: المعنى: ولو ترى إذ فزعوا لرأيت ما يعتبر به عبرة شديدة أي فلا فوت لهم أي فلا يمكنهم الفوت.
[سورة سبإ (34) : آية 52]
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52)
وقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ[1]بالهمز وأبو عبيد يستبعد هذه القراءة، لأن «التناؤش» البعد فيكون فكيف يكون وأنّى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة ولها وجهان في كلام العرب ولا يتناول بها هذا المتناول البعيد، فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية وذلك كثير في كلام العرب، وفي المصحف الذي نقلته
[1]انظر تيسير الداني 147، والبحر المحيط 7/ 280.
الجماعة عن الجماعة وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: 11] والأصل «وقّتت» لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: أدؤر. والوجه الآخر قد ذكره أبو إسحاق:
قال: يكون مشتقا من «النئيش» وهو الحركة في إبطاء أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد وقد كفروا به من قبل؟
[سورة سبإ (34) : آية 53]
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53)
وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ والعرب تقول لكلّ من يتكلّم بما لا يحقه: هو يقذف ويرجم بالغيب. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ على التمثيل بمن يرجم ولا يصيب برجمه.
ومن قرأ وَيَقْذِفُونَ[1]فمعناه عنده يقذف به إليهم من يغويهم ويضلّهم.
[سورة سبإ (34) : آية 54]
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب، وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهونه في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جلّ وعزّ وينتهوا إلى ما يأمرهم به فحيل بينهم وبين ذلك، لأن ذلك إنما كان في الدنيا، وقد زالت في ذلك الوقت. والأصل في حيل «حول» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء فحذفت حركتها لثقلها. إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ أي في الدنيا والتوحيد مُرِيبٍ أي يستراب به.
[1]انظر مختصر ابن خالويه 122.
35 شرح إعراب سورة فاطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة فاطر (35) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[1]
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، أو النصب على المدح، وحكى سيبويه[1]: الحمد لله أهل الحمد، مثله، وكذا جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ولا يجوز فيه التنوين لأنه لما مضى رُسُلًا مفعول ثان، ويقال: على إضمار فاعل لأن «فاعلا» إذا كان لما مضى مضافا لم يعمل شيئا أُولِي أَجْنِحَةٍ نعت، قال أبو إسحاق: أي أصحاب أجنحة مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لم ينصرف لأن فيها علّتين: إحداهما أنها معدولة فهذا اتّفاق، واختلف في الثانية لأن النحويين القدماء لم يذكروها. قال أبو إسحاق: العلّة الثانية أنّه عدل في حال نكرة وقال غيره: العلّة الثانية أنه صفة، وقول ثالث إنه معدول عن اثنين اثنين فهذه علّة ثانية.
[سورة فاطر (35) : آية 2]
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[2]
وأجاز النحويون[2]في غير القرآن: فلا ممسك له، على لفظ «ما» «ولها» على المعنى وأجازوا: وَما يُمْسِكْ فلا مرسل لها على معنى «ما» ، وأجازوا: فلا ممسك لها، يكون بمعنى ليس وكذا «فلا مرسل له» وأجازوا: «ما يفتح الله للناس من رحمة» تكون «ما» بمعنى الذي.
[سورة فاطر (35) : آية 3]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)
[1]انظر الكتاب 2/ 57.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 66.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ هذه قراءة شيبة ونافع وأبي عمرو وعاصم، وقرأ شقيق بن سلمة ويزيد بن القعقاع ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي هل من خالق غير الله[1]ويجوز نصب غير على الاستثناء. والرفع من جهتين:
إحداهما بمعنى: هل من خالق إلّا الله بمعنى ما خالق إلّا الله، والوجه الثاني أن يكون نعتا على الموضع، لأن المعنى هو خالق غير الله. والخفض على اللفظ، وقال حماد ابن سلمة: حدّثنا حميد الطويل قال: قلت للحسن: من خلق الشرّ؟ فقال: سبحان الله، هل من خالق غير الله جلّ وعزّ الله خلق الخير والشرّ.
[سورة فاطر (35) : آية 4]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تأسيا له صلّى الله عليه وسلّم. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قال أبو إسحاق: أي الأمور مرجعها إلى الله جلّ وعزّ فيجازي من كذّب وينصر من كذّب من رسله.
[سورة فاطر (35) : آية 5]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشغل الإنسان بنعيمها وفتنتها عن عمل الآخرة حتى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الفجر: 24] وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. وقال شعبة عن سماك وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ[2]بضم الغين. وفيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون مع غار، كما تقول جالس وجلوس، وهذا أحسن ما قيل فيه، ويكون معناه كمعنى «الغرور» ، قال أبو حاتم:
الغرور جمع غر، وغر مصدر، والقول الثالث يكون الغرور مصدرا، وهذا بعيد عند أبي إسحاق لأن غررته متعد، والمصدر من المتعدّي إنّما هو على فعل نحو ضربته ضربا إلّا أشياء يسيرة سمعت لا يقاس عليها قالوا: لزمته لزما، ونهكه المرض نهوكا. فأما معنى هذا الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: الغرور بالله جلّ وعزّ أن يكون الإنسان يعمل المعاصي ثم يتمنّى على الله جلّ وعزّ المغفرة.
[سورة فاطر (35) : آية 6]
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6)
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ويكون عدوّ بمعنى معاد فيثنّى ويجمع ويؤنث، ويكون بمعنى النسب فيكون موحّدا بكلّ حال كما قال جلّ وعزّ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء:
77] وفي المؤنث على هذا عدوّ أيضا. فأما قول بعض النحويين: إن الواو خفيّة فجاؤوا بالهاء فخطأ بل الواو حرف جلد. فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا مفعولان. إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ
[1]انظر تيسير الداني 148، وفيه (غير الله) بخفض الراء قراءة حمزة والكسائي والباقون برفعها. [.....]
[2]انظر مختصر ابن خالويه 122.