غرفات أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف، ويجوز أن يكون «غرفات» جمع غرف ومن قرأ الْغُرْفَةَ أتى بواحدة تدل على جماعة والجمع أشبه لأن الإخبار عن جمع.
[سورة سبإ (34) : آية 39]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وهذا فيما أنفق في طاعة الله جلّ وعزّ فهو مخلف لا محالة إما في الدنيا وإما في الآخرة. وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي رزق العباد.
[سورة سبإ (34) : آية 40]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40)
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً على الحال ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قال سعيد عن قتادة هذا استفهام مثل قوله جلّ وعزّ لعيسى عليه السلام: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ [المائدة: 116] . قال أبو جعفر: والمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم.
[سورة سبإ (34) : آية 41]
قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)
قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي أنت المتولّي لنا دونهم. بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي يطيعونهم. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ بقبولهم منهم وهو مجاز.
[سورة سبإ (34) : آية 46]
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46)
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ قال سفيان عن ليث عن مجاهد: «بواحدة» قال: لا إله إلا الله، وقال غيره: تقديره بخصلة واحدة ثم بينها بقوله جلّ وعزّ: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى وتكون «أن» في موضع خفض على البدل من واحدة أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ومذهب أبي إسحاق أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا مَثْنى وَفُرادى على الحال وهو لا ينصرف لعلّتين قد ذكرناهما[1]، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا معطوف على تقوموا.
[سورة سبإ (34) : آية 48]
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (48)
وقرأ عيسى بن عمر علام الغيوب[2]على أنه بدل أي: قل إنّ ربّي علّام
[1]انظر إعراب الآية 3/ من سورة النساء.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 278، وهذه قراءة ابن أبي إسحاق وزيد بن علي وابن أبي عبلة وأبي حيوة وحرب أيضا.
الغيوب يقذف بالحقّ. قال أبو إسحاق: والرفع من جهتين: على الموضع لأن الموضع رفع وعلى البدل مما في «يقذف» . قال أبو جعفر: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبرا بعد خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر «إنّ» ومثله إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: 64] .
[سورة سبإ (34) : آية 49]
قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (49)
قُلْ جاءَ الْحَقُّ قال سعيد عن قتادة، قال: القرآن. قال أبو جعفر: والتقدير: جاء صاحب الحقّ أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج الحق. وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ قال سعيد عن قتادة، قال: الباطل إبليس. والتقدير في العربية صاحب الباطل. وقال الضحاك: الباطل الآلهة، وقال: وما يبدئ وما يعيد أي ما يحيى وما يميت وقال قتادة ما يُبْدِئُ وما يُعِيدُ ما يخلق وما يبعث، وقال غيره: «ما يُبْدِئُ الْباطِلُ» أي ما يبتدي بحجة و «ما يُعِيدُ» ما يحكي عن غيره حجة «ما» الأولى في موضع نصب يبدئ، و «ما» الثانية في موضع نصب بيعيد. قال أبو إسحاق: والأجود أن تكون «ما» نافية.
[سورة سبإ (34) : آية 50]
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)
قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي شرط وجوابه، وكذا وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي فإن جعلت «ما» بمعنى الذي كانت الهاء محذوفة، وإن جعلتها مصدرا لم يحتج إلى عائد إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أي يسمع ممن دعاه قريب الإجابة له.
[سورة سبإ (34) : آية 51]
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51)
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ حذف جواب «لو» قال أبو إسحاق: المعنى: ولو ترى إذ فزعوا لرأيت ما يعتبر به عبرة شديدة أي فلا فوت لهم أي فلا يمكنهم الفوت.
[سورة سبإ (34) : آية 52]
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52)
وقرأ أبو عمرو والكسائي والأعمش وحمزة وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ[1]بالهمز وأبو عبيد يستبعد هذه القراءة، لأن «التناؤش» البعد فيكون فكيف يكون وأنّى لهم البعد من مكان بعيد. قال أبو جعفر: والقراءة جائزة حسنة ولها وجهان في كلام العرب ولا يتناول بها هذا المتناول البعيد، فأحد الوجهين أن يكون الأصل غير مهموز ثم همزت الواو لأن الحركة فيها خفية وذلك كثير في كلام العرب، وفي المصحف الذي نقلته
[1]انظر تيسير الداني 147، والبحر المحيط 7/ 280.
الجماعة عن الجماعة وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [المرسلات: 11] والأصل «وقّتت» لأنه مشتق من الوقت. ويقال في جمع دار: أدؤر. والوجه الآخر قد ذكره أبو إسحاق:
قال: يكون مشتقا من «النئيش» وهو الحركة في إبطاء أي من أين لهم الحركة فيما قد بعد وقد كفروا به من قبل؟
[سورة سبإ (34) : آية 53]
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53)
وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ والعرب تقول لكلّ من يتكلّم بما لا يحقه: هو يقذف ويرجم بالغيب. مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ على التمثيل بمن يرجم ولا يصيب برجمه.
ومن قرأ وَيَقْذِفُونَ[1]فمعناه عنده يقذف به إليهم من يغويهم ويضلّهم.
[سورة سبإ (34) : آية 54]
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب، وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهونه في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جلّ وعزّ وينتهوا إلى ما يأمرهم به فحيل بينهم وبين ذلك، لأن ذلك إنما كان في الدنيا، وقد زالت في ذلك الوقت. والأصل في حيل «حول» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء فحذفت حركتها لثقلها. إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ أي في الدنيا والتوحيد مُرِيبٍ أي يستراب به.
[1]انظر مختصر ابن خالويه 122.
35 شرح إعراب سورة فاطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة فاطر (35) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[1]
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، أو النصب على المدح، وحكى سيبويه[1]: الحمد لله أهل الحمد، مثله، وكذا جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا ولا يجوز فيه التنوين لأنه لما مضى رُسُلًا مفعول ثان، ويقال: على إضمار فاعل لأن «فاعلا» إذا كان لما مضى مضافا لم يعمل شيئا أُولِي أَجْنِحَةٍ نعت، قال أبو إسحاق: أي أصحاب أجنحة مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لم ينصرف لأن فيها علّتين: إحداهما أنها معدولة فهذا اتّفاق، واختلف في الثانية لأن النحويين القدماء لم يذكروها. قال أبو إسحاق: العلّة الثانية أنّه عدل في حال نكرة وقال غيره: العلّة الثانية أنه صفة، وقول ثالث إنه معدول عن اثنين اثنين فهذه علّة ثانية.
[سورة فاطر (35) : آية 2]
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[2]
وأجاز النحويون[2]في غير القرآن: فلا ممسك له، على لفظ «ما» «ولها» على المعنى وأجازوا: وَما يُمْسِكْ فلا مرسل لها على معنى «ما» ، وأجازوا: فلا ممسك لها، يكون بمعنى ليس وكذا «فلا مرسل له» وأجازوا: «ما يفتح الله للناس من رحمة» تكون «ما» بمعنى الذي.
[سورة فاطر (35) : آية 3]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)
[1]انظر الكتاب 2/ 57.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 66.
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ هذه قراءة شيبة ونافع وأبي عمرو وعاصم، وقرأ شقيق بن سلمة ويزيد بن القعقاع ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي هل من خالق غير الله[1]ويجوز نصب غير على الاستثناء. والرفع من جهتين:
إحداهما بمعنى: هل من خالق إلّا الله بمعنى ما خالق إلّا الله، والوجه الثاني أن يكون نعتا على الموضع، لأن المعنى هو خالق غير الله. والخفض على اللفظ، وقال حماد ابن سلمة: حدّثنا حميد الطويل قال: قلت للحسن: من خلق الشرّ؟ فقال: سبحان الله، هل من خالق غير الله جلّ وعزّ الله خلق الخير والشرّ.
[سورة فاطر (35) : آية 4]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تأسيا له صلّى الله عليه وسلّم. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ قال أبو إسحاق: أي الأمور مرجعها إلى الله جلّ وعزّ فيجازي من كذّب وينصر من كذّب من رسله.
[سورة فاطر (35) : آية 5]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشغل الإنسان بنعيمها وفتنتها عن عمل الآخرة حتى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي [الفجر: 24] وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. وقال شعبة عن سماك وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ[2]بضم الغين. وفيه ثلاثة أقوال: منها أن يكون مع غار، كما تقول جالس وجلوس، وهذا أحسن ما قيل فيه، ويكون معناه كمعنى «الغرور» ، قال أبو حاتم:
الغرور جمع غر، وغر مصدر، والقول الثالث يكون الغرور مصدرا، وهذا بعيد عند أبي إسحاق لأن غررته متعد، والمصدر من المتعدّي إنّما هو على فعل نحو ضربته ضربا إلّا أشياء يسيرة سمعت لا يقاس عليها قالوا: لزمته لزما، ونهكه المرض نهوكا. فأما معنى هذا الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: الغرور بالله جلّ وعزّ أن يكون الإنسان يعمل المعاصي ثم يتمنّى على الله جلّ وعزّ المغفرة.
[سورة فاطر (35) : آية 6]
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6)
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ويكون عدوّ بمعنى معاد فيثنّى ويجمع ويؤنث، ويكون بمعنى النسب فيكون موحّدا بكلّ حال كما قال جلّ وعزّ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء:
77] وفي المؤنث على هذا عدوّ أيضا. فأما قول بعض النحويين: إن الواو خفيّة فجاؤوا بالهاء فخطأ بل الواو حرف جلد. فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا مفعولان. إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ
[1]انظر تيسير الداني 148، وفيه (غير الله) بخفض الراء قراءة حمزة والكسائي والباقون برفعها. [.....]
[2]انظر مختصر ابن خالويه 122.
كفّت «ما» «إنّ» عن العمل فوقع بعدها الفعل لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
[سورة فاطر (35) : آية 7]
الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)
الَّذِينَ كَفَرُوا يكون بدلا من «أصحاب» ويكون في موضع خفض، ويكون بدلا من حزبه فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلا من الواو فيكون في موضع رفع، وقول رابع، وهو أحسنها، يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ. فأما وَالَّذِينَ آمَنُوا ففي موضع رفع بالابتداء وخبره لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ.
[سورة فاطر (35) : آية 8]
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8)
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ «من» في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف لما دلّ عليه. قال الكسائي: والذي دلّ عليه. فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ والمعنى: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا ذهبت نفسك عليهم حسرات، قال: وهذا كلام عربي حسن ظريف لا يعرفه إلّا قليل. والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره فمن الدلالة على المحذوف، والمعنى أنّ الله جلّ وعزّ نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن شدّة الاغتمام بهم والحزن عليهم كما قال جلّ وعزّ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ [الشعراء: 3] قال أهل التفسير: أي: قاتل نفسك، وقرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا نصر بن علي قال: سألت الأصمعي عن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في أهل اليمن «هم أرقّ قلوبا وأبخع طاعة»[1]ما معنى أبخع طاعة، قال أنصح طاعة قال: فقلت له: إنّ أهل التفسير مجاهدا وغيره يقولون: في قول الله جلّ وعزّ لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ معناه قاتل نفسك فقال: هو من ذلك بعينه كأنه من شدّة النصح لهم قاتل نفسه، وقراءة أبي جعفر فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ[2]والمعنيان متقاربان و «حسرات» منصوب على أنه مفعول من أجله أو مصدر.
[سورة فاطر (35) : آية 9]
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9)
وبَلَدٍ مَيِّتٍ وميّت[3]واحد، وكذا ميتة وميتة واحد. هذا قول الحذّاق من النحويين، وقال محمد بن يزيد: هذا قول البصريين ولم يستثن أحدا واستدلّ على ذلك بدلائل قاطعة من كلام العرب.
[1]أخرجه الترمذي في المناقب 10/ 286.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 288، ومعاني الفراء 2/ 367.
[3]انظر تيسير الداني 73.
وأنشد[1]: [الخفيف] 352-
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
إنّما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرّخاء
ويروى «قليل الرّجاء» قال: فهل ترى بين ميت وميت من فرق؟ وأنشد: [البسيط] 353-
هينون لينون أيسار بنو يسر ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار[2]
قال: قد أجمعوا على أنّ قوله: هينون وهيّنون واحد، فكذا ميت وميّت وسيد وسيّد، قال: وزعم سيبويه أن قولهم كان كينونة وصار صيرورة الأصل فيه كينونة وصيرورة، وكذا قيدودة، وردّ محمد بن يزيد[3]على الكوفيين قولهم: إنه فعلول من جهتين: إحداهما لأنه ليس في كلام العرب فعلول والثانية أنه لو كان كما قالوا لكان بالواو. قال أبو جعفر: هذا كلام بيّن حسن في كينونة لأنها من الكون وفي القيدودة لأنها من الأقود. كَذلِكَ النُّشُورُ أي كذلك تحيون بعد ما متّم. من نشر الإنسان نشورا إذا حيي وأنشره الله جلّ وعزّ.
[سورة فاطر (35) : آية 10]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ التقدير عند الفراء: من كان يريد علم العزّة، وكذا قال غيره من أهل العلم من كان يريد علم العزّة التي لا ذلة معها لأن العزّة إذا كانت تؤدّي إلى ذلّة فإنها هي تعرّض للذلة، والعزّة التي لا ذلّة معها لله جلّ وعزّ. جَمِيعاً على الحال. وقدر أبو إسحاق معناه: من كان يريد بعبادة الله جلّ وعزّ العزّة به فإن الله يعزّه في الآخرة والدنيا. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ تمّ الكلام وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي إليه يصعد الكلام[4]والكلم جمع كلمة. وأهل التفسير ابن عباس ومجاهد والربيع ابن أنس وشهر بن حوشب وغيرهم قالوا: والمعنى العمل الصالح يرفع الكلم الطيّب.
وهذا رد على المرجئة. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ رفع بالابتداء أو على إضمار فعل. فأما أن يكون مرفوعا بمعنى ويرفعه العمل الصالح فخطأ لأن الفاعل إذا كان قبل الفعل لم يرتفع بالفعل. هذا قول جميع النحويين إلّا شيئا حكاه لنا علي بن سليمان عن أحمد بن
[1]الشعر لعدي بن الرعلاء في تاج العروس (موت) ، ولسان العرب (موت) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 14/ 343 وتاج العروس (حيي) ، والتنبيه والإيضاح 1/ 173.
[2]الشاهد لعبيد بن العرندس الكلابي في الكامل 72، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 1/ 265، والخصائص 2/ 289، والمنصف 3/ 61.
[3]انظر المقتضب 3/ 135.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 367، والبحر المحيط 7/ 290.
يحيى أنه أجاز: زيد قام بمعنى قام زيد. قال أبو جعفر: ويبيّن لك فساد هذا قول العرب: الزيدان قاما، ولو كان كما قال لقيل: الزيدان قام. وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ بمعنى والذين يعملون السيئات فتكون السيئات مفعولة، ويجوز أن يكون التقدير والذين يسيئون فيكون السيئات مصدرا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ خبر «الذين. وَمَكْرُ أُولئِكَ مبتدأ، وهو ابتداء ثان ويَبُورُ خبر الثاني، ويجوز أن يكون خبرا عن الأول، ويكون هذا زائدة. وتقول: بار يبور إذا هلك ومنه بارت السوق، ونعوذ بالله جلّ وعزّ بوار الأيّم.
[سورة فاطر (35) : آية 11]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ قال سعيد عن قتادة قال: يعني آدم صلّى الله عليه وسلّم والتقدير على هذا خلق أصلكم من تراب. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ قال: أي التي أخرجها من ظهور آبائكم. ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً قال: أي زوّج بعضكم بعضا. وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ. حدّثنا علي بن الحسين عن الحسن بن حمد قال: حدّثنا ابن عوانة عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: وما يعمّر من معمّر إلّا كتب عمره كم هو سنة؟ كم هو شهرا؟ كم هو يوما؟ وكم هو ساعة؟ ثم يكتب عند عمره نقص كذا نقص كذا حتى يوافق النقصان العمر. ومذهب الفراء في معنى وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي ما يطوّل من عمره وما ينقص من عمره يعني آخر أي ولا ينقص الآخر من عمر ذاك إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ والفعل منه يسر، ولو سمّيت به إنسانا انصرف لأنه فعيل.
[سورة فاطر (35) : الآيات 12 الى 13]
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ روى ابن عباس قال: فرات حلو، وأجاج:
مالح مرّ. وقرأ طلحة وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ[1]بفتح الميم وكسر اللام بغير ألف، وأما المالح فهو الذي يجعل الملح لإصلاح الشيء. وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا لا اختلاف في هذا أنّه منهما جميعا. وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها مذهب أبي إسحاق أن الحلية إنما تستخرج من الملح فقيل: منهما لأنهما مختلطان، وقال غيره: إنما تستخرج
[1]انظر البحر المحيط 7/ 291، والمحتسب 2/ 199.