بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 102

[سورة الجاثية (45) : آية 32]
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها وقرأ الأعمش وحمزة السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها[1]عطفا بمعنى وأنّ الساعة لا ريب فيها. والرفع بالابتداء، ويجوز أن يكون معطوفا على الموضع أي وقيل السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها، ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال. وزعم أبو عبيد أنه يلزم من قرأ بالرفع هاهنا أن يقرأ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: 45] وفي هذا طعن على جماع الحجّة لأنه قد قرأها هنا بالرفع وثم بالنصب من يقوم بقراءتهم الحجّة منهم نافع وعاصم قرا وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها وقرا «والعين بالعين» بالنصب، وكذا ما بعده. وفيه أيضا طعن على عبد الله بن كثير وأبي عمرو بن العلاء وأبي جعفر القارئ وعبد الله بن عامر لأنهم قرءوا «والساعة لا ريب فيها» وقرءوا وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ بالنصب، وكذا ما بعده إلّا «والجروح قصاص» والحديث المرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ «والعين بالعين» لا يجوز أن يكون في موضع الحال. وقد ذكر أبو عبيد أنّ مثله وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [لقمان: 27] وهو مخالف له لأنّ والبحر أولى الأشياء به عند النحويين أن يكون في موضع الحال وأبعد الأشياء في «الساعة لا ريب فيها» أن يكون في موضع الحال. قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وهذا من مشكل الإعراب وغامضه لأنه لا يقال: ما ضربت إلّا ضربا، وما ظننت إلّا ظنّا، لأنه لا فائدة فيه أن يقع بعد حرف الإيجاب لأنّ معنى المصدر كمعنى الفعل. فالجواب عن الآية عن محمد بن يزيد على معنيين: أحدهما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي إن نحن إلّا نظنّ ظنّا، وزعم أنّ نظيره من كلام العرب حكاه أبو عمرو بن العلاء وسيبويه[2]: ليس الطّيب إلّا المسك أي ليس إلّا الطّيب المسك، والجواب الآخر أن يكون التقدير: إن نظنّ إلّا أنّكم تظنّون ظنّا.

[سورة الجاثية (45) : الآيات 33 الى 35]
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)
قال أبو العباس وَحاقَ بِهِمْ نزل بهم.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الْيَوْمَ نَنْساكُمْ قال: نترككم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يكون من النسيان أي تشاغلتم عن يوم القيامة بلذاتكم وأمور دنياكم فوبّخهم
[1]انظر تيسير الداني 161، وكتاب السبعة لابن مجاهد 595.
[2]انظر الكتاب 1/ 201.


صفحه 103

الله عزّ وجلّ على ذلك. ويجوز أن يكون المعنى كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا.
وحقيقته في العربية كما تركتم عمل لقاء يومكم مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .

[سورة الجاثية (45) : آية 36]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36)
على البدل، ويجوز أن يكون نعتا.

[سورة الجاثية (45) : آية 37]
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال محمد بن يزيد: الكبرياء الجلال والعظمة وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مبتدأ وخبر.


صفحه 104

46 شرح إعراب سورة الأحقاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم[1]تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[2]ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ[3]
الَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء ومن العرب من يقول: اللّذون في غير القرآن إذا كان موضع رفع.

[سورة الأحقاف (46) : آية 4]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الفراء[1]: وفي قراءة عبد الله قل أريتم من تدعون من دون الله يعني بالنون، «أريتم» لغة معروفة للعرب كثيرة، وأرأيتم الأصل، ولغة ثالثة أن يخفف الهمزة التي بعد الراء فتجعل بين بين. ومن قرأ «ما تدعون» جاء به على بابه لأنه للأصنام. ومن قرأ من فلأنهم قد عبدوها فأنزلوها منزلة ما يعقل.
وعلى هذا أجمعت القراء على أن قرءوا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ ولم يقرءوا خلقن ولا خلقت ولا لهنّ ولا لها. ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ وقرأ أبو عبد الرحمن السّلميّ أو أثرة[2]وحكى الفراء[3]لغة ثالثة وهي (أثرة) بفتح الهمزة وحكى الكسائي لغة رابعة وهي «أو أثرة» بضم الهمزة والمعنى في اللغات الثلاث عند الفراء واحد، والمعنى عند بقيّة من علم. ويجوز أن يكون المعنى عنده شيئا مأثورا من كتب الأولين. فأثارة عنده مصدر كالسّماحة والشّجاعة، وأثرة عنده بمعنى أثر كقولهم: قترة وقتر، وأثرة كخطفة. فأما الكسائي فإنه قال: أثارة وأثرة وأثرة كلّ ذلك تقول العرب،
[1]انظر معاني الفراء 3/ 49.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 56، والمحتسب 2/ 264.
[3]انظر معاني الفراء 3/ 50.


صفحه 105

والمعنى فيهن كلّهن عنده معنى واحد. بمعنى الشيء المأثور. قال أبو جعفر: ومعنى الشيء المأثور المتحدّث به. ومما صحّ سنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سمع عمر وهو يقول: وأبي، فقال:
«إنّ الله جلّ وعزّ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله جلّ وعزّ أو ليسكت»[1]قال عمر: فما حلفت بها بعد ذاكرا ولا أثرا. وفي بعض الحديث «من حلف بغير الله جلّ وعزّ فقد أشرك»[2]وفي أخر «فقد كفر» فقوله «ذاكرا» معناه متكلّما بها، وقائلا بها، كما يقال: ذكرت لفلان كذا ومعنى «ولا أثرا» ولا مخبرا بها عن غيري أنه حلف بها. ومن هذا حديث مأثور، يقال: أثر الحديث يأثره، وأثر يفعل ذلك واثر فلان فلانا، إذا فضّله، وأثار التراب يثيره، ووثر الشيء ويؤثر إذا صار وطيئا ومنه قيل: ميثرة انقلبت الواو فيها ياء.
وفي معنى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من حلف بغير الله جلّ وعزّ فقد أشرك» . أقوال:
أصحّها أنّ المعنى فقد أشرك في تعظيم الله جلّ وعزّ غير الله لأنه إنما يحلف الإنسان بما يعظّمه أكبر العظمة، وهذا لا ينبغي أن يكون إلّا لله جلّ وعزّ. وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فقد كفر» أقوال: فمن أصحّها أنّ الكفر هو التغطية. والمعنى: فقد غطّى وستر ما يجب أن يظهر من تعظيم الله جلّ وعزّ.

[سورة الأحقاف (46) : آية 5]
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (5)
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ومن أضلّ عن الحقّ ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة. قال الفراء[3]: وفي قراءة عبد الله ما لا يستجيب له والقول فيه مثل ما تقدّم.

[سورة الأحقاف (46) : آية 6]
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (6)
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً أي يتبرؤون منهم ومن عبادتهم.

[سورة الأحقاف (46) : آية 7]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ نصب على الحال.
[1]أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 33، 164، ومسلم في صحيحه الإيمان 1، 3، والترمذي في سننه (1534) ، والنسائي في سننه 7، 4، 5، وأبو داود في سننه (3249) ، وابن ماجة في سننه (2094) ، وأحمد في مسنده 1/ 18، و 2/ 7، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 28. [.....]
[2]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 67، 87، وذكره الطحاوي في مشكل الآثار 358، والتبريزي في مشكاة المصابيح 3419، وابن حجر في فتح الباري 10/ 516، والمتقي الهندي في كنز العمال (46328) ، وابن كثير في تفسيره 4/ 342.
[3]انظر معاني الفراء 3/ 50.


صفحه 106

[سورة الأحقاف (46) : آية 8]
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ قال محمد بن يزيد: أي بما تمضون فيه قال: ومنه حديث مستفيض ومستفاض فيه إذا شاع حتّى يتكلم النّاس فيه كَفى بِهِ شَهِيداً نصب على الحال، ويجوز أن يكون نصبا على البيان والباء زائدة جيء بها للتوكيد لأن المعنى: اكتفوا به، قال: فإذا قلت: كفى بزيد، فمعناه كفى زيد.

[سورة الأحقاف (46) : آية 9]
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ قال محمد بن يزيد: البدع والبديع الأول. يقال: ابتدع فلان كذا، إذا أتى بما لم يكن قبله، وفلان مبتدع من البدعة وهي التي لم يتقدّم لها شبه، وقال عزّ وجلّ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 117] أي مبتدئهما. وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ حذفت الضمّة من الياء لثقلها، وكذا وإن أدري.

[سورة الأحقاف (46) : آية 10]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ قيل: شاهد بمعنى شهود تشهد جماعة من بني إسرائيل ممن أسلم على أنهم قد قرءوا التوراة. وفيها تعريف نزول القرآن من عند الله جلّ وعزّ ومن أجّل ما روي في ذلك ما رواه مالك بن أنس عن أبي النّضر عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: ما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشهد لأحد يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا عبد الله بن سلام ففيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ قال أبو جعفر: ومع هذا فقد عارض هذا الحديث علماء جلّة منهم مسروق والشّعبي فقالا: لم تنزل في عبد الله بن سلام لأن السورة مكّية وعبد الله بن سلام بالمدينة، وإنما نزلت في غيره. والحديث صحيح السند وقد احتجّ على من أنكر ذلك بأن السورة وإن كانت مكّية فإنه قد يجوز أن يضمّ إليها بعض ما أنزل بالمدينة لأن التأليف من عند الله جلّ وعزّ يأمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما أحبّ وأراد. فهذا قول بيّن، وقد قيل: إنّ قريشا وجّهت من مكّة إلى المدينة لأنه كان بها علماء اليهود يسألون عن أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فشهد عبد الله بن سلام بنبوته صلّى الله عليه وسلّم فأنزل الله جلّ وعزّ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ الآية ومع هذا كلّه فإنّ الحديث، وإن كان صحيح السند فقد قيل: إنّ الذي في الحديث من قوله وفيه نزلت ليس من كلام سعد وإنما هو من كلام بعض المحدّثين خلط بالحديث ولم يفصل.


صفحه 107

[سورة الأحقاف (46) : آية 11]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ روى ابن المبارك عن معمر عن قتادة قال: قال قوم من المشركين: نحن ونحن يفتخرون لو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان يعنون عمّارا وبلالا وصهيبا وضروبهم فأنزل الله جلّ وعزّ: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 105] . وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ زعم سيبويه[1]أن «إذ» لا يجازى بها حتّى يضمّ إليها «ما» ، وكذا «حيث» . قال أبو جعفر: والعلّة في ذلك أن «ما» يفصلها من الفعل الذي بعدها فتعمل فيه، وإذا لم تأت بما كان متّصلا بها وهي مضافة إليه فلم تعمل فيه فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي تقدّم مثله في سالف الدهور.

[سورة الأحقاف (46) : آية 12]
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (12)
إِماماً منصوب على الحال أي يؤتمّ به وَرَحْمَةً عطف على إمام أي ونعمة.
وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا منصوب على الحال والضعيف في العربية يتوهّم أنه حال من نكرة لأن الذي قبله نكرة والحال من النكرة ليس بجيد ولا يقال في كتاب الله جلّ وعزّ ما غيره أجود منه فلسانا منصوب على الحال من المضمر الذي في مصدّق، والمضمر معرفة وجاز نصب لسان على الحال لأنه بمعنى مبين وكان علي بن سليمان يقول: في هذا هو توطئة للحال و «عربيا» منصوب على الحال، كما تقول: هذا زيد رجلا صالحا لتنذر الّذين ظلموا بالتاء، هذه قراءة المدنيين، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا[2]واختيار أبي عبيد لتنذر[3]بالتاء، واحتج بقوله جلّ وعزّ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ [الرعد: 7] . قال أبو جعفر: والمعنى في القراءتين واحد، ولا اختيار فيهما من قرأ «لينذر» جعله للقرآن أو لله جلّ وعزّ، وإذا كان للقرآن فالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو المنذر به وكذا إذا كان لله جلّ وعزّ فإذا عرف المعنى لم يقع في ذلك اختيار كما قال جلّ وعزّ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال:
38] فقد علم أن الغافر هو الله جلّ وعزّ والقراءة نغفر ويغفر واحد، وكذا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ [البقرة: 58] و «يغفر» واحد ليس أحدهما أولى من الآخر. وَبُشْرى في موضع رفع عطفا على «كتاب» ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على المصدر لِلْمُحْسِنِينَ قال ابن عيينة: الإحسان التفضّل والعدل والإنصاف.
[1]انظر الكتاب 3/ 64.
[2]انظر تيسير الداني 161.
[3]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 596.


صفحه 108

[سورة الأحقاف (46) : الآيات 13 الى 14]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14)
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا أي على طاعة الله جلّ وعزّ ثم أخبر جلّ ثناؤه بما لهم فقال: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي في الآخرة. وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوا في الدنيا. كذا قال أهل التفسير، وبعده خبر أخر وهو أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها نصب على الحال. جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ مصدر.

[سورة الأحقاف (46) : آية 15]
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً هذه قراءة[1]المدنيين والبصريين، وكذا في مصاحفهم، وقرأ حمزة والكسائي إِحْساناً[2]وروي عن عيسى بن عمر أنه قرأ حسنا بفتح الحاء والسين فأما «حسنى» بغير تنوين فلا يجوز في العربية لأن مثل هذا لا تنطق به العرب إلّا بالألف واللام الفضلى والأفضل والحسنى والأحسن. وإحسان مصدر أحسن وحسنا بمعناه، وحسن على إقامة النعت مقام المنعوت أي فعلا حسنا وينشد بيت زهير: [البسيط] 420-
يطلب شأو امرأين قدّما حسنا ... فاقا الملوك وبذّا هذه السّوقا
[3]أي فعلا حسنا. وهذا مثل هذه القراءة. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً هذه قراءة حمزة والكسائي[4]، وهي مروية عن الحسن، وقرأ أبو عبد الرحمن السلميّ وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة ونافع كرها[5]بفتح الكاف. وعارض أبو حاتم السجستاني هذه القراءة بما لو صحّ لوجب اجتنابها لأنه زعم أنّ الكره الغضب والقهر، وأنّ الكره المكروه، واحتجّ بأنّ الجميع قرءوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النساء: 19] ، وذكر أنّ بعض العلماء سمع رجلا يقرأ «حملته أمه كرها ووضعته كرها» فقال: لو حملته كرها لرمت به يذهب إلى أنّ الكره القهر والغضب. قال أبو جعفر: في هذا طعن على من تثبت الحجّة بقراءته، وحكايته عن بعض العلماء لا حجّة فيها لأنه لم يسمه ولا
[1]انظر تيسير الداني 161.
[2]انظر تيسير الداني 161.
[3]مرّ الشاهد رقم (316) .
[4]انظر تيسير الداني 161، وكتاب السبعة لابن مجاهد 596.
[5]انظر البحر المحيط 8/ 60.


صفحه 109

يعرف، ولو عرف لما كان قوله حجّة، إلّا بدليل وبرهان. والحجّة في هذا قول من يعرف ويقتدى به. إن الكره والكره لغتان بمعنى واحد بل قد روي عن محمد بن يزيد أنه قال: الكره أولى لأنه المصدر بعينه. وقد حكى الخليل وسيبويه رحمهما الله أنّ كلّ فعل ثلاثي فمصدره فعل، واستدلّا على ذلك أنك إذا رددته إلى المرة الواحدة جاء مفتوحا نحو قام قومة، وذهب ذهبة، فإذا قلت: ذهب ذهابا فإنما هو عندهما اسم للمصدر لا مصدر، وكذلك الكره اسم للمصدر والكره المصدر. وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً التقدير: وقت حمله مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وقرأ أبو رجاء وعاصم الجحدريّ وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ[1]فرويت عن الحسن بن أبي الحسن واحتجّ أبو عبيد للقراءة الأولى بالحديث «لا رضاع بعد فصال»[2]وأبين من هذه الحجّة أنّ فصالا مصدر مثل قتال. وهذا الفعل من اثنين لأن المرأة والصّبيّ كل واحد منهما ينفصل من صاحبه فهذا مثل القتال، وإن كان قد يقال: فصله فصلا وفصالا. حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ جمع شدّة عند سيبويه مثل نعمة. وقد ذكرناه[3]بأكثر من هذا.
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ الأصل إنّني حذفت النون لاجتماع النونات.

[سورة الأحقاف (46) : آية 16]
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16)
أولئك الّذين يتقبّل عنهم أحسن ما عملوا قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ بالنون وكذا «نتجاوز» بالنون أنها أخبار من الله جلّ وعزّ عن نفسه وإنما اختار هذه القراءة لقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ وقرأ الباقون يتقبّل بالياء، وكذا يتجاوز على ما لم يسمّ فاعله وأَحْسَنَ ما عَمِلُوا ومن قرأ بالنون نصب أحسن لأنه مفعول به. وَعْدَ الصِّدْقِ منصوب على المصدر.

[سورة الأحقاف (46) : آية 17]
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما قال الفراء[4]: أي قذرا لكما. وقد ذكرنا[5]ما في
[1]انظر البحر المحيط 8/ 61.
[2]ذكره البيهقي في السنن الكبرى 7/ 319، والطبراني في المعجم الصغير 2/ 68، والزيلعي في نصب الرآية 3/ 219، وابن حجر في المطالب العالية (1707) ، والسيوطي في الدر المنثور 1/ 228.
[3]ذكره في إعراب الآية 32 سورة يوسف.
[4]انظر معاني الفراء 3/ 53. [.....]
[5]انظر إعراب الآية 23- الإسراء.