بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 303

[سورة ص (38) : آية 3]
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ[3]
كَمْ في موضع نصب بأهلكنا. فَنادَوْا قال قتادة: فنادوا في غير نداء. قال أبو جعفر: ومعناه على قوله في غير نداء ينجي، كما قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين توبة ولا ينفع العمل. وهذا تفسير من الحسن لقوله جلّ وعزّ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، قال ليس حين. فأما إسرائيل فيروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس وَلاتَ حِينَ مَناصٍ قال: ليس بحين نزو ولا فرار، قال ضبط القوم جميعا. قال أبو جعفر:
وأصله من ناص ينوص إذا تأخّر، ويقال: ناص ينوص إذا تقدّم. وأما «ولات حين» فقد تكلّم النحويون فيه وفي الوقوف عليه، وكثّر فيه أبو عبيد القاسم بن سلام في «كتاب القراءات» ، وكلّ ما جاء به فيه إلّا يسيرا مردود. قال سيبويه[1]: لات مشبّهة بليس، والاسم فيها مضمر أي ليست أحياننا حين مناص، وحكي أنّ من العرب من يرفع بها فيقول وَلاتَ حِينَ مَناصٍ[2]، وحكي أنّ الرفع قليل، ويكون الخبر محذوفا كما كان الاسم محذوفا في النصب أي ولات حين مناص لنا. والوقوف عليها عند سيبويه والفراء[3]، وهو قول أبي الحسن بن كيسان وأبي إسحاق، ولات بالتاء ثم تبتدئ حين مناص. قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما قال سيبويه لأنه شبّهها بليس فكما تقول ليست تقول: لات. والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء ولاه، وهو قول محمد ابن يزيد، كما حكى لنا عنه علي بن سليمان، وحكي عنه أنّ الحجّة في ذلك أنها «لا» دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال: ثمّة وربّة. وأما أبو عبيد فقال: اختلف العلماء فيها فقال بعضهم: لات ثم تبتدئ فتقول: حين. ثم لم يذكر عن العلماء غير هذا القول وكلامه يوجب غير هذا ثم ذكر احتجاجهم بأنها في المصاحف كلّها كذا ثم قال: وهذه حجّة لولا أنّ ثمّ حججا تردّها ثم ذكر حججا لا يصحّ منها شيء، وسنذكرها إن شاء الله تعالى، ونبين ما يردّها. قال: والوقوف عندي بغير تاء ثم تبتدئ بحين مناص ثم ذكر الحجج فقال: إحداهنّ أنّا لم نجد في كلام العرب لات إنما هي «لا» . قال أبو جعفر: لو لم يكن في هذا من الردّ إلا اجتماع المصاحف على ما أنكره فكيف وقد روي خلاف ما قال جميع النحويين المذكورين من البصريين والكوفيين، فقال سيبويه: «لات» مشبهة بليس، وقال الفراء عن الكسائي أحسبه أنه سأل أبا السمّال فقال: كيف تقف على ولات؟ فوقف عليها بالهاء. قال أبو عبيد: والحجة الثانية أنّ تفسير ابن عباس يدلّ على ذلك لأن ابن عباس قال: ليس حين نزو ولا فرار. قال أبو جعفر: تفسير ابن عباس يدلّ على أن الصحيح غير قوله، ولو كان على قوله لقال ابن عباس ليس تحين مناص، ولم يرو هذا أحد. قال أبو عبيد: والحجة الثالثة أنّا لم نجد
[1]انظر الكتاب 1/ 101.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 368.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 398. [.....]


صفحه 304

العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن، وأنشد لأبي وجزة السعدي: [الكامل] 374-
العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان أين المطعم[1]
وأنشد لأبي زبيد الطائي: [الخفيف] 375-
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء[2]
وأنشد: [الخفيف] 376-
نولّي قبل يوم بيني جمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا[3]
قال أبو جعفر: وإنشاد أهل اللغة جميعا على غير ما قال. قال الفراء: أنشدني المفضل:
377-
تذكّر حبّ ليلى لات حينا ... وأضحى الشّيب قد قطع القرينا[4]
قال أبو جعفر: فأما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فقرأه العلماء باللغة على أربعة أوجه كلّها على خلاف ما أنشده، وفي أحدها تقديران. رواه أبو العباس محمد بن يزيد «العاطفون ولات ما من عاطف» ، والرواية الثانية «العاطفون ولات حين تعاطف» ، والرواية الثالثة رواها أبو الحسن بن كيسان «العاطفونه حين ما من عاطف» جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبّهت بهاء التأنيث، والرواية الرابعة هي «العاطفونه حين ما من عاطف» . وفي هذه الرواية تقديران: أحدهما، وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق، أن الهاء في موضع نصب كما تقول: الضاربون زيدا، فإذا كنّيت قلت: الضاربوه، وأجاز سيبويه[5]الضاربونه في الشعر، فجاء إسماعيل بالبيت
[1]الشاهد لأبي وجزة السعدي في الأزهية 264، والإنصاف 1/ 108، وخزانة الأدب 4/ 175، والدرر 2/ 115، ولسان العرب (ليت) و (عطف) و (أين) و (حين) و (ما) ، وبلا نسبة في الجنى الداني 487، وخزانة الأدب 9/ 383، والدرر 2/ 122، ورصف المباني ص 163، وسرّ صناعة الإعراب 1/ 163، وشرح الأشموني 3/ 882، ومجالس ثعلب 1/ 270، والممتع في التصريف 1/ 273، وهمع الهوامع 1/ 126.
[2]الشاهد لأبي زبيد الطائي في ديوانه 30، والإنصاف 109، وتخليص الشواهد 295، وتذكرة النحاة 734، وخزانة الأدب 4/ 183، والدرر 2/ 119، وشرح شواهد المغني ص 640، والمقاصد النحوية 2/ 156، وبلا نسبة في جواهر الأدب 249، وخزانة الأدب 4/ 169، والخصائص 2/ 370، ورصف المباني 169، وسرّ صناعة الإعراب 509، وشرح الأشموني 1/ 126، وشرح المفصّل 9/ 32، ولسان العرب (أون) و (لات) ، ومغني اللبيب 255، وهمع الهوامع 1/ 126.
[3]الشاهد لجميل بثينة في ديوانه 196، ولسان العرب (تلن) ، وبلا نسبة في الإنصاف 110، وتذكرة النحاة 735، والجنى الداني 487، ورصف المباني 173، وسرّ صناعة الإعراب 166، ولسان العرب (أين) و (حين) ، والممتع في التصريف 1/ 273.
[4]الشاهد بلا نسبة في معاني الفراء 2/ 397، وتفسير الطبري 2/ 144.
[5]انظر الشاهد رقم 368.


صفحه 305

على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر «العاطفونه» على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه، في الوقف ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف. كما قرأ أهل المدينة ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [الحاقة: 29] .
وأما البيت الثاني فلا حجّة له فيه لأنه يوقف عليه ولات أوان غير أنّ فيه شيئا مشكلا لأنه روي «ولات أوان» بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا ومنصوبا، وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ ولات حين مناص[1]بكسر التاء من «لات» والنون من «حين» فإن الثّبت عنه أنه قرأ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ فبنى لات على الكسر ونصب حين فأما «ولات أوان» ففيه تقديران: قال الأخفش: فيه مضمر أي ولات حين أوان.
قال أبو جعفر: وهذا القول بيّن الخطأ، والتقدير الآخر عن أبي إسحاق، قال تقديره:
ولات حين أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألّا يعرب فكسره لالتقاء الساكنين، وأنشد محمد بن يزيد «ولات أوان» بالرفع.
وأما البيت فبيت مولّد لا يعرف قائله، ولا يصح به حجّة على أن محمد بن يزيد رواه «كما زعمت الآن» وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن، فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما احتجاجه بحديث عبد الله بن عمر لما ذكر للرجل مناقب عثمان رضي الله عنه. قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك، فلا حجّة فيه لأن المحدّث إنما يروي هذا على المعنى، والدليل على هذا أنّ مجاهدا روى عن عمرو بن عمر هذا الحديث، وقال فيه: اذهب فاجهد جهدك، ورواه آخر اذهب بها الآن معك فأمّا احتجاجه بأنه وجدها في الإمام «تحين» فلا حجة فيه لأن معنى الإمام أنه إمام للمصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلّها ولات. فلو لم يكن في هذا إلّا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص.

[سورة ص (38) : آية 5]
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5)
وَعَجِبُوا أَنْ في موضع نصب، والمعنى من أن جاءهم.
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً مفعولان.

[سورة ص (38) : آية 6]
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6)
وَانْطَلَقَ في موضع نصب، والمعنى: بأن امشوا. والْمَلَأُ الأشراف، وقد سمّوا، في رواية محمد بن إسحاق، أنهم أبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأميّة بن خلف والعاصي بن وائل وأبو معيط جاءوا إلى أبي طالب، فقالوا
[1]انظر البحر المحيط 7/ 368.


صفحه 306

له: أنت سيدنا فانصفنا في قومنا وأنفسنا فاكفنا أمر ابن أخيك وسفهاء معه قد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له: إنّ قومك يدعونك إلى السواء والنصفة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: إني أدعوهم إلى كلمة واحدة، فقال أبو جهل: وعشرا، فقال: يقولون: لا إله إلّا الله فقاموا، وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا الآيات. قال أبو جعفر: وقيل المعنى: وانطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ أي على عبادة آلهتكم إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي إن هذا الذي جاء به محمد عليه السلام لشيء يراد به زوال نعم قوم وغير تنزل بهم.

[سورة ص (38) : الآيات 7 الى 8]
ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8)
أي تكذيب وابتداع. يقال: خلق واختلق أي ابتدع، وخلق الله الخلق من هذا أي ابتدعهم على غير مثال، ثم بيّن أنهم حساد لقولهم أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي وهو القرآن بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ والأصل إثبات الياء، وجاز الحذف لأنه رأس آية.

[سورة ص (38) : الآيات 9 الى 10]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10)
قيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم مما أنعم الله به عليه، وكذا أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فإن ادعوا ذلك فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي في أسباب السموات، وقيل: في الأسباب التي ذكرت التي لا تكون إلّا لله جلّ وعزّ. والأصل فليرتقوا، حذفت الكسرة لثقلها، يقال: رقي يرقى، وارتقى يرتقي، إذا صعد، ورقّى يرقي رقيا رمى يرمي رميا، من الرقية ثم وعد الله نبيه النصر فقال جلّ ذكره: جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ فهزم الله جلّ وعزّ الأحزاب كما وعده. و «ما» زائدة للتوكيد، وتأول الفراء معنى مهزوم أنه مغلوب على أن يصعد إلى السماء.

[سورة ص (38) : آية 12]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12)
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أنّث «قوم» على معنى الجماعة، ولو جاء مذكّرا لجاز على معنى الجميع. وصرف نوح وإن كان أعجميا، لأنه على ثلاثة أحرف فخفّ، ومنع فِرْعَوْنُ من الصرف لأنه قد جاوز ثلاثة أحرف فلم يصرف لعجمته وأنّه معرفة وزعم محمد بن إسحاق اسم فرعون الوليد بن مصعب، قال: وقد قيل: إن اسمه مصعب بن الربان، وقال غيره: كان يسمّى من ملك مصر فرعون، كما يسمّى من ملك


صفحه 307

اليمن تبّعا، وهم التبابعة، ومن ملك فارس كسرى، وقال محمد بن يزيد: كسرى بفتح الكاف، ومن ملك الروم قيصر وهرقل وذُو الْأَوْتادِ نعت.

[سورة ص (38) : آية 14]
إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14)
إِنْ كُلٌّ بمعنى ما كلّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ الأصل إثبات الياء، وحذفت لأنه رأس آية والكسرة دالّة عليها.

[سورة ص (38) : آية 15]
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (15)
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ بمعنى ما ينتظر ومنه انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:
13] إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال عبد الله بن عمر: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من الله جلّ وعزّ على أهل الأرض. ما لَها مِنْ فَواقٍ[1]قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وأبي عمرو وعاصم، ومن فواق بضم القاف قراءة يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. وأصحّ ما قيل فيهما أنهما لغتان بمعنى واحد، وحكى ذلك الكسائي والفراء.

[سورة ص (38) : آية 16]
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16)
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا من أحسن ما قيل في معناه ما قاله سعيد بن جبير قال:
قالوا: ربّنا عجّل لنا نصيبنا في الآخرة قبل يوم الحساب. وهو مشتقّ من قططت الشيء أي قطعته. فالنصيب قطعة تقطع للإنسان، وذلك معروف في كلام العرب أن يقال في النصيب: قطّ ويقال للكتاب المكتوب بالجائزة قطّ كما قال الأعشى: [الطويل] 378-
ولا الملك النّعمان يوم لقيته ... بإمّته يعطي القطوط ويأفق[2]
«بإمّته» أي بنعمته وحاله الجليلة، و «يافق» يصلح «القطوط» جمع قطّ وهو الكتاب بالجائزة، ويقال في جمعه: قططة، وفي القليل أقطّ وأقطاط.

[سورة ص (38) : آية 17]
اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)
وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ نعت. والأيد والآد كما يقال: العيب والعاب، ومنه رجل أيّد. إِنَّهُ أَوَّابٌ قال الضحاك: أي ثواب، وعن غيره أنه كان كلّما ذكر ذنبه أو خطر على باله استغفر منه كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي لاستغفر في اليوم والليلة مائة
[1]انظر تيسير الداني 15، والبحر المحيط 7/ 373.
[2]الشاهد للأعشى في ديوانه 269، ولسان العرب (قطط) و (أفق) ، وتهذيب اللغة 8/ 264، وكتاب الجيم 3/ 66، ومقاييس اللغة 1/ 116، وجمهرة اللغة 150، وكتاب العين 5/ 227، ومجمل اللغة 4/ 115، وتاج العروس (قطط) و (أفق) ، وبلا نسبة في المخصص 4/ 102.


صفحه 308

مرّة»[1]ويقال: آب يؤوب إذا رجع، كما قال: [مخلع البسيط] 379-
وكلّ ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب[2]

[سورة ص (38) : آية 18]
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18)
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ في موضع نصب على الحال. ويروى أنها كانت تجيبه بالتسبيح، وقيل: سخّرها الله جلّ وعزّ لتسير معه فذلك تسبيحها لأنها دالّة على تنزيه الله جلّ وعزّ عن شبه المخلوقين. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ من أشرقت الشمس إذا أضاءت وصفت. وعن ابن عباس قال: صلاة الضحى مذكورة في كتاب الله جلّ وعزّ، وقرأ «يسبّحن بالعشيّ والإشراق» .

[سورة ص (38) : الآيات 19 الى 20]
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (20)
إِنَّا سَخَّرْنَا معطوف على الجبال. قال الفراء[3]: ولو قرئ (والطّير محشورة) لجاز لأنه لم يظهر الفعل، وكذا لو قرئ (وشددنا ملكه) وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ فعولان وَفَصْلَ الْخِطابِ معطوف عليه.

[سورة ص (38) : آية 21]
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21)
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ وبعده إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ لأنّ الخصم يؤدّي عن الجمع وهو مصدر في الأصل من خصمته خصما. وحقيقته في العربية إذا قلت: القوم خصم له، معناه ذوو خصم ثم أقمت المضاف إليه مقام المضاف، وقد يقال: خصوم كما يقال: عدول.

[سورة ص (38) : آية 22]
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22)
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فجاءت إذ مرتين لأنهما فعلان، وزعم الفراء[4]إحداهما بمعنى «لمّا» . وقول آخر أن تكون الثانية وما بعدها تبيينا لما قبلها. قالُوا لا تَخَفْ حذفت الضمة من الفاء للجزم، وحذفت الألف المنقلبة من الواو لئلا يلتقي ساكنان خَصْمانِ وقبل هذا إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ لأن اثنين جمع. قال الخليل رحمه الله:
كما تقول: نحن فعلنا، إذا كنتما اثنين، وقال الكسائي: جمع لما كان خبرا فلما انقضى
[1]أخرجه أبو داود في سننه- الصلاة رقم الحديث (1515) ، وابن ماجة في سننه الحديث رقم (3815) .
[2]الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 16، ولسان العرب (أوب) ، وتهذيب اللغة 15/ 608، ومقاييس اللغة 1/ 153.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 401.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 401.


صفحه 309

الخبر وجاءت المخاطبة خبّر الاثنان عن أنفسهما فقالا «خصمان» . قال أبو إسحاق: أي نحن خصمان، وقال غيره: القول محذوف أي يقول خصمان. قال أبو إسحاق: ولو كان بالنصب خصمين لجاز أي أتيناك خصمين. بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ قال الكسائي: ولو كان بغى بعضهما على بعض لجاز، وقال غيره: بغى بعضنا يجوز أن يراد به داود صلّى الله عليه وسلّم فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وقرأ الحسن وأبو رجاء وَلا تُشْطِطْ[1]بفتح التاء وضم الطاء الأولى، وقال أبو حاتم لا يعرف هذا في اللغة. قال أبو جعفر: يقال أشطّ يشطّ إذا جار في الحكم أو القول، وشطّ يشطّ ويشطّ إذا بعد فيشطط في الآية أبين ويشطط يجوز أي لا تبعد عن الحق، كما قال: [المتقارب] 380-
تشطّ غدا دار جيراننا ... وللدّار بعد غد أبعد[2]

[سورة ص (38) : آية 23]
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23)
وقرأ الحسن تسع وتسعون نعجة[3]بفتح التاء فيها، وهي لغة شاذة وهي الصحيحة من قراءة الحسن. والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة. وعن عبد الله بن مسعود رحمه الله أنه قرأ وعازّني في الخطاب[4].

[سورة ص (38) : آية 24]
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (24)
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ فيقال: إن هذه خطيّة داود صلّى الله عليه وسلّم لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبيت بيّنة، ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه هل كان هذا كذا أم لم يكن؟ هذا قول، فأما قول العلماء المتقدّمين الذين لا يدفع قولهم، منهم عبد الله بن مسعود وابن عباس رحمهما الله فإنهم قالوا: ما زاد داود صلّى الله عليه وسلّم على أن قال للرجل: انزل عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه الله جلّ وعزّ على هذا، ونبهه عليه. وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن يخطئ إلى غير هذا، فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم ويلحقه فيه الإثم العظيم. بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إضافة على المجاز أي بسؤال نعجتك. وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ جمع خليط، وهو الشريك فهذا جمع ما لم يكن في واو، ولا يجوز في طويل طولاء لثقل الحركة في الواو وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ قال أبو عمر والفراء[5]: ظنّ بمعنى
[1]انظر البحر المحيط 7/ 376.
[2]الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 300، وبلا نسبة في لسان العرب (شطط) وتهذيب اللغة 11: 264، وتاج العروس (شطط) . [.....]
[3]انظر البحر المحيط 7/ 376.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 404.
[5]انظر معاني الفراء 2/ 404.


صفحه 310

أيقن إلّا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاني أن يكون الظنّ بمعنى اليقين. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ أَنَّما فَتَنَّاهُ[1]بتشديد التاء والنون على التكثير، وعن قتادة أنه قرأه. إنما فتناه بتخفيفهما. فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً على الحال.

[سورة ص (38) : آية 25]
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ في موضع نصب بغفرنا، ويجوز أن يكون في موضع رفع أي الأمر ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى. قال مجاهد عن عبيد بن عمر قال: الزلفى الدنو من الله جلّ وعزّ يوم القيامة.

[سورة ص (38) : آية 26]
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26)
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ أي مكّنّاك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بفتح الياء بلا اختلاف فيها، وهو فعل لازم ولو ضممت الياء كان متعدّيا بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ أي تركوا العمل. يقال: نسي الشيء إذا تركه.

[سورة ص (38) : الآيات 27 الى 28]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)
وشرح هذا أنهم كانوا يقولون: ليست ثمّ عقوبة ولا نار فالكافر والعاصي يسعدان باللذات وغصب الأموال، والمظلوم يشقى، لأنهما يصيران إلى شيء واحد، فرد الله جل وعز هذا عليهم بأنه ما خلق السّماء والأرض وما بينهما باطلا لأن الذين ادعوه باطل وذلك منهم ظنّ وبيّن ذلك جلّ وعزّ بقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ فكان في هذا ردّ على المرجئة لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد كالمصلح أو أرفع درجة منه، وبعده أيضا أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ.

[سورة ص (38) : آية 29]
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29)
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ بمعنى هذا كتاب. مُبارَكٌ من نعته.

[سورة ص (38) : آية 30]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
نِعْمَ الْعَبْدُ مرفوع بنعم.
[1]انظر البحر المحيط 7/ 377.