من قبله وَمِنْ خَلْفِهِ من بعده أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ «أن» في موضع نصب أي بأن إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ نعت لليوم ولو كان نعتا لعذاب لنصب. ولا يجوز الجوار في كتاب الله تعالى وإنما يقع في الغلط.
[سورة الأحقاف (46) : آية 24]
فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24)
قال محمد بن يزيد: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً فيه جوابان: يكون التقدير فلمّا رأوا السحاب، وإن كان لم يتقدّم للسّحاب ذكر لأنّ الضمير قد عرف ودل عليه «عارضا» ، والجواب الآخر أن يكون جوابا لقولهم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا أي فلمّا رأوا ما يوعدون عارضا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ يقدّر فيه التنوين، وكذا قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا أو ممطر لنا، كما قال: [البسيط] 424-
يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم
[1]أي غابط لنا. بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ قال الفراء[2]: وفي حرف عبد الله: قل بل ما استعجلتم به هي ريح فيها عذاب أليم. قال: وهي وهو مثل مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [القيامة: 37] ويمنى. من قال: هو، ذهب إلى العذاب، ومن قال هي، ذهب إلى الريح.
[سورة الأحقاف (46) : آية 25]
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
فأصبحوا لا ترى إلّا مساكنهم هذه قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو والكسائي[3]، وهي المعروفة من قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس.
وقرأ الأعمش وحمزة وعاصم فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ وهي المعروفة من قراءة ابن مسعود ومجاهد، وقرأ الحسن وعاصم الجحدريّ فأصبحوا لا ترى إلّا مساكنهم[4]بالتاء ورفع المساكن على اسم ما لم يسمّ فاعله. وهذه القراءة عند الفراء
[1]الشاهد لجرير في ديوانه 163، والكتاب 1/ 492، والدرر 5/ 9، وسرّ صناعة الإعراب 2/ 457، وشرح التصريح 2/ 28، وشرح شواهد المغني 2/ 712، ولسان العرب (عرض) ، ومغني اللبيب 1/ 511، والمقاصد النحوية 3/ 364، والمقتضب 4/ 150، وهمع الهوامع 3/ 47، وبلا نسبة في شرح الأشموني 2/ 305، والمقتضب 3/ 227. وعجزه:
«لاقى مباعدة منكم وحرمانا»
[2]انظر معاني الفراء 3/ 55.
[3]انظر تيسير الداني 162، وكتاب السبعة لابن مجاهد 598.
[4]انظر البحر المحيط 8/ 65.
بعيدة لأنّ فعل المؤنّث إذا تقدّم وكان بعده إيجاب ذكّرته العرب فيما زعم، وحكى:
لم يقم إلّا هند لأن المعنى عنده: لم يقم أحد إلّا هند.
[سورة الأحقاف (46) : آية 26]
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26)
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ قال محمد بن يزيد: «ما» بمعنى الذي و «إن» بمعنى «ما» أي ولقد مكّنّاهم في الذي مكّنّاكم فيه. وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فجاء السمع مفردا وما بعده مجموعا ففيه غير جواب منها أنّه مصدر فلم يجمع لذلك، ومنها أن يكون فيه محذوف أي وجعلنا لهم ذوات سمع، ومنها أن يكون واحدا يدلّ على جمع فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ تكون «ما» نعتا لا موضع لها من الإعراب، وإن جعلتها استفهاما كان موضعها نصبا. قال الفراء[1]: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي عاد، قال: وأهل التفسير يقولون: أحاط ونزل.
[سورة الأحقاف (46) : آية 27]
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى هذه لام توكيد. و «قد» عند الخليل وسيبويه بمعنى التوقّع مع الماضي فإذا كانت مع المستقبل أدّت معنى التقليل، تقول: قد يقوم أي يقلّ ذلك منه.
فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ لولا وهلّا واحد، كما قال: [الطويل] 425-
بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا
[2]
[1]انظر معاني الفراء 3/ 56. [.....]
[2]الشاهد لجرير في ديوانه 907، وتخليص الشواهد ص 431، وجواهر الأدب ص 394، وخزانة الأدب 3/ 55، والخصائص 2/ 45، والدرر 2/ 240، وشرح شواهد الإيضاح 72، وشرح شواهد المغني 2/ 669، وشرح المفصل 2/ 38، والمقاصد النحوية 4/ 475، ولسان العرب (أمالا) ، وتاج العروس (لو) ، وللفرزدق في الأزهيّة 168، ولسان العرب (ضطر) ، ولجرير أو للأشهب بن رميلة في شرح المفصّل 8/ 145، وبلا نسبة في الأزهية ص 170، والأشباه والنظائر 1/ 240، والجنى الداني ص 606، وخزانة الأدب 11/ 245، ورصف المباني 293، وشرح الأشموني 3/ 610، وصدره:
«تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم»
[سورة الأحقاف (46) : آية 28]
فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28)
أي هلّا: قُرْباناً آلِهَةً يكون «قربانا» مصدرا، ويكون مفعولا من أجله، ويكون مفعولا و «الهة» بدل منه بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وإن شئت أدغمت اللّام في الضاد. وزعم الخليل وسيبويه[1]أن الضاد تخرج من الشقّ اليمين ولبعض النّاس من الشقّ الشمال.
وَذلِكَ إِفْكُهُمْ «ذلك» في موضع رفع بالابتداء «إفكهم» خبره والهاء والميم في موضع خفض بالإضافة ومثله سواء في الإعراب والمعنى. قال الفراء[2]: إفك وأفك مثل حذر وحذر أي هما بمعنى واحد. ويروى عن ابن عباس أنه قرأ أفكهم[3]على أنه فعل ماض والهاء والميم على هذه القراءة في موضع نصب، وفي إسنادها عن ابن عباس نظر ولكن قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل بن إسحاق عن سليمان بن حرب عن حمّاد بن سلمة قال: حدّثنا عطاء بن السائب قال: سمعت أبا عياض يقرأ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ فعلى هذه القراءة يكون وَما كانُوا يَفْتَرُونَ في موضع رفع على أحد أمرين إما أن يكون معطوفا على المضمر الذي في «أفكهم» ويكون المعنى وذلك أرداهم وأهلكهم هو وافتراؤهم إلّا أنّ العطف على المضمر المرفوع بعيد في العربية إلّا أن يؤكّد ويطول الكلام لو قلت: قمت وعمرو، كان قبيحا حتّى تقول: قمت أنا وعمرو أو قمت في الدار وعمرو. والوجه الثاني أن يكون «وما كانوا يفترون» معطوفا على ذلك أي وذلك أهلكهم وأضلّهم وافتراؤهم أيضا أهلكهم وأضلّهم. والقراءة البيّنة التي عليها حجّة الجماعة «وذلك إفكهم» أي وذلك كذبهم وما كانوا يفترون على هذه القراءة معطوف على إفكهم أي وذلك إفكهم وافتراؤهم تكون ما والفعل مصدرا فلا تحتاج إلى عائد لأنها حرف فإن جعلتها بمعنى الذي لم يكن بدّ من عائد مضمر أو مظهر. فيكون التقدير والذي كانوا يفترونه ثم تحذف الهاء ويكون حذفها حسنا لعلل منها طول الاسم وأنه لا يشكل مذكّر بمؤنّث وأنه رأس آية وأنه ضمير متّصل، ولو كان منفصلا لبعد الحذف، وإن كان بعضهم قد قرأ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: 154] بمعنى على الذي هو أحسن، وتأوّل بعضهم قول سيبويه[4]«هذا باب علم ما الكلم» بمعنى الّذي هو الكلم، وروى بعضهم «هذا باب علم ما الكلم» بغير تنوين على أنه حذف أيضا هو وفيه من البعد ما ذكرنا فإذا كان متصلا حسن الحذف كما قرئ وفيها ما تشتهي الأنفس [الزخرف: 71] وتشتهيه، وحكى أبو إسحاق «وذلك أأفكهم» أي أكذبهم.
[1]انظر الكتاب 4/ 572.
[2]انظر معاني الفراء 3/ 56.
[3]انظر البحر المحيط 8/ 66، والمحتسب 2/ 267.
[4]انظر الكتاب 1/ 40.
[سورة الأحقاف (46) : آية 29]
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ «إذ» في موضع نصب قيل: مضى «صرفنا» وقفناهم لذلك فسمّي صرفا مجازا فَلَمَّا قُضِيَ أي فرغ من تلاوته وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي مخوّفين من ترك قبول الحق ونصب «منذرين» على الحال.
[سورة الأحقاف (46) : آية 30]
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)
قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً وأجاز سيبويه[1]في بعض اللغات فتح «أنّ» بعد القول. أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ «يهدي» في موضع نصب لأنه نعت لكتاب، ويجوز أن يكون منصوبا على الحال، وهو مرفوع لأنه فعل مستقبل.
[سورة الأحقاف (46) : الآيات 31 الى 32]
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32)
يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الأمر، وكذا وَيُجِرْكُمْ.
[سورة الأحقاف (46) : آية 33]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ليس من التعب وإنما يقال في التعب: أعيا يعيي وعيي بالأمر يعي وعيّ به إذا لم يتّجه له. بقدر[2]هذه قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وأبي عمرو والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ عبد الرحمن الأعرج وابن أبي إسحاق وعاصم الجحدري يقدر[3]وقد زعم بعض النحويين أن القراءة بيقدر أولى لأن الباء إنما تدخل في النفي وهذا إيجاب وتعجّب من أبي عمرو والكسائي كيف جاز عليهما مثل هذا حتّى غلطا فيه مع محلّهما من العربية قال أبو جعفر: وفي هذا طعن على من تقوم الحجّة بقراءته ومع ذلك فقد أجمعت الأئمة على أن قرءوا أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ [يس:
81] ولا نعلم بينهما فرقا ولا تجتمع الجماعة على ما لا يجوز. وقد تكلّم النحويون في الآية التي أشكلت على قائل هذا فقال الكسائي: إنما دخلت الباء من أجل «لم» وهذا
[1]انظر الكتاب 1/ 178، و 3/ 163.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 67.
[3]انظر البحر المحيط 8/ 68.
قول صحيح وسمعت علي بن سليمان يشرحه شرحا بيّنا، قال الباء تدخل في النفي فتقول: ما زيد بقائم، فإذا دخل الاستفهام على النفي لم يغيره عمّا كان عليه فتقول: أما زيد بقائم، فكذا «بقادر» لأن قبله حرف نفي وهو «لم» وقال أبو إسحاق: الباء تدخل في النفي ولا تدخل في الإيجاب تقول: ظننت زيدا منطلقا، ولا يجوز: ظننت زيدا بمنطلق فإن جئت بالنفي قلت: ما ظننت زيدا بمنطلق، فكذا قوله جلّ وعزّ: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ والمعنى: أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر في رويّتهم وفي علمهم. قال أبو جعفر: فإن قال قائل: لم صارت الباء في النفي ولا تكون في الإيجاب؟ فالجواب عند البصريين أنها دخلت توكيدا للنفي لأنه قد يجوز ألّا يسمع المخاطب «ما» أو يتوهّم الغلط فإذا جئت بالباء علم أنه نفي. وأما قول الكوفيين الباء في النفي حذاء اللام في الإيجاب.
[سورة الأحقاف (46) : آية 34]
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ بمعنى واذكر يوما.
[سورة الأحقاف (46) : آية 35]
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35)
بَلاغٌ في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى قليل. يقال: ما معه من الزاد إلّا بلاغ أي قليل، والقول الآخر: أن المعنى فيما وعظوا به بلاغ، كما قال الأخفش. قال بعضهم: البلاغ القرآن. وهو مرفوع على إضمار مبتدأ أي ذلك بلاغ، ومن نصبه جعله مصدرا أو نعتا لساعة. فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أي من فسق في الدنيا. ويقال: إنّ هذه الآية من أرجى آية في القرآن إلّا أن ابن عباس قال: أرجى آية في القرآن وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [الرعد: 6] .
47 شرح إعراب سورة محمد صلّى الله عليه وسلّم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (2)
الَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء وهو اسم ناقص. كَفَرُوا من صلته «وصدّوا» معطوف عليه وَصَدُّوا بزيادة ألف بعد الواو وللنحويين في ذلك ثلاثة أقوال: فمذهب الخليل رحمه الله أنّ هذه الألف زيدت في الخط فرقا بين واو والإضمار والواو الأصلية نحو «لو» فاختيرت الألف لأنها عند أخر مخرج الواو. وقال الأخفش:
لو كتب بغير ألف لقرئ «كفر وصدّ» ففرق بين هذه الواو وبين واو العطف. وقال أحمد بن يحيى: كتب بألف ليفرّق بين المضمر المتصل والمنفصل فيكتب صدّوهم عن المسجد الحرام بغير ألف ويكتب صدوا هم بألف، كما تقول: قاموا هم. قال أبو جعفر: فهذه ثلاثة أقوال أصحّها القول الأول لأن قول الأخفش يعارض بأنه قد يقال:
كفر وأفعل فيقع الأشكال أيضا وقول أحمد بن يحيى في الفرق إنما جعله بين المضمرين وليس يقع في قاموا مضمر منصوب فيجب على قوله أن يكتبه بغير ألف وهو لا يفعل هذا ولا أحد غيره. ومذهب الخليل رحمه الله مذهب صحيح. وهذا في واو الجمع خاصة فأما التي في الواحد نحو قولك: هو يرجو فبغير ألف لأنها ليست واو الإضمار وهي لام الفعل بمنزلة الواو من «لو» فكتابتها بالألف خطأ، وإن كان بعض المتأخرين قد ذكر ذلك بغير تحصيل ورأيت أبا إسحاق قد ذكره بالنقصان في النحو وذكر أنه خاطبه فيه. ومن العرب من يقول: اللّذون فيجعله جمعا مسلّما. فأما ما رواه مجاهد عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أنّهم كفار أهل مكة فجعل الآية فيهم خصوصا، والظاهر يدلّ على العموم فيجوز أن تكون نزلت في قوم بأعيانهم ثم صارت عامة لكل من فعل فعلهم، وكذا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فقول ابن عباس أنّ هذا نزل في الأنصار خاصة وهو بمنزلة ما تقدّم «والذين» في موضع
رفع بالابتداء، والخبر كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ قال مجاهد عن ابن عباس: أي أمرهم. وروى الضحاك عنه: أي شأنهم. قال أبو جعفر: والبال في اللغة يعبّر عنه بالأمر والشأن والحال. قال محمد بن يزيد: وقد يكون للبال موضع أخر يكون بمعنى القلب. يقال: ما يخطر هذا على بالي أي على قلبي.
[سورة محمد (47) : آية 3]
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (3)
ذلِكَ في موضع رفع على إضمار مبتدأ أي الأمر ذلك، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء وما بعده خبره. ويكون ذلك إشارة إلى الإضلال والهدى. والعرب قد تشير إلى شيئين بذلك فمنهم من يقول ذانك. وسمعت أبا إسحاق يقول في قول سيبويه: ظننت، ولم يعدها إلى مفعول أخر: إنّ ذلك إشارة إلى شيئين، كأن قائلا قال: ظننت زيدا منطلقا، فقال له أخر: قد ظننت ذلك.
[سورة محمد (47) : الآيات 4 الى 6]
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (6)
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر. أي فاضربوا الرقاب ضربا، وقيل: هو على الإغراء[1]، هذا قول الفراء. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ أي لئلا يهربوا أو يلحقكم منهم مكروه. والإثخان المبالغة بالضرب مشتق من قولهم: شيء ثخين أي متكاثف.
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً مصدران وحذف الفعل لدلالة المصدر عليه ولأنه أمر. والفداء يمدّ ويقصر عند البصريين. وأما الفراء فحكى[2]أنه ممدود إذا كسر أوله ومقصور إذا فتح أوله وحكي: قم فدى لك. حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها أهل التفسير على أن المعنى حتّى يزول الشرك والضمير عند الفراء يحتمل معنيين: أحدهما حتّى تضع الحرب أوزارها أي آثامهم، والمعنى الآخر أن يعود على الحرب نفسها. قال أبو جعفر: الحرب في كلام العرب مؤنّثة، ويصغّرونها بغير هاء فيقولون: حريب، ومثلها قوس وذود يصغّران بغير هاء سماعا من العرب ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ «ذلك» في موضع رفع أي الأمر ذلك أنه لو شاء الله لانتصر منهم، ولكنه أراد أن يثيب المؤمنين، وكانت الحكمة في ذلك ليقع الثواب والعقاب. وقد بيّن ذلك جلّ وعزّ بقوله:
[1]انظر معاني الفراء 3/ 57.
[2]انظر المنقوص والممدود 25، 26.
وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ[1]هذه قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ عاصم الجحدري وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ[2]وقرأ أبو عمرو والأعرج قُتِلُوا وعن الحسن أنه قرأ قتلوا»
مشددة. قال أبو جعفر: والقراءة الأولى عليها حجّة الجماعة، وهي أبين في المعنى وقد زعم بعض أهل اللغة أنه يختار أن يقرأ «قاتلوا» لأنه إذا قرأ «قتلوا» لم يكن الثواب إلا لمن قتل، وإذا قرأ قتلوا لم يكن الثواب إلا لمن قتل وإذا قرأ قاتلوا عم الجماعة بالثواب وهذه لعمري احتجاج حسن، غير أن أهل النظر يقولون: إذا قرئ الحرف على وجوه فهو بمنزلة آيات كل واحدة تفيد معنى، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أوتيت جوامع الكلم»[4].
[سورة محمد (47) : آية 7]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ قيل: المعنى: إن تنصروا دين الله وأولياءه فجعل ذلك نصرة له مجازا ينصركم في الآخرة أي يدفع الشدائد عنكم. وروى الضحاك عن ابن عباس: ينصركم على عدوكم. وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ قيل: في موضع الحساب بأن يجعل الحجّة لكم.
[سورة محمد (47) : آية 8]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا في موضع رفع بالابتداء، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل يفسّره فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ معطوف على الفعل المحذوف.
[سورة محمد (47) : آية 9]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9)
قال أبو إسحاق: كرهوا نزول القرآن ونبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم.
[سورة محمد (47) : آية 10]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (10)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا في موضع نصب على أنه جواب، ويجوز أن يكون في موضع جزم على أنه معطوف، والجزم والنصب علامتهما حذف النون. كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ اسم كان ولم يقل: كانت لأنه تأنيث غير حقيقي وخبر «كان» في «كيف» وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها روى الضحاك عن ابن عباس قال: عذاب ينزل من السّماء ولم يكن
[1]انظر تيسير الداني 162، وكتاب السبعة لابن مجاهد 600.
[2]انظر تيسير الداني 162، وكتاب السبعة لابن مجاهد 600.
(3) انظر تيسير الداني 162، وكتاب السبعة لابن مجاهد 600.
[4]أخرجه مسلم في صحيحه، المساجد 7، 8، وأحمد في مسنده 2/ 250، وذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 72، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7/ 113، وأبو نعيم في دلائل النبوة 1/ 14، والمتقي الهندي في كنز العمال (32068) . [.....]