بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 124

يسمّ فاعله. أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (أن) في موضع نصب خبر عسيتم. وهذه اللغة الفصيحة، ومن العرب من يحذف «أن» من الخبر، كما قال: [الوافر] 427-
عسى الهمّ الّذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
[1]ومن العرب من يأتي بالاسم في خبرها فينصبه فيقول: عسى زيد قائما.

[سورة محمد (47) : الآيات 23 الى 24]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (23) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24)
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (23) ثم قال جلّ وعزّ بعد أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وقد تقدّم وصفهم بالصّمم والعمى، فمن أصحّ ما قيل في هذا وأحسنه أن المعنى: أولئك الذين لعنهم الله فلم ينلهم ثوابا فهم بمنزلة الصمّ لا يسمعون ثناء حسنا عليهم ولا يبصرون ما يسرّون به من الثواب، فهذا جواب بيّن. وقد قيل: إنه دعاء، وقد قيل: إنهم لا يسمعون أي لا يعلمون. وقد تأوّل بعض العلماء حديث أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «إنّ الميّت ليسمع خفق نعالهم»[2]أي ليعلم. وتأويل حديث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أهل القليب الذين قتلوا يوم بدر حين خاطبهم فقال: «هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا»[3]ثمّ أخبر أنّهم يسمعون ذلك فتأول صاحب ذلك التأويل على أنّهم يعلمونه، واحتج بقول الله عزّ وجلّ: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل: 80] وهذا التأويل قد ردّه جماعة من العلماء على متأوليه لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو المبين عن الله عزّ وجلّ، وهو القائل «إنّ الميّت ليسمع خفق نعالهم» والمخبر بعذاب القبر ومساءلة الميّت وكذا أكثر أصحابه على ذلك يخبرون بتأدية الأعمال إلى الموتى فالصواب من ذلك أن يقال: إنّ الله جلّ وعزّ يؤدّي إلى الموتى من بني أدم ما شاء على ما شاء ويعذب من شاء ممن يستحقّ بما يشاء فأما قوله جلّ وعزّ: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: 22] وإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [النمل: 80] .
[1]الشاهد لهدبة بن خشرم في الكتاب 3/ 181، وخزانة الأدب 9/ 328، وشرح أبيات سيبويه 1/ 142، والدرر 2/ 145، وشرح التصريح 1/ 206، وشرح شواهد الإيضاح 97، وشرح شواهد المغني 443، واللمع 225، والمقاصد النحوية 2/ 184، وبلا نسبة في أسرار العربية 128، وتخليص الشواهد 326، وخزانة الأدب 9/ 316، والجنى الداني ص 462، وشرح ابن عقيل 165، وشرح عمدة الحافظ 816، والمقرب 1/ 98، وشرح المفصل 7/ 117، ومغني اللبيب ص 152، والمقتضب 3/ 70، وهمع الهوامع 1/ 130.
[2]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 445، وذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 2/ 46، والسيوطي في الدر المنثور 4/ 82، والقرطبي في تفسيره 7/ 377، والهيثمي في مجمع الزوائد 3/ 54.
[3]أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 97، 98، ومسلم في صحيحه، الجنة 76، والنسائي في سننه 4/ 101، وأحمد في مسنده 2/ 38، 130، و 3/ 104، 145، و 4/ 9، وذكره ابن أبي شيبة في مصنّفه 14/ 377، والبيهقي في دلائل النبوة 3/ 48، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 5/ 23. [.....]


صفحه 125

فليس فيه مخالفة لهذا: وإنما المعنى- والله أعلم- إنك لا تسمع الموتى بقدرتك ولا بقوتك، ولكن الله جلّ وعزّ يسمعهم كيف يشاء ويدلّ على هذا أنّ بعده وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [النمل: 81] أي لست تهديهم أنت بقدرتك ولكن الله جلّ وعزّ يهدي من يشاء بلطفه وتوفيقه.
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي فيعملون بما فيه ويقفون على دلائله أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها أي أقفال تمنعها من ذلك.

[سورة محمد (47) : آية 25]
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (25)
قال أبو إسحاق: أي رجعوا بعد سماع الهدى وتبيينه إلى الكفر الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ هذه قراءة أكثر الأئمة، وقرأ أبو عمرو والأعرج وشيبة وعاصم الجحدري وأملي لهم[1]على ما لم يسمّ فاعله، وقرأ مجاهد وسلام ويعقوب وأملي لهم[2]بإسكان الياء فالقراءة الأولى بمعنى وأملى الله جلّ وعزّ لهم، والقراءة الثانية تؤول إلى هذا المعنى لأنه قد علم أنّ الله تبارك وتعالى هو الذي أملى لهم، والقراءة الثالثة بيّنة أخبر الله جلّ وعزّ أنه يملي لهم. والكوفيون يميلون وَأَمْلى لَهُمْ لأن الألف منقلبة من الياء ومعنى أملى له مدّ له في العمر ولم يعاجله بالعقوبة وهو مشتق من الملاوة، وهي القطعة من الدهر ومنه ملاك الله جلّ وعزّ نعمته وتملّ حبيبك والملوان: الليل والنهار.

[سورة محمد (47) : آية 26]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (26)
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ قال أبو إسحاق: أي الأمر ذلك الإضلال فإنهم قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر أي في التضافر على عداوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ[3]هذه قراءة أكثر الأئمة، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي والله يعلم إسرارهم وهذا مصدر من أسرّ، والأول جمع سرّ.

[سورة محمد (47) : آية 27]
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (27)
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ فيه حذف أي فكيف تكون حالهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
[1]انظر تيسير الداني 163، وكتاب السبعة لابن مجاهد 600.
[2]انظر تيسير الداني 163، وكتاب السبعة لابن مجاهد 600.
[3]انظر البحر المحيط 8/ 83، وتيسير الداني 163.


صفحه 126

قال مجاهد: أي وأستاههم ولكن الله جلّ وعزّ كريم يكنّى.

[سورة محمد (47) : آية 28]
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (28)
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ أي ذلك جزاؤهم بأنّهم اتّبعوا الشيء أسخط الله من ترك متابعة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ أي اتّباع شريعته والإيمان به فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أي فأحبط ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: فأحبط الله جلّ وعزّ ما عملوا من خير بكفرهم.

[سورة محمد (47) : آية 29]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (29)
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عن ابن عباس قال: هم المنافقون قال:
والمرض الشكّ والتكذيب أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ قال: عداوتهم للمؤمنين قال محمد بن يزيد: الضغن ما تضمره من المكروه وقد ضغنت عليه واضطغنت.

[سورة محمد (47) : آية 30]
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (30)
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ويقال في معناه سيمياء وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ عن ابن عباس قال: فما رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم منافقا فخاطبه إلا عرفه قال محمد بن يزيد: في لحن القول في فحواه وفي قصده من غير تصريح، قال: وقريب من معناه التعريض. وفي الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «إنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم يكون ألحن بحجّته من صاحبه فأقضي له على قدر ما أسمع. فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار»[1]قال محمد بن يزيد: معنى «ألحن بحجّته» أقصد وأمضى فيها. قال: ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للسّعدين[2]حين وجّههما إلى بني قريظة «إن أصبتماهم على العهد فأعلنا ذلك وإن أصبتماهم على غير ذلك فالحنا لي لحنا أعرفه ولا تفتّا في أعضاد المسلمين»[3].

[سورة محمد (47) : الآيات 31 الى 33]
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (32) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33)
الابتلاء في اللغة الاختبار فقيل: المعنى: لنشدّدنّ عليكم في التعبّد، وذلك في الأمر بالجهاد، والنهي عن المعاصي. يدلّ على ذلك حتّى نعلم المجاهدين منكم
[1]أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 235، و 9/ 32، ومسلم في الأقضية 4، وأحمد في مسنده 6/ 203، وذكره السيوطي في جمع الجوامع (7534) ، والشافعي في مسنده 150، والمتقي الهندي في كنز العمال 14536.
[2]السعدان: هما سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
[3]انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/ 221.


صفحه 127

والصابرين. وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ أي ما عملتم فيما تعبّدتم به.

[سورة محمد (47) : آية 34]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)
دخلت الفاء في خبر «إنّ» لأن اسمها الذين وصلته فعل فأشبه المجازاة فدخلت فيه الفاء، ولو قلت: إنّ زيدا فمنطلق، لم يجز.

[سورة محمد (47) : آية 35]
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (35)
فَلا تَهِنُوا الأصل توهنوا حذفت الواو تباعا وَتَدْعُوا عطف عليه، ويجوز أن يكون جوابا. قال محمد بن يزيد: السلم والسّلم والمسالمة واحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ قال مجاهد: الغالبون. وَاللَّهُ مَعَكُمْ أي ينصركم وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ قال الضّحاك: أي لن يظلمكم وقدّره أبو إسحاق على حذف أي لن ينقصكم ثواب أعمالكم. وروى يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه وعنبسة يقول: عن عمر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله»[1]أي نقص وسلب. قال أبو جعفر: وفي اشتقاقه قولان: مذهب الفراء[2]أنه مشتقّ من الوتر، وهو الذّحل وهو قتل الرجل وأخذ ماله فالذي تفوته صلاة العصر لما فاته من الأجر والثواب بمنزلة من أخذ أهله وماله أي هو بمنزلة الذي وتر. والاشتقاق الآخر أن يكون من الوتر وهو الفرد كأنّه بمنزلة من قد بقي منفردا وخصّت بهذا، لأنها في وقت أشغالهم ومعائشهم والأصل في يتركم يوتركم حذفت إلى مفعولين مثل وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: 155] والتقدير عند الأخفش ولن يتركم في أعمالكم.

[سورة محمد (47) : آية 36]
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36)
إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ مبتدأ وخبره وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا. قال أبو إسحاق:
وقد عرّفهم أنّ أجورهم الجنة، قال: ويجوز وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ يريد على أن يجعله خبرا والجزم على العطف. قيل: المعنى: ولا يأمركم أن تنفقوا أموالكم كلّها في الجهاد ومواساة الفقراء.

[سورة محمد (47) : آية 37]
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (37)
فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا أي تمتنعوا مما يجب عليكم. قال أبو جعفر: وكذا البخل في اللغة وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ قيل: أي ويخرج ذلك البخل أضغانكم أي ما تضمرونه من امتناع النفقة خوف الفقر.
[1]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 102.
[2]انظر معاني الفراء 3/ 64.


صفحه 128

[سورة محمد (47) : آية 38]
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38)
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما شرط وجوابه فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ أي إنما يعود الضرر عليه والعقوبة وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ أي فلم يكلّفكم ذلك لمّا علمه منكم وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قيل: إن تتولّوا عن نصرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يأتي بقوم آخرين بدلا منكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فيما فعلتموه.


صفحه 129

48 شرح إعراب سورة الفتح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الفتح (48) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً[1]
الأصل إنّنا حذفت النون لاجتماع النونات. والنون والألف في «إنّا» في موضع نصب، وفي «فتحنا» في موضع رفع وعلامات المضمر تتّفق كثيرا إذا كانت متصلة، والفتح هاهنا فتح الحديبيّة. وقد توهّم قوم أنه فتح مكّة ممّن لا علم لهم بالآثار. وقد صحّ عن ابن عباس والبرآء وسهل بن حنيف أنّهم قالوا: هو فتح الحديبيّة وهو صحيح عن أنس بن مالك كما قرئ على أحمد بن شعيب عن عمرو بن علي قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا قتادة عن أنس بن مالك إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال: الحديبية. وصحّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال عند منصرفه من الحديبيّة «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها» ثمّ تلا إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً[1][1]الآية فإن قيل:
لم يكن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحب الدنيا، فكيف قال في هذا الفضل العظيم الخطير أحبّ إليّ من الدنيا؟ وإنما تقول العرب: هذا في الشيء الجليل فيقولون: هو أسخى من حاتم طيّئ، والدنيا لا مقدار لها. وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين مرّ بشاة ميّتة «والله للدّنيا أهون على الله جلّ وعزّ من هذه على أهلها»[2]ففي ذلك غير جواب منها أنّ المعنى لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها لو كانت لي فأنفقتها في سبيل الله جلّ وعزّ. وقيل: خوطبوا بما يعرفون «فتحا» مصدر «مبينا» من نعته.

[سورة الفتح (48) : آية 2]
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً[2]
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ لام كي، والمعنى لأن. قال مجاهد ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قبل النّبوة. وَما تَأَخَّرَ بعد النبوة، وقال الشعبي مثله إلّا أنه قال: إلى أن مات. وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
[1]أخرجه مسلم في صحيحه، الجهاد ب 34 رقم 97، والقرطبي في تفسيره 16/ 259.
[2]أخرجه الترمذي في سننه- الزهد 9/ 198، وابن ماجة في سننه رقم الحديث (4110) .


صفحه 130

عطف قيل: يتم نعمته عليه في الدنيا بالنصر وفي الآخرة بالثواب وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً قيل: طريق الجنة. قال محمد بن يزيد: الصراط المنهاج الواضح. قال أبو جعفر: التقدير: إلى صراط ثم حذفت إلى.

[سورة الفتح (48) : آية 3]
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً[3]
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ عطف. نَصْراً عَزِيزاً مصدر «عزيزا» من نعته.

[سورة الفتح (48) : آية 4]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً[4]
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال:
السكينة الرحمة، قال محمد بن يزيد: السكينة فعيلة من السكون، ومن السكينة الحلم والوقار وترك ما لا يعني. وروى مالك بن أنس عن الزهري عن علي بن الحسين وبعضهم يقول عن الحسين رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»[1]، ومن الرحمة الحديث أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبّل الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال له الأقرع بن حابس: إنّ لي لعشرة أولاد ما قبّلت واحدا منهم قطّ فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «من لا يرحم لا يرحم»[2]. وفي بعض الحديث «أرأيت إن كان الله سبحانه قلع الرحمة من قلبك فما ذنبي»[3]. وفي ابن أبي طلحة عن ابن عباس لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ قال: بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشهادة أن لا إله إلا الله ثم زاد الصلاة ثمّ زاد الصيام ثم أكمل لهم دينهم.

[سورة الفتح (48) : الآيات 5 الى 6]
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (6)
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مفعولان خالِدِينَ على الحال وَيُكَفِّرَ عطف، كذا وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ نعت.
وقرأ مجاهد وأبو عمرو دائرة السوء[4]بضم السين، وفتح السين، وإن كانت القراءة به أكثر فإنّ ضمّها فيما زعم الفراء في هذا أكثر. والسّوء اسم الفعل، والسّوء الشيء بعينه.
[1]أخرجه مالك في الموطّأ- الحديث[3]، والترمذي في سننه- الزهد 9/ 196.
[2]أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 170.
[3]أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 170.
[4]انظر تيسير الداني 163، ومعاني الفراء 3/ 65. [.....]


صفحه 131

[سورة الفتح (48) : آية 8]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (8)
حال مقدّرة.

[سورة الفتح (48) : آية 9]
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (9)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليؤمنوا[1]مردودة على هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ليؤمنوا. والقراءة بالتاء على معنى قل لهم، وقيل إنّ المخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم مخاطبة لأمته، وَتُعَزِّرُوهُ على التكثير، ويقال عزره يعزره. قال الحسن والضحاك:
«وتعزّروه» أي تنصروه وتعظّموه. وَتُسَبِّحُوهُ أي تسبّحوا الله عزّ وجلّ. وقال قتادة:
«تعزّروه» تعظّموه وَتُوَقِّرُوهُ تسوّدوه وتشرّفوه، وتأوّله محمد بن يزيد على أنه للمبالغة قال: ومنه عزّر السلطان الإنسان أي بالغ في أدبه فيما دون الحدّ. قال أبو جعفر:
ورأيت علي بن سليمان يتأوّله بمعنى المنع، قال: فعزّرت الرجل الجليل منعت منه ونصرته، وعزّرت الرجل ضربته دون الحدّ. واشتقاقه منعته من أن يعود إلى ما ضربته من أجله.

[سورة الفتح (48) : آية 10]
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ اسم «إنّ» ويجوز أن يكون الخبر إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ويجوز أن يكون الخبر يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وقرأ ابن أبي إسحاق وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ[2]جاء به على الأصل ويجوز فسنؤتيه أجرا عظيما كالأول، فسنؤتيه بإثبات الواو في الإدراج، ويجوز فسنؤتيهي بإثبات الياء في الإدراج تبدل من الواو ياء. حكى هذا كلّه سيبويه وغيره.

[سورة الفتح (48) : آية 11]
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11)
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ ويجوز إدغام اللام وإن كان فيه جمع بين ساكنين لأن الأول منهما حرف مدّ ولين، ولا يجوز الإدغام في فَاسْتَغْفِرْ لَنا عند الخليل وسيبويه لأن في الراء تكريرا فإن أدغمتها في اللام ذهب التكرير. يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ جمع على أنّ اللسان مذكّر ومن أنّثه قال: ألسن. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا هذه قراءة أكثر القراء، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي
[1]انظر تيسير الداني 163، وكتاب السبعة لابن مجاهد 603.
[2]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 603.