مرّة»[1]ويقال: آب يؤوب إذا رجع، كما قال: [مخلع البسيط] 379-
وكلّ ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب[2]
[سورة ص (38) : آية 18]
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18)
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ في موضع نصب على الحال. ويروى أنها كانت تجيبه بالتسبيح، وقيل: سخّرها الله جلّ وعزّ لتسير معه فذلك تسبيحها لأنها دالّة على تنزيه الله جلّ وعزّ عن شبه المخلوقين. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ من أشرقت الشمس إذا أضاءت وصفت. وعن ابن عباس قال: صلاة الضحى مذكورة في كتاب الله جلّ وعزّ، وقرأ «يسبّحن بالعشيّ والإشراق» .
[سورة ص (38) : الآيات 19 الى 20]
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (20)
إِنَّا سَخَّرْنَا معطوف على الجبال. قال الفراء[3]: ولو قرئ (والطّير محشورة) لجاز لأنه لم يظهر الفعل، وكذا لو قرئ (وشددنا ملكه) وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ فعولان وَفَصْلَ الْخِطابِ معطوف عليه.
[سورة ص (38) : آية 21]
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21)
وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ وبعده إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ لأنّ الخصم يؤدّي عن الجمع وهو مصدر في الأصل من خصمته خصما. وحقيقته في العربية إذا قلت: القوم خصم له، معناه ذوو خصم ثم أقمت المضاف إليه مقام المضاف، وقد يقال: خصوم كما يقال: عدول.
[سورة ص (38) : آية 22]
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22)
إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فجاءت إذ مرتين لأنهما فعلان، وزعم الفراء[4]إحداهما بمعنى «لمّا» . وقول آخر أن تكون الثانية وما بعدها تبيينا لما قبلها. قالُوا لا تَخَفْ حذفت الضمة من الفاء للجزم، وحذفت الألف المنقلبة من الواو لئلا يلتقي ساكنان خَصْمانِ وقبل هذا إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ لأن اثنين جمع. قال الخليل رحمه الله:
كما تقول: نحن فعلنا، إذا كنتما اثنين، وقال الكسائي: جمع لما كان خبرا فلما انقضى
[1]أخرجه أبو داود في سننه- الصلاة رقم الحديث (1515) ، وابن ماجة في سننه الحديث رقم (3815) .
[2]الشاهد لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 16، ولسان العرب (أوب) ، وتهذيب اللغة 15/ 608، ومقاييس اللغة 1/ 153.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 401.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 401.
الخبر وجاءت المخاطبة خبّر الاثنان عن أنفسهما فقالا «خصمان» . قال أبو إسحاق: أي نحن خصمان، وقال غيره: القول محذوف أي يقول خصمان. قال أبو إسحاق: ولو كان بالنصب خصمين لجاز أي أتيناك خصمين. بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ قال الكسائي: ولو كان بغى بعضهما على بعض لجاز، وقال غيره: بغى بعضنا يجوز أن يراد به داود صلّى الله عليه وسلّم فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وقرأ الحسن وأبو رجاء وَلا تُشْطِطْ[1]بفتح التاء وضم الطاء الأولى، وقال أبو حاتم لا يعرف هذا في اللغة. قال أبو جعفر: يقال أشطّ يشطّ إذا جار في الحكم أو القول، وشطّ يشطّ ويشطّ إذا بعد فيشطط في الآية أبين ويشطط يجوز أي لا تبعد عن الحق، كما قال: [المتقارب] 380-
تشطّ غدا دار جيراننا ... وللدّار بعد غد أبعد[2]
[سورة ص (38) : آية 23]
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (23)
وقرأ الحسن تسع وتسعون نعجة[3]بفتح التاء فيها، وهي لغة شاذة وهي الصحيحة من قراءة الحسن. والعرب تكني عن المرأة بالنعجة والشاة. وعن عبد الله بن مسعود رحمه الله أنه قرأ وعازّني في الخطاب[4].
[سورة ص (38) : آية 24]
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (24)
قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ فيقال: إن هذه خطيّة داود صلّى الله عليه وسلّم لأنه قال: لقد ظلمك من غير تثبيت بيّنة، ولا إقرار من الخصم ولا سؤال لخصمه هل كان هذا كذا أم لم يكن؟ هذا قول، فأما قول العلماء المتقدّمين الذين لا يدفع قولهم، منهم عبد الله بن مسعود وابن عباس رحمهما الله فإنهم قالوا: ما زاد داود صلّى الله عليه وسلّم على أن قال للرجل: انزل عن امرأتك. قال أبو جعفر: فعاتبه الله جلّ وعزّ على هذا، ونبهه عليه. وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن يخطئ إلى غير هذا، فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم ويلحقه فيه الإثم العظيم. بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إضافة على المجاز أي بسؤال نعجتك. وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ جمع خليط، وهو الشريك فهذا جمع ما لم يكن في واو، ولا يجوز في طويل طولاء لثقل الحركة في الواو وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ قال أبو عمر والفراء[5]: ظنّ بمعنى
[1]انظر البحر المحيط 7/ 376.
[2]الشاهد لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه 300، وبلا نسبة في لسان العرب (شطط) وتهذيب اللغة 11: 264، وتاج العروس (شطط) . [.....]
[3]انظر البحر المحيط 7/ 376.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 404.
[5]انظر معاني الفراء 2/ 404.
أيقن إلّا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاني أن يكون الظنّ بمعنى اليقين. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ أَنَّما فَتَنَّاهُ[1]بتشديد التاء والنون على التكثير، وعن قتادة أنه قرأه. إنما فتناه بتخفيفهما. فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً على الحال.
[سورة ص (38) : آية 25]
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ في موضع نصب بغفرنا، ويجوز أن يكون في موضع رفع أي الأمر ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى. قال مجاهد عن عبيد بن عمر قال: الزلفى الدنو من الله جلّ وعزّ يوم القيامة.
[سورة ص (38) : آية 26]
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26)
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ أي مكّنّاك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بفتح الياء بلا اختلاف فيها، وهو فعل لازم ولو ضممت الياء كان متعدّيا بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ أي تركوا العمل. يقال: نسي الشيء إذا تركه.
[سورة ص (38) : الآيات 27 الى 28]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)
وشرح هذا أنهم كانوا يقولون: ليست ثمّ عقوبة ولا نار فالكافر والعاصي يسعدان باللذات وغصب الأموال، والمظلوم يشقى، لأنهما يصيران إلى شيء واحد، فرد الله جل وعز هذا عليهم بأنه ما خلق السّماء والأرض وما بينهما باطلا لأن الذين ادعوه باطل وذلك منهم ظنّ وبيّن ذلك جلّ وعزّ بقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ فكان في هذا ردّ على المرجئة لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد كالمصلح أو أرفع درجة منه، وبعده أيضا أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ.
[سورة ص (38) : آية 29]
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29)
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ بمعنى هذا كتاب. مُبارَكٌ من نعته.
[سورة ص (38) : آية 30]
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
نِعْمَ الْعَبْدُ مرفوع بنعم.
[1]انظر البحر المحيط 7/ 377.
[سورة ص (38) : آية 31]
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31)
الْجِيادُ جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر، كما يقال للإنسان: جواد إذا كان سريع العطيّة غزيرها غير أنه يقال: قوم أجواد وخيل جياد وقد قيل: جياد جمع جائد. وقائل هذا يحتجّ بأنه لو كان جمع جواد لقيل جواد، كطويل وطوال. ويقال في جمع جواد: جوداء وأجوداء وجود بإسكان الواو وجوود بضمها.
[سورة ص (38) : الآيات 32 الى 33]
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (33)
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ الفراء[1]يقدّره مفعولا أي آثرت حبّ الخيل، وغيره يقدره مصدرا وهو يقدّر الخيل بمعنى الخير، وغيره يقول: معنى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أنه كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار إليها بيده لأنه يصلّي حتّى توارت الخيل، وسترها جدر الإصطبلات فلمّا فرغ من صلاته قال: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً[2]أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، وليري أن الجليل لا يقبح به أن يفعل مثل هذا بخيله.
وقال قائل هذا القول: كيف يقتلها وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له؟ وقيل المسح هاهنا القطع أذن له في قتلها. والسّوق جمع ساق مثل دار ودور، وفي أقلّ العدد أسوق. والساق مؤنّثة.
[سورة ص (38) : آية 34]
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34)
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ أي اختبرناه بما يثقل عليه وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً قيل يعني به ولدا له ميّتا. وذلك أنه طاف على جواريه، وقال: أرجو أن تلد كلّ واحدة منهم ذكرا، وفي الحديث أنه لم يقل إن شاء الله فلم تحمل إلّا واحدة منهن، ومات الولد وألقي على كرسيّه فتنة على محبّة الدّنيا، والرغبة فيها، واستدعاء الولد، وأنه لا ينبغي أن يكون كذا ثُمَّ أَنابَ أي رجع عما كان عليه. وقد قيل: جسد شيطان.
[سورة ص (38) : آية 35]
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي قيل: ليس في هذا دليل على أنّ ذلك الفعل منه ذنب، لأنه قد يكون له أن يستغفر مما عمله قبل النبوة أو يستغفر مما يعرض له.
[سورة ص (38) : آية 40]
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)
[1]انظر معاني الفراء 2/ 405.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 380.
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي قرين. وَحُسْنَ مَآبٍ أي مرجع.
[سورة ص (38) : آية 41]
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (41)
وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ على البدل. إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وقرأ عيسى ابن عمر (إنّي)[1]بكسر الهمزة. قال الفراء[2]: واجتمعت القراء على أن قرءوا «بنصب» بضم النون والتخفيف. وهذا غلط ويعدّ مناقضة أيضا، لأنه قال: اجتمعت القراء على هذا، وحكي بعده أنهم ذكروا عن يزيد بن القعقاع أنه قرأ (بنصب)[3]بفتح النون والصاد فغلط على أبي جعفر، وإنّما قرأ أبو جعفر (بنصب) بضم النون والصاد، كذا حكاه أبو عبيد وغيره، وهو يروى عن الحسن فأما (بنصب) فهو قراءة عاصم الجحدري ويعقوب الحضرمي وقد رويت هذه القراءة أيضا عن الحسن، وقد حكي (بنصب) . وهذا كلّه عند أكثر النحويين بمعنى النّصب. فنصب ونصب كحزن وحزن، وقد يجوز أن يكون نصّب جمع نصب كوثن ووثن، ويجوز أن يكون نصب بمعنى نصب حذفت منه الضمة فأما وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3] فقيل: إنه جمع نصاب ونصب على أصل المصدر. وقد قيل في معنى مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ: أنه ما يلحقه من وسوسته لا غير، والله أعلم.
[سورة ص (38) : آية 42]
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (42)
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ قال الكسائي: أي قلنا، وقال محمد بن يزيد: الرّكض التحريك ولهذا قال الأصمعي: يقال ركضت الدابة ولا يقال: ركضت هي، لأن الركض إنما هو تحريك راكبها برجليه ولا فعل لها في ذلك، وحكى سيبويه: ركضت الدابة فركضت هي مثل جبرت العظم فجبر وحزنته فحزن.
[سورة ص (38) : آية 43]
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43)
وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ تأوّل هذا مجاهد على أن الله جلّ وعزّ ردّ عليه أهله فأعطاه مثلهم في الآخرة فصار له أهله في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة. فأما ما يروى عن عبد الله بن مسعود لمّا بلغه أن مروان قال: إنّما أعطي عوضا من أهله ولم يعطهم بأعيانهم فقال: ليس كما قال بل أعطي أهله ومثلهم معهم، فتأول هذا القول بعض العلماء على أن الله جلّ وعزّ ردّ عليه من غاب من أهله، وولد له مثل من مات وأعطي من نسلهم مثلهم رَحْمَةً بالنصب على المصدر. قال أبو إسحاق: هو مفعول له
[1]انظر البحر المحيط 7/ 383.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 405.
[3]انظر معاني الفراء 2/ 405، البحر المحيط 7/ 384.
وَذِكْرى معطوف على الرحمة. قال أبو إسحاق: معنى وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أنّ ذا العقل إذا ابتلي ذكر بلاء أيّوب صلّى الله عليه وسلّم صبر.
[سورة ص (38) : آية 44]
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً أي وقلنا له وخذ بيدك ضغثا. قال: وهي الحزمة من الحشيش وما أشبه ذلك.
[سورة ص (38) : آية 45]
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (45)
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ على البدل، وقراءة ابن عباس واذكر عبدنا[1]بإسناد صحيح، رواها ابن عيينة عن عمر عن عطاء عنه، وهي قراءة ابن كثير. فعلى هذه القراءة يكون إِبْراهِيمَ بدلا من عبدنا، وإسحاق ويعقوب على العطف. والقراءة بالجمع أبين، وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا أبين، وشرح هذا من العربية أنك إذا قلت: رأيت أصحابنا زيدا وعمرا وخالدا، فزيد وعمرو وخالد بدل منهم، فزيد وحده بدل، وهو الصاحب، وعمرو وخالد عطف على صاحبنا وليسا بداخلين في المصاحبة إلّا بدليل غير هذا غير أنه قد علم أن قوله جلّ وعزّ «وإسحاق ويعقوب» داخل في العبودية أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ فأما وَالْأَبْصارِ فمتّفق على تأويلها أنها البصائر في الدين، وأما الْأَيْدِي[2]فمختلف في تأويلها فأهل التفسير يقولون:
إنها القوة في الدين، وقوم يقولون: الأيدي جمع يد، وهي النعمة أي هم أصحاب النعم أي الذين أنعم الله عليهم، وقيل: هم أصحاب النعم والإحسان لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا.
[سورة ص (38) : آية 46]
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)
ذِكْرَى في موضع خفض إلّا أن فيها ألف التأنيث وخفضها بالإضافة وقراءة الكوفيين بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ[3]على البدل. وهذا بدل المعرفة من النكرة أَخْلَصْناهُمْ جعلناهم مخلصين ومخلصين من الأدناس قد أخلصوا العمل لله جلّ وعزّ يذكرون الدار، وهي الآخرة، ويذكرونها لا يريدون بذلك الدنيا ولا التعمّل لأهلها.
[سورة ص (38) : آية 47]
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47)
أي من الذين اصطفيناهم من الأدناس ومصطفين جمع مصطفى زدت على
[1]انظر معاني الفراء 2/ 406، والبحر المحيط 7/ 385.
[2]انظر البحر المحيط 7/ 385.
[3]انظر البحر المحيط 7: 385، وتيسير الداني 152.
مصطفى ياء ساكنة ونونا، والألف من مصطفى ساكنة حذفت الألف لالتقاء الساكنين وكانت أولى بالحذف لأن قبلها فتحة. والأخيار جمع خيّر وكأنه جمع على حذف الزائد كأنك جمعت خيّرا، كما تقول: ميّت وأموات. ويقال: رجل خيّر وخير كما يقال:
هيّن وهين وليّن ولين.
[سورة ص (38) : الآيات 49 الى 50]
هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50)
هذا ذِكْرٌ مبتدأ وخبره. والمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا. وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع يوم القيامة ثم بيّن بقوله جلّ وعزّ: جَنَّاتِ عَدْنٍ والعدن في اللغة الإقامة يقال: عدن بالمكان إذا أقام به غير أن عبد الله بن عمر قال: جنّة عدن: قصر في الجنّة، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف خيّرة لا يدخله إلّا نبيّ أو صديق أو شهيد مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ رفعت الأبواب لأنها اسم ما لم يسمّ فاعله، وأجاز الفراء «مفتحة لهم الأبواب» على أن مفتّحة للجنات، وأنشد هو وسيبويه: [الوافر] 381-
وما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا[1]
قال الفراء: أي مفتحة الأبواب ثم جئت بالتنوين ونصبت وأنشد سيبويه: [الوافر] 382-
ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجبّ الظهر ليس له سنام[2]
[سورة ص (38) : آية 51]
مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51)
مُتَّكِئِينَ فِيها نصب لأنه نعت للجنات.
[سورة ص (38) : آية 52]
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52)
نعت لقاصرات لأن قاصرات نكرة وإن كان مضافا إلى معرفة، والدليل على ذلك أن الألف واللام يدخلانه، كما قال الشاعر: [الطويل] 383-
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا[3]
وزعم الفراء[4]أن المعنى مفتّحة لهم أبوابها وأنّ الألف واللام بدل من الهاء
[1]الشاهد للحارث بن ظالم في الأغاني 11/ 119، وشرح أبيات سيبويه 1/ 259، والكتاب 1/ 263، والمقاصد النحوية 3/ 609، والمقتضب 4/ 161، وبلا نسبة في خزانة الأدب 7/ 492، وشرح المفصل 6/ 79.
[2]مرّ الشاهد رقم (179) . [.....]
[3]الشاهد لامرئ القيس في ديوانه ص 68، ولسان العرب (قصر) و (حول) ، ومقاييس اللغة 1/ 53، وتاج العروس (قصر) و (حول) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 8/ 359.
[4]انظر معاني الفراء 2/ 408.
والألف، وأجاز: مررت برجل حسنة العين المعنى حسنة عينه. قال أبو إسحاق: ولا يجوز أن تكون الألف واللام بدلا من الهاء واللام لأن الألف واللام محرف جاء لمعنى والهاء والألف اسم ومحال أن يقوم أحدهما مقام صاحبه. وإنما المعنى: مفتّحة لهم الأبواب منها.
[سورة ص (38) : آية 55]
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55)
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ والتقدير الأمر هذا لَشَرَّ مَآبٍ اسم إن.
[سورة ص (38) : آية 56]
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56)
جَهَنَّمَ بدل من شرّ.
[سورة ص (38) : آية 57]
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)
هذا في موضع رفع بالابتداء وخبره حميم على التقديم والتأخير أي هذا حميم وغسّاق فليذوقوه. ويجوز أن يكون «هذا» في موضع رفع بالابتداء وفليذوقوه في موضع الخبر. ويجوز أن يكون المعنى الأمر هذا وحميم وغساق إذا لم تجعلهما خبرا فرفعهما على معنى: هو حميم وغساق. والفراء يرفعهما بمعنى هو حميم وغساق، وأنشد:
[البسيط] 384-
حتّى إذا ما أضاء الصّبح في غلس ... وغودر البقل ملويّ ومحصود[1]
ويجوز أن يكون هذا في موضع نصب بإضمار فعل، كما تقول: زيدا أضربه، والنصب في هذا أولى. وَغَسَّاقٌ بالتخفيف قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وبعض الكوفيين. فأما يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي فقرؤوا وَغَسَّاقٌ بالتشديد. فأما معناه فقال عبد الله بن عمر: وفيه هو قيح غليظ لو وقع شيء منه بالمشرق لأنتنّ ممن في المغرب، ولو وقع منه شيء بالمغرب لأنتن من في المشرق.
قال مجاهد: غسّاق بارد، وعن غير مجاهد أنه يحرق ببرده كما يحرق الحميم بحره.
وقال قتادة: هو ما يسيل من بين جلودهم ولحمهم. قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: يقال: غسقت عينه إذا سالت، فغسّاق بالتشديد أولى، كما تقول:
سيّال. قال أبو جعفر: وقد خالف في هذا غيره من رؤساء النحويين لأنه إذا قال:
غسّاق جعله نعتا لغير معروف بعينه، وهذا بعيد في العربية فإذا قال: غسّاق فهو اسم، وهو أولى من أن يقام النعت مقام المنعوت ويحذف المنعوت.
[1]الشاهد بلا نسبة في معاني القرآن للفراء 1/ 193، وتفسير الطبري 23/ 176.