بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 145

القتل وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً هذه قراءة أكثر الناس، وبها قامت الحجّة وقرأ أبو عمرو والأعرج لا يألتكم[1]وهي مخالفة للسواد إلا أن من قرأ بها يحتجّ بإجماع الجميع على وَما أَلَتْناهُمْ [الطور: 21] والقول في هذا: إنّهما لغتان معروفتان مشهورتان، فإذا كان الأمر كذلك فاتباع السواد أولى.

[سورة الحجرات (49) : آية 16]
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ على التكثير من تعلمون.

[سورة الحجرات (49) : آية 17]
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17)
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا «أن» في موضع نصب بمعنى يمنون عليك إسلامهم، ويجوز أن يكون التقدير بأن ثم حذفت الباء. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ أي بأن ولأن ثمّ حذف الحرف فتعدّى الفعل.

[سورة الحجرات (49) : آية 18]
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18)
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ مبتدأ وخبر أي عالم به، وإذا علمه جازى عليه.
[1]انظر تيسير الداني 164، والبحر المحيط 8/ 116.


صفحه 146

50 شرح إعراب سورة ق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة ق (50) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1)
ق غير معربة لأنها حرف تهجّ. قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناها. وَالْقُرْآنِ خفض بواو القسم. الْمَجِيدِ من نعته. قال سعيد بن جبير: «المجيد» الكريم، فأما جواب القسم ففيه أربعة أجوبة: قال الأخفش سعيد: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق: 4] وقال أبو إسحاق: الجواب محذوف أي والقرآن المجيد لتبعثنّ، وقيل:
بل المحذوف ما ذلّ عليه سياق الكلام لأنهم قالوا: إنّ هذا النبيّ عجيب تعجّبوا من أن يبعث إليهم رجل من بني أدم فوقع الوعيد على ذلك أي والقرآن المجيد لتعلمنّ عاقبة تكذيبكم يوم القيامة فقالوا: أَإِذا مِتْنا. قال أبو جعفر: فهذان جوابان، ومن قال:
معنى قضي الأمر والله فليس يحتاج إلى جواب، لأن القسم متوسّط، كما تقول: قد كلّمتك والله اليوم. والجواب الرابع أن يكون «ق» اسما للجبل المحيط بالأرض. قال ذلك وهب بن منبّه. فيكون التقدير: هو قاف والله، فقاف على هذا في موضع رفع.
قال أبو جعفر: وأصحّ الأجوبة أن يكون الجواب محذوفا للدلالة لأن إذا متنا جواب فلا بدّ من أن يكون «إذا» متعلّقة بفعل أي أنبعث إذا، فأما أن يكون الجواب قد علمنا فخطأ لأن «قد» ليست من جواب الأقسام، وقاف إذا كان اسما للجبل فالوجه فيها الإعراب.

[سورة ق (50) : آية 2]
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2)
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ أي لم يكذّبوك لأنّهم لا يعرفونك بالصدق بل عجبوا أن جاءهم برسالة رب العالمين. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ.

[سورة ق (50) : آية 3]
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)
أَإِذا مِتْنا أي أنبعث إذا متنا. وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ومعنى بعيد عند الفراء لا يكون. وذلك معروف في اللغة.


صفحه 147

[سورة ق (50) : آية 4]
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4)
قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ أي من لحومهم وأبدانهم وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ بمعنى حافظ لأنه لا يندرس ولا يتغير.

[سورة ق (50) : آية 5]
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ أي لم يكذّبوك لشيء ظهر عندهم. فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ روي عن ابن عباس: «مريج» منكر. وعنه: مريج في ضلالة، وعنه: مريج مختلف، وقال مجاهد وقتادة: مريج ملتبس، وقال الضّحاك وابن زيد: مريج مختلط. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال، وإن كانت ألفاظها مختلفة فمعانيها متقاربة لأن الأمر إذا كان مختلفا فهو ملتبس منكر في ضلالة لأن الحقّ بيّن واضح.

[سورة ق (50) : آية 6]
أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6)
أي أفلم ينظر هؤلاء المشركون الذين أنكروا البعث وجحدوا قدرتنا على إحيائهم بعد البلى إلى قدرتنا على خلق السماء حتّى جعلناها سقفا محفوظا. وَزَيَّنَّاها أي بالكواكب. وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ يكون جمعا ويكون واحدا أي من فتوق وشقوق.

[سورة ق (50) : آية 7]
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي بسطناها ونصبت الأرض بإضمار فعل أي وبسطنا الأرض، والرفع جائز إلّا أن النصب أحسن لتعطف الفعل على الفعل. وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا رست في الأرض أي ثبتت. وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي نوع. قال ابن عباس:
بَهِيجٍ حسن.

[سورة ق (50) : آية 8]
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8)
تَبْصِرَةً مصدرا، ومفعول له أي فعلنا ذلك لنبصّركم قدرة الله سبحانه وَذِكْرى أي ولتذكروا عظمة الله وسلطانه فيعلموا أنه قادر على أن يحيي الموتى ويفعل ما يريد.
لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أي راجع إلى الإيمان وطاعة الله جلّ وعزّ.

[سورة ق (50) : آية 9]
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً وهو المطر. فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ زعم الفراء[1]: أنّ الشيء أضيف إلى نفسه لأن الحب هو الحصيد عنده. قال أبو جعفر:
[1]انظر معاني الفراء 3/ 76.


صفحه 148

سمعت علي بن سليمان يحكي عن البصريين منهم محمد بن يزيد أن إضافة الشيء إلى نفسه محال، ولكن التقدير حبّ النبت الحصيد.

[سورة ق (50) : آية 10]
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10)
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ أي وأنبتنا النخل طوالا، وهي حال مقدرة «باسقات» على الحال لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رفعت طلعا بالابتداء وإنه كان نكرة لما فيه من الفائدة.

[سورة ق (50) : آية 11]
رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11)
رِزْقاً لِلْعِبادِ قال أبو إسحاق: رزقا مصدر، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله.
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً أي مجدبة، ليس فيها زرع ولا نبات كَذلِكَ الْخُرُوجُ مبتدأ وخبره أي الخروج من قبوركم كذا يبعث الله جلّ وعزّ ماء فينبت به الناس كما ينبت الزّرع[1]، وقال أبو إسحاق: المعنى كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم.

[سورة ق (50) : الآيات 12 الى 14]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14)
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ أي كذّبت قبل هؤلاء المشركين الذين كذّبوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم قوم نوح، والتاء لتأنيث الجماعة وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (13) . وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ قال مجاهد: الرّسّ: بئر. وقال قتادة: الأيكة الشجر الملتفّ وَقَوْمُ تُبَّعٍ عطف كلّه. قال أبو مجلز سأل عبد الله بن عباس كعبا عن تبّع فقال: كان رجلا صالحا أخذ فتية من الأحبار فاستبطنهم فأسلم فأنكر ذلك قومه عليه. وفي حديث سهل بن سعد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تلعنوا تبّعا فإنه كان أسلم» كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ التقدير عند سيبويه: كلّهم ثم حذف لدلالة كلّ، وأجاز النحويون جميعا: كلّ منطلق، بمعنى كلّهم. قال أبو جعفر سمعت محمد بن الوليد يجيز حذف التنوين فيقول: كلّ منطلق بمعنى كلّهم. يجعله غاية مثل قبل وبعد. قال علي بن سليمان: هذا كلام من لم يعرف لم بني قبل وبعد، ونظير هذا من الألفاظ لأن النحويين قد خصّوا الظروف للعلّة التي فيها ليست في غيرها. قال أبو جعفر: وهذا كلام بين عند أهل العربية صحيح.
وحذفت الياء من وَعِيدِ لأنه رأس آية لئلا يختلف الآيات، فأما من أثبتها في الإدراج وحذفها في الوقف فحجّته أنّ الوقف موضع حذف، الدليل على ذلك أنك تقول: لم يمض، فإذا وصلت كسرت الضاد لا غير ومعنى فَحَقَّ وَعِيدِ فوجب الوعيد من الله جلّ وعزّ للكفار بالعذاب في الآخرة والنقمة.
[1]مرّ الحديث في الآية 10- الزخرف.


صفحه 149

[سورة ق (50) : آية 15]
أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
أَفَعَيِينا[1]بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ يقال: عيينا بالأمر وعييّ به إذا لم يتجه، ولم يحسنه، وإذا قلت: عيينا لم يجز الإدغام لأن الحرف الثاني ساكن فلو أدغمته في الأول التقى ساكنان. فأما المعنى فإنه قيل لهؤلاء الذين أنكروا البعث فقالوا (ذلك رجع بعيد) أفعيينا بالابتداء الخلق فنعيا بإحيائكم بعد البلى. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:
أفعيينا بالخلق الأول، قال: يقول لم نعي به. قال أبو جعفر: وهكذا الاستفهام الذي فيه معنى التقرير والتوبيخ يدخله معنى النفي أي لم يعي بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ أي من البعث.

[سورة ق (50) : آية 16]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ الضمير الذي في به يعود على «ما» ، وأجاز الفراء»
أن يعود على الإنسان أي ويعلم ما توسوس إليه نفسه. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ قال ابن عباس: الوريد حبل العنق، وللنحويين فيه تقديران: قال الأخفش سعيد: ونحن أقرب إليه بالمقدرة من حبل الوريد، وقال غيره: أي ونحن أقرب إليه في العلم بما توسوس به نفسه من حبل الوريد.

[سورة ق (50) : آية 17]
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17)
ولم يقل: قعيدان ففيه أجوبة: فمذهب سيبويه والكسائي أن المعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ثم حذف. ومذهب الأخفش والفراء أن «قعيد» واحد يؤدي عن اثنين، وأكثر منهما، كما قال جلّ وعزّ: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر: 67] . وقال محمد بن يزيد: إنّ التقدير في قَعِيدٌ أن يكون ينوى به التقديم أي عن اليمين قعيد ثم عطف عليه وعن الشمال. قال أبو جعفر: وهذا بيّن حسن ومثله وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: 62] . وقول رابع أن يكون قعيد بمعنى الجماعة، كما يستعمل العرب في فعيل، قال جلّ وعزّ: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4] .

[سورة ق (50) : آية 18]
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الضمير الذي فيه يعود على الإنسان أي ما يلفظ الإنسان من قول فيتكلّم به إلّا عند لفظ به. رَقِيبٌ أي حافظ يحفظ عليه. عَتِيدٌ معدّ. يكون هذا من متصرّفات فعيل يكون بمعنى الجمع وبمعنى مفعل وبمعنى مفعول مثل قتيل، وبمعنى فاعل، مثل قدير بمعنى قادر.
[1]انظر البحر المحيط 8/ 122.
(2) انظر معاني الفراء 3/ 77.


صفحه 150

[سورة ق (50) : آية 19]
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ أي شدّته وغلبته على فهم الإنسان حتّى يكون كالسكران من الشراب أو النوم. بِالْحَقِّ أي بأمر الآخرة الذي هو حقّ حتّى يتبيّنه عيانا، وقول أخر أن يكون الحقّ هو الموت أي وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت. وصحّ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قرأ وجاءت سكرة الحقّ بالموت[1]وكذا عن عبد الله بن مسعود رحمة الله عليه. قال: وهذه قراءة على التفسير. وفي معناها قولان: يكون الحقّ هو الله جلّ وعزّ أي وجاءت سكرة الله بالموت، والقول الآخر قول الفراء تكون السّكرة هي الحق، وجاءت السكرة الحقّ أضيف الشّيء إلى نفسه. ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تلك السكرة ما كنت منه تهرب. فأما التذكير فبمعنى ذلك السّكر.

[سورة ق (50) : آية 20]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20)
أي ما وعد الله عزّ وجلّ الكفار وأصحاب المعاصي بالنار.

[سورة ق (50) : آية 21]
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)
محمول على المعنى، ولو كان على اللفظ لكان وجاء كلّ نفس معه والتقدير ومعها حذفت الواو للعائد والجملة في موضع نصب على الحال.

[سورة ق (50) : آية 22]
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا اختلف أهل العلم في هذه المخاطبة لمن هي فقالوا فيها ثلاثة أقوال: قال زيد بن أسلم وعبد الرحمن بأنّ هذه المخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وحكى عبد الله بن وهب عن يعقوب عن عبد الرحمن قال: قلت لزيد بن أسلم وهذه المخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما أنكرت من هذا وقد قال الله سبحانه: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [الضحى: 6، 7] . قال: فهذا قول، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا قال: هذا مخاطبة للكفار، وكذا قال مجاهد، وقال الضحاك: مخاطبة للمشركين وقال صالح بن كيسان بعد أن أنكر على زيد بن أسلم ما قاله، وقال: ليس عالما بكلام العرب ولا له وإنما هذه مخاطبة للكفار.
فهذان قولان، والقول الثالث ما قاله الحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال:
هذا مخاطبة للبرّ والفاجر، وهو قول قتادة. قال أبو جعفر: أما قول زيد بن أسلم فتأويله على أن الكلام تم عنده عند قوله جلّ وعزّ: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)
[1]انظر معاني الفراء 3/ 78، والمحتسب 2/ 283.


صفحه 151

ثم ابتدأ يا محمد لقد كنت في غفلة من هذا الدّين ومما أوحي إليك من قبل أن تبعث إذ كنت في الجاهلية فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أي فبصّرناك فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي فعلمك نافذ.
والبصر هاهنا بمعنى العلم. وأولى ما قيل في الآية أنها على العموم للبرّ والفاجر يدلّ على ذلك وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ فهذا عامّ لجميع الناس برّهم وفاجرهم، فقد علم أنّ معنى وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ وجاءتك أيّها الإنسان سكرة الموت ثم جرى الخطاب على هذا في لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا أي لقد كنت أيّها الإنسان في غفلة مما عاينت فإن كان محسنا ندم إذ لم يزدد، وإن كان مسيئا ندم إذ لم يقلع هذا لما كشف عنهما الغطاء، فبصرك اليوم نافذ لما عاينت. وقال الضحاك: فبصرك لسان الميزان:
قيل: فتأوّل بعض العلماء هذا على التمثيل بالعدل أي أنت أعرف خلق الله جلّ وعزّ بعملك، فبصرك به كلسان الميزان الذي يعرف به الزيادة والنقصان.

[سورة ق (50) : آية 23]
وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23)
وَقالَ قَرِينُهُ قال عبد الرحمن بن زيد: «قرينه» سائقه الذي وكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ قال: هذا ما أخذه وجاء به، هذا في موضع رفع بالابتداء وما خبر الابتداء وعَتِيدٌ خبر ثان، ويجوز أن يكون مرفوعا على إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون بدلا من «ما» ، ويجوز أن يكون نعتا لما على أن تجعل «ما» نكرة، ويجوز النصب في غير القرآن مثل وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [هود: 72] .

[سورة ق (50) : آية 24]
أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24)
اختلف النحويون في قوله ألقيا، فقال قوم: هو مخاطبة للقرين أي يقال للقرين:
ألقيا. فهذا قول الكسائي والفراء، وزعم[1]: أنّ العرب تخاطب الواحد بمخاطبة الاثنين فيقول: يا رجل قوما، وأنشد: [الطويل] .
432-
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب
[2]وإنّما خاطب واحدا واستدلّ على ذلك قوله: [الطويل] 433-
ألم تر أنّي كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وقال قوم: «قرين» للجماعة والواحد والاثنين مثل وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4] . قال أبو جعفر: وحدّثنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد عن بكر بن محمد المازني، قال: العرب تقول للواحد: قوما على شرط إذا أرادت تكرير الفعل أي
[1]انظر معاني الفراء 3/ 78.
[2]هذا الشاهد والذي بعده لامرئ القيس في ديوانه ص 41، والأشباه والنظائر 8/ 85، ولسان العرب (ندل) و (محل) .


صفحه 152

قم قم، فجاؤوا بالألف لتدلّ على هذا المعنى، وكذا «ألقيا» وقول أخر: يكون مخاطبة لاثنين. قال عبد الرحمن بن زيد: معه السائق والحافظ جميعا. قال مجاهد وعكرمة:
العنيد المجانب للحقّ والمعاند لله جلّ وعزّ. قال محمد بن يزيد: عنيد بمعنى معاند مثل ضجيع وجليس.

[سورة ق (50) : آية 25]
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25)
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي لما يجب عليه من زكاة وغيرها. والخير المال. ومُعْتَدٍ على الناس بلسانه ويده. قال قتادة: مُرِيبٍ شاك.

[سورة ق (50) : آية 26]
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26)
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يكون «الذي» في موضع نصب بدلا من كلّ وبمعنى أعني، ويكون رفعا بإضمار مبتدأ، وبالابتداء وخبره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ.

[سورة ق (50) : آية 27]
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27)
قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ أي ما جعلته طاغيا أي متعدّيا إلى الكفر. وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي في طريق جائر عن الحق.

[سورة ق (50) : آية 28]
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28)
قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: اعتذروا بغير عذر فأبطل عليهم حجّتهم وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ أي بالوعيد الذي لا حيف فيه، ولا خلف له فلا تختصموا لديّ.

[سورة ق (50) : آية 29]
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (29)
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ قال مجاهد: أي قد قضيت ما أنا قاض. وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي لا أخذ أحدا بجرم أحد.

[سورة ق (50) : آية 30]
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ والعامل في يوم ظلام وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ في معناه قولان: أحدهما أنّ المعنى: ما في مزيد، ويحتج صاحب هذا القول بقوله جلّ وعزّ:
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة: 13، ص: 85] . وهذا قول عكرمة، ونظيره الحديث حين قيل للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ألا تنزل دارا من دورك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من دار»[1]أي ما
[1]أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6/ 34، والمتقي الهندي في كنز العمال (30429) و (30685) .