[سورة الصافات (37) : آية 151]
أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151)
أَلا إِنَّهُمْ «إنّ» بعد «ألا» مكسورة لأنها مبتدأة، وحكى سيبويه أنّها تكون بعد «أما» تكون مفتوحة ومكسورة فالفتح على أن تكون أما بمعنى حقا، والكسر على أن يكون أما بمعنى ألا. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: يجوز فتحها بعد «ألا» تشبيها بأما، فأمّا في الآية فلا يجوز إلّا كسرها لأن بعدها اللام.
[سورة الصافات (37) : الآيات 153 الى 154]
أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154)
أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ استفهام فيه معنى التوبيخ. فأما ما روي[1]عن أبي جعفر وشيبة ونافع أنّهم قرءوا وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَناتِ بوصل الألف فلا يصحّ عنهم، وزعم أبو حاتم أنه لا وجه له لأن بعده ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ فالكلام جار على التوبيخ. قال أبو جعفر: هذه القراءة وإن كانت شاذة فهي تجوز من وجهتين إحداهما أن تكون تبيينا لما قالوا ويكون ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ منقطعا مما قبله، والجهة الأخرى أنه قد حكى النحويون منهم الفراء أنّ التوبيخ يكون استفهاما وبغير استفهام، كما قال جلّ وعزّ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [الأحقاف: 20] وجعلوا بينه وبين الجنّة نسبا أكثر أهل التفسير على أن الجنّة هاهنا الملائكة وقال أهل الاشتقاق: قيل لهم: جنّة لأنهم لا يرون، وثم قول آخر غريب رواه إسرائيل عن السّدّي عن أبي مالك قال: إنما قيل للملائكة جنّة لأنهم على الجنان، والملائكة كلهم جنّة.
[سورة الصافات (37) : آية 158]
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158)
كسرت إنّ لدخول اللام.
[سورة الصافات (37) : آية 160]
إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160)
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ نصب على الاستثناء. الْمُخْلَصِينَ من نعتهم.
[سورة الصافات (37) : الآيات 161 الى 162]
فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (161) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (162)
أهل التفسير مجمعون فيما علمته على أن المعنى: ما أنتم بمضلّين أحدا إلّا من قدّر الله جلّ وعزّ عليه أن يضلّ، فروى فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم قال:
ليس بتابعكم على عبادة آلهتكم وعبادتكم إلّا من كتب الله جلّ وعزّ عليه أن يصلى الجحيم. وروى عمر بن ذر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما أنتم بمضلّين إِلَّا مَنْ
[1]انظر البحر المحيط 7/ 361، ومعاني الفراء 2/ 394.
هُوَ صالِ الْجَحِيمِ. وعن ابن عباس: ما أنتم بمضلّين إلّا من قدّر عليه أن يضلّ.
وروى أبو الأشهب جعفر بن حيان عن الحسن قال: يا بني إبليس ما أنتم بمضلّين أحدا من الناس إلّا من قدّر الله عليه أن يضلّ. قال أبو جعفر: ففي هذه الآية ردّ على القدرية من كتاب الله جلّ وعزّ، وفيها من المعاني أنّ الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلّا من كتب الله جلّ وعزّ عليه أنه لا يهتدي، ولو علم الله جلّ وعزّ أنّه يهتدي لحال بينه وبينهم. وعلى هذا قوله جلّ وعزّ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء: 64] أي لست تصل منهم إلى شيء إلّا إلى ما في علمي. قال الفراء[1]: أهل الحجاز يقولون: فتنته، وأهل نجد يقولون: أفتنته.
[سورة الصافات (37) : آية 163]
إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163)
وعن الحسن أنه قرأ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ[2]بضم اللام فجماعة من أهل العربية يقولون: لحن لأنه لا يجوز: هذا قاض فاعلم. قال أبو جعفر: ومن أحسن ما قيل فيه ما سمعت من عليّ بن سليمان يقول. هو محمول على المعنى لأن معنى «من» جماعة فالتقدير: فيه صالون، فحذفت النون للإضافة وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وفيهما قول آخر: أن يكون على القلب فإذا قلب قيل: صايل ثم يحذف الياء فيقال:
صال كما يقال: شاك.
[سورة الصافات (37) : آية 164]
وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164)
فيه تقديران عند أهل العربية: أحدهما وما منا إلّا من له وحذفت من وهذا مذهب الكوفيين، وفيه ما لا خفاء فيه من حذف الموصول، والقول الآخر أنّ المعنى: وما منّا ملك إلّا لهم مقام معلوم، وهذا قول البصريين. فأما اتصال هذا بما قبله فإنه فيما يروى أن الملائكة تبرّأت ممّن يعبدها، وتعجبت من ذلك لاجتهادها فقال: وما منا إلّا له مقام معلوم.
[سورة الصافات (37) : الآيات 165 الى 166]
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)
وفي الحديث عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن في المسجد فقال: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربهم. فقلنا يا رسول الله كيف تصفّ الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمّمون الصفوف ويتراصون في الصفّ»[3].
[1]انظر معاني الفراء 2/ 394.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 362، ومعاني الفراء 2/ 394.
[3]أخرجه أبو داود في سننه، الصلاة رقم (661) وابن ماجة في سننه رقم (992) .
[سورة الصافات (37) : آية 167]
وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (167)
لمّا خففت «إن» دخلت على الفعل ولزمتها اللام فرقا بين النفي والإيجاب.
والكوفيون يقولون «إن» بمعنى «ما» واللام بمعنى إلّا.
[سورة الصافات (37) : الآيات 168 الى 169]
لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169)
أي لو جاءنا ذكر كما جاء الأولين لأخلصنا العبادة.
[سورة الصافات (37) : آية 170]
فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170)
فَكَفَرُوا أي بالذكر، والفراء[1]يقدره على حذف أي فجاءهم محمد صلّى الله عليه وسلّم بالقرآن فكفروا به. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال أبو إسحاق: أي فسوف يعلمون مغبّة كفرهم.
[سورة الصافات (37) : آية 171]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)
قال الفراء: بالسعادة، وقال غيره: التقدير: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.
[سورة الصافات (37) : آية 172]
إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172)
فلمّا دخلت اللام كسرت «إن» .
[سورة الصافات (37) : آية 173]
وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173)
على المعنى، ولو كان على اللفظ لكان هو الغالب مثل قوله: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ [ص: 11] . وقال الكسائي: جاء هاهنا على الجمع من أجل أنه رأس آية.
[سورة الصافات (37) : آية 174]
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174)
قال قتادة: أي إلى الموت، وقال أبو إسحاق: أي الوقت الذي أمهلوا إليه.
[سورة الصافات (37) : آية 177]
فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177)
فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ أي العذاب، قال أبو إسحاق: وكان عذاب هؤلاء بالقتل.
وساء بمعنى: بئس، ورفع صَباحُ بها.
[سورة الصافات (37) : آية 180]
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180)
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ على البدل قال أبو إسحاق: ويجوز النصب على المدح والرفع بمعنى: هو رب العزة.
[سورة الصافات (37) : الآيات 181 الى 182]
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182)
ولو كان في غير القرآن لجاز النصب على المصدر.
[1]انظر معاني الفراء 2/ 395.
38 شرح إعراب سورة ص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة ص (38) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ[1]
بإسكان الدال لأنها حروف تهجّ، والأجود عند سيبويه[1]فيها الإسكان. ولا تعرب لأن حكمها الوقوف عليها وقراءة الحسن صاد[2]بكسر الدال بغير تنوين ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [عبس: 6] فالمعنى صادي القرآن بعملك أي قابلة به. وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسّر به قراءته رواية صحيحة عنه أنّ المعنى: اتله وتعرّض لقراءته. والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقراءة عيسى بن عمر (صاد) بفتح الدال، له فيها ثلاثة مذاهب:
أحداهنّ أن يكون بمعنى اتل صاد. والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين، واختار الفتح للإتباع، الثالث أن يكون منصوبا على القسم بغير حروف. وقراءة ابن أبي إسحاق (صاد) بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضا على حذف حرف القسم. قال أبو جعفر:
وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله، ويجوز أن يكون مشبّها بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. وصاد إذا جعلته اسما للسورة لم ينصرف كما أنك إذا سمّيت مؤنثا بمذكّر لم ينصرف وإن قلّت حروفه. وَالْقُرْآنِ خفض بواو القسم بدل من الباء. ذِي الذِّكْرِ نعت وعلامة الخفض الياء، وهو اسم معتل والأصل فيه ذوي على فعل.
[سورة ص (38) : آية 2]
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ[2]
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بالابتداء. فِي عِزَّةٍ خبره أي في تكبّر وامتناع من قبول الحقّ، كما قال جلّ وعزّ: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة:
206] . وَشِقاقٍ من شاقّ يشاقّ إذا خالف، واشتقاقه أنه صار في شقّ غير الشقّ الآخر.
[1]انظر الكتاب 3/ 294.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 396.
[سورة ص (38) : آية 3]
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ[3]
كَمْ في موضع نصب بأهلكنا. فَنادَوْا قال قتادة: فنادوا في غير نداء. قال أبو جعفر: ومعناه على قوله في غير نداء ينجي، كما قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين توبة ولا ينفع العمل. وهذا تفسير من الحسن لقوله جلّ وعزّ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، قال ليس حين. فأما إسرائيل فيروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس وَلاتَ حِينَ مَناصٍ قال: ليس بحين نزو ولا فرار، قال ضبط القوم جميعا. قال أبو جعفر:
وأصله من ناص ينوص إذا تأخّر، ويقال: ناص ينوص إذا تقدّم. وأما «ولات حين» فقد تكلّم النحويون فيه وفي الوقوف عليه، وكثّر فيه أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب القراءات» ، وكلّ ما جاء به فيه إلّا يسيرا مردود. قال سيبويه[1]: لات مشبّهة بليس، والاسم فيها مضمر أي ليست أحياننا حين مناص، وحكي أنّ من العرب من يرفع بها فيقول وَلاتَ حِينَ مَناصٍ[2]، وحكي أنّ الرفع قليل، ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب أي ولات حين مناص لنا. والوقوف عليها عند سيبويه والفراء[3]، وهو قول أبي الحسن بن كيسان وأبي إسحاق، ولات بالتاء ثم تبتدئ حين مناص. قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما قال سيبويه لأنه شبّهها بليس فكما تقول ليست تقول: لات. والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه، وهو قول محمد ابن يزيد، كما حكى لنا عنه علي بن سليمان، وحكي عنه أنّ الحجّة في ذلك أنها «لا» دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال: ثمّة وربّة. وأما أبو عبيد فقال: اختلف العلماء فيها فقال بعضهم: لات ثم تبتدئ فتقول: حين. ثم لم يذكر عن العلماء غير هذا القول وكلامه يوجب غير هذا ثم ذكر احتجاجهم بأنها في المصاحف كلّها كذا ثم قال: وهذه حجّة لولا أنّ ثمّ حججا تردّها ثم ذكر حججا لا يصحّ منها شيء، وسنذكرها إن شاء الله تعالى، ونبين ما يردّها. قال: والوقوف عندي بغير تاء ثم تبتدئ بحين مناص ثم ذكر الحجج فقال: إحداهنّ أنّا لم نجد في كلام العرب لات إنما هي «لا» . قال أبو جعفر: لو لم يكن في هذا من الردّ إلا اجتماع المصاحف على ما أنكره فكيف وقد روي خلاف ما قال جميع النحويين المذكورين من البصريين والكوفيين، فقال سيبويه: «لات» مشبهة بليس، وقال الفراء عن الكسائي أحسبه أنه سأل أبا السمّال فقال: كيف تقف على ولات؟ فوقف عليها بالهاء. قال أبو عبيد: والحجة الثانية أنّ تفسير ابن عباس يدلّ على ذلك لأن ابن عباس قال: ليس حين نزو ولا فرار. قال أبو جعفر: تفسير ابن عباس يدلّ على أن الصحيح غير قوله، ولو كان على قوله لقال ابن عباس ليس تحين مناص، ولم يرو هذا أحد. قال أبو عبيد: والحجة الثالثة أنّا لم نجد
[1]انظر الكتاب 1/ 101.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 368.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 398. [.....]
العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن، وأنشد لأبي وجزة السعدي: [الكامل] 374-
العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان أين المطعم[1]
وأنشد لأبي زبيد الطائي: [الخفيف] 375-
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء[2]
وأنشد: [الخفيف] 376-
نولّي قبل يوم بيني جمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا[3]
قال أبو جعفر: وإنشاد أهل اللغة جميعا على غير ما قال. قال الفراء: أنشدني المفضل:
377-
تذكّر حبّ ليلى لات حينا ... وأضحى الشّيب قد قطع القرينا[4]
قال أبو جعفر: فأما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فقرأه العلماء باللغة على أربعة أوجه كلّها على خلاف ما أنشده، وفي أحدها تقديران. رواه أبو العباس محمد بن يزيد «العاطفون ولات ما من عاطف» ، والرواية الثانية «العاطفون ولات حين تعاطف» ، والرواية الثالثة رواها أبو الحسن بن كيسان «العاطفونه حين ما من عاطف» جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبّهت بهاء التأنيث، والرواية الرابعة هي «العاطفونه حين ما من عاطف» . وفي هذه الرواية تقديران: أحدهما، وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق، أن الهاء في موضع نصب كما تقول: الضاربون زيدا، فإذا كنّيت قلت: الضاربوه، وأجاز سيبويه[5]الضاربونه في الشعر، فجاء إسماعيل بالبيت
[1]الشاهد لأبي وجزة السعدي في الأزهية 264، والإنصاف 1/ 108، وخزانة الأدب 4/ 175، والدرر 2/ 115، ولسان العرب (ليت) و (عطف) و (أين) و (حين) و (ما) ، وبلا نسبة في الجنى الداني 487، وخزانة الأدب 9/ 383، والدرر 2/ 122، ورصف المباني ص 163، وسرّ صناعة الإعراب 1/ 163، وشرح الأشموني 3/ 882، ومجالس ثعلب 1/ 270، والممتع في التصريف 1/ 273، وهمع الهوامع 1/ 126.
[2]الشاهد لأبي زبيد الطائي في ديوانه 30، والإنصاف 109، وتخليص الشواهد 295، وتذكرة النحاة 734، وخزانة الأدب 4/ 183، والدرر 2/ 119، وشرح شواهد المغني ص 640، والمقاصد النحوية 2/ 156، وبلا نسبة في جواهر الأدب 249، وخزانة الأدب 4/ 169، والخصائص 2/ 370، ورصف المباني 169، وسرّ صناعة الإعراب 509، وشرح الأشموني 1/ 126، وشرح المفصّل 9/ 32، ولسان العرب (أون) و (لات) ، ومغني اللبيب 255، وهمع الهوامع 1/ 126.
[3]الشاهد لجميل بثينة في ديوانه 196، ولسان العرب (تلن) ، وبلا نسبة في الإنصاف 110، وتذكرة النحاة 735، والجنى الداني 487، ورصف المباني 173، وسرّ صناعة الإعراب 166، ولسان العرب (أين) و (حين) ، والممتع في التصريف 1/ 273.
[4]الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء 2/ 397، وتفسير الطبري 2/ 144.
[5]انظر الشاهد رقم 368.
على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر «العاطفونه» على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه، في الوقف ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف. كما قرأ أهل المدينة ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [الحاقة: 29] .
وأما البيت الثاني فلا حجّة له فيه لأنه يوقف عليه ولات أوان غير أنّ فيه شيئا مشكلا لأنه روي «ولات أوان» بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا ومنصوبا، وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ ولات حين مناص[1]بكسر التاء من «لات» والنون من «حين» فإن الثّبت عنه أنه قرأ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ فبنى لات على الكسر ونصب حين فأما «ولات أوان» ففيه تقديران: قال الأخفش: فيه مضمر أي ولات حين أوان.
قال أبو جعفر: وهذا القول بيّن الخطأ، والتقدير الآخر عن أبي إسحاق، قال تقديره:
ولات حين أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألّا يعرب فكسره لالتقاء الساكنين، وأنشد محمد بن يزيد «ولات أوان» بالرفع.
وأما البيت فبيت مولّد لا يعرف قائله، ولا يصح به حجّة على أن محمد بن يزيد رواه «كما زعمت الآن» وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن، فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما احتجاجه بحديث عبد الله بن عمر لما ذكر للرجل مناقب عثمان رضي الله عنه. قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك، فلا حجّة فيه لأن المحدّث إنما يروي هذا على المعنى، والدليل على هذا أنّ مجاهدا روى عن عمرو بن عمر هذا الحديث، وقال فيه: اذهب فاجهد جهدك، ورواه آخر اذهب بها الآن معك فأمّا احتجاجه بأنه وجدها في الإمام «تحين» فلا حجة فيه لأن معنى الإمام أنه إمام للمصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلّها ولات. فلو لم يكن في هذا إلّا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص.
[سورة ص (38) : آية 5]
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5)
وَعَجِبُوا أَنْ في موضع نصب، والمعنى من أن جاءهم.
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً مفعولان.
[سورة ص (38) : آية 6]
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6)
وَانْطَلَقَ في موضع نصب، والمعنى: بأن امشوا. والْمَلَأُ الأشراف، وقد سمّوا، في رواية محمد بن إسحاق، أنهم أبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأميّة بن خلف والعاصي بن وائل وأبو معيط جاءوا إلى أبي طالب، فقالوا
[1]انظر البحر المحيط 7/ 368.
له: أنت سيدنا فانصفنا في قومنا وأنفسنا فاكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه قد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له: إنّ قومك يدعونك إلى السواء والنصفة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: إني أدعوهم إلى كلمة واحدة، فقال أبو جهل: وعشرا، فقال: يقولون: لا إله إلّا الله فقاموا، وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا الآيات. قال أبو جعفر: وقيل المعنى: وانطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ أي على عبادة آلهتكم إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي إن هذا الذي جاء به محمد عليه السلام لشيء يراد به زوال نعم قوم وغير تنزل بهم.
[سورة ص (38) : الآيات 7 الى 8]
ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8)
أي تكذيب وابتداع. يقال: خلق واختلق أي ابتدع، وخلق الله الخلق من هذا أي ابتدعهم على غير مثال، ثم بيّن أنهم حساد لقولهم أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي وهو القرآن بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ والأصل إثبات الياء، وجاز الحذف لأنه رأس آية.
[سورة ص (38) : الآيات 9 الى 10]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10)
قيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم مما أنعم الله به عليه، وكذا أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فإن ادعوا ذلك فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي في أسباب السموات، وقيل: في الأسباب التي ذكرت التي لا تكون إلّا لله جلّ وعزّ. والأصل فليرتقوا، حذفت الكسرة لثقلها، يقال: رقي يرقى، وارتقى يرتقي، إذا صعد، ورقّى يرقي رقيا رمى يرمي رميا، من الرقية ثم وعد الله نبيه النصر فقال جلّ ذكره: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ فهزم الله جلّ وعزّ الأحزاب كما وعده. و «ما» زائدة للتوكيد، وتأول الفراء معنى مهزوم أنه مغلوب على أن يصعد إلى السماء.
[سورة ص (38) : آية 12]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12)
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أنّث «قوم» على معنى الجماعة، ولو جاء مذكّرا لجاز على معنى الجميع. وصرف نوح وإن كان أعجميا، لأنه على ثلاثة أحرف فخفّ، ومنع فِرْعَوْنُ من الصرف لأنه قد جاوز ثلاثة أحرف فلم يصرف لعجمته وأنّه معرفة وزعم محمد بن إسحاق اسم فرعون الوليد بن مصعب، قال: وقد قيل: إن اسمه مصعب بن الربان، وقال غيره: كان يسمّى من ملك مصر فرعون، كما يسمّى من ملك