بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 176

أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي يستمعون فيه الوحي من السماء فيدّعون أنّ الذي هم عليه قد أوحى به فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بحجّة بيّنة كما أتى بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

[سورة الطور (52) : آية 39]
أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)
كما تقولون فتلك قسمة جائرة.

[سورة الطور (52) : آية 40]
أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40)
مَغْرَمٍ مصدر أي أم تسألهم مالا فهم من أن يغرموا شيئا مثقلون أي يثقل ذلك عليهم.

[سورة الطور (52) : آية 41]
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أي هم لا يعلمون الغيب فكيف يقولون: لا نؤمن برسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ويقولون شاعر نتربّص به ريب المنون؟ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي يكتبون للناس من الغيب ما أرادوا، ويخبرونهم به.

[سورة الطور (52) : آية 42]
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً أي احتيالا على إذلال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإهلاكه وعلى المؤمنين. فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أي المذلّون المهلكون الصابرون إلى عذاب الله جلّ وعزّ.

[سورة الطور (52) : آية 43]
أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)
أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ أي معبود يستحقّ العبادة. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزيها لله جلّ وعزّ مما يعبدونه من دونه.

[سورة الطور (52) : آية 44]
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (44)
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً جمع كسفة مثل سدرة وسدر. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس كسفا قال: يقول: قطعا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ على إضمار مبتدأ أي يقولوا: هذا الكسف سحاب مركوم.

[سورة الطور (52) : آية 45]
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)
فَذَرْهُمْ من يذر حذفت منه الواو وإنما تحذف من يفعل لوقوعها بين ياء وكسرة أو من يفعل إذا كان فيه حرف من حروف الحلق وليس في «يذر» من هذا شيء يوجب حذف الواو، وقال أبو الحسن بن كيسان: حذفت منه الواو لأنه بمعنى يدع فأتبعه.
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ وقرأ الحسن وعاصم يُصْعَقُونَ[1]قال الحسن أي
[1]انظر تيسير الداني 165، والبحر المحيط 8/ 150، (عاصم وابن عامر بضمّ الياء والباقون بفتحهما) .


صفحه 177

يماتون، وحكى الفراء[1]عن عاصم يُصْعَقُونَ وهذا لا يعرف عنه قال: يقال: صعق يصعق، وهي لغة معروفة كما قرأ الجميع فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر: 68] ولم يقرءوا فصعق، ويقال: صعق يصعق وأصعق متعدّي صعق.

[سورة الطور (52) : آية 46]
يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (46)
يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً بدل من اليوم الأول. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي ولا يستقيد لهم أحد ممن عاقبهم ولا يمنع منهم.

[سورة الطور (52) : آية 47]
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (47)
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ أجلّ ما قيل فيه إسنادا ما رواه أبو إسحاق عن البرآء وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ قال: عذاب القبر. وقال ابن زيد: المصائب في الدنيا، ومعنى دُونَ ذلِكَ دون يوم يصعقون وهو يوم القيامة. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لا يعلمون أنّهم ذائقوا ذلك العذاب، وقيل: فعلهم فعل من لا يعلم.

[سورة الطور (52) : آية 48]
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي لحكمه الذي قضى عليك وامض لأمره ونهيه وبلّغ رسالته فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي نراك ونرى عملك ونحوطك ونحفظك، وجمعت عين على أعين، وهي مثل بيت، ولا يقال: أبيت لثقل الضمة في الياء إلّا أن هذا جاء في عين لأنّها مؤنثة. وأفعل في جمع المؤنث كثير. قالوا شمال أشمل وعناق أعنق. وقد قيل: أعيان كأبيات وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ في معناه أقوال فقول الضّحاك إنّ معناه حين تقوم إلى الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، تقول: سبحانك اللهمّ وبحمدك تبارك واسمك وتعالى جدّك، وقيل التسبيح هاهنا تكبيرة الإحرام التي لا تتمّ الصلاة إلا بها، لأن معنى التسبيح في اللغة تنزيه الله جلّ وعزّ من كل سوء نسبه إليه المشركون وتعظيمه، ومن قال: الله أكبر فقد فعل هذا، وقول ثالث يكون المعنى حين تقوم من نومك، ويكون هذا يوم القائلة يعني صلاة الظهر لأن المعروف من قيام الناس من نومهم إلى الصلاة إنما هو من صلاة الفجر، وصلاة الظهر وصلاة الفجر مذكورة بعد هذا. فأما قول الضّحاك إنه في افتتاح الصلاة فبعيد لاجتماع الحجة لأن الافتتاح في الصلاة غير واجب ولو أمر الله جلّ وعزّ به لكان واجبا إلّا أن تقوم الحجة أنّه على الندب والإرشاد.

[سورة الطور (52) : آية 49]
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (49)
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ قال ابن زيد: صلاة العشاء، وقال غيره: صلاة المغرب والعشاء
[1]انظر معاني الفراء 613.


صفحه 178

وَإِدْبارَ النُّجُومِ فيه قولان: أحدهما أنه لركعتي الفجر، وقال الضّحاك وابن زيد: صلاة الصبح. قال وهذا أولى لأنه فرض من الله تعالى. ونصب وَإِدْبارَ النُّجُومِ على الظرف أي وسبّحه وقت إدبار النجوم، كما: أنا أتيك مقدم الحاجّ، ولا يجوز أنا أتيك مقدم زيد، إنما يجوز هذا فيما عرف. وهذا قول الخليل وسيبويه.


صفحه 179

53 شرح إعراب سورة النجم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 2]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2)
وَالنَّجْمِ خفض بواو القسم، والتقدير وربّ النجم. إِذا هَوى في موضع نصب أي حين هوى، وجواب القسم ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ أي ما زال عن القصد وَما غَوى قيل:
أي وما خاب فيما طلبه من الرحمة.

[سورة النجم (53) : الآيات 3 الى 4]
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (4)
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى قيل: المعنى وما ينطق فيما يخبر به من الوحي، ودلّ على هذا إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى أي ما الذي يخبر به إلا وحي يوحى. ويوحى يرجع إلى الياء، ولو كان من ذوات الواو لتبع المستقبل الماضي.

[سورة النجم (53) : آية 5]
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5)
أي الأسباب، وحكى الفراء أنه يقرأ شَدِيدُ الْقُوى بكسر القاف لأن فعلة وفعلة يتضارعان. قال قتادة: شديد القوى جبريل عليه السلام.

[سورة النجم (53) : آية 6]
ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6)
ذُو مِرَّةٍ قال مجاهد: جبرائيل عليه السلام ذو قوة. وقال ابن زيد: المرّة القوة. وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ذُو مِرَّةٍ أي منظر حسن. قال أبو جعفر:
حقيقة المرّة في اللغة اعتدال الخلق والسلامة من الآفات والعاهات، فإذا كان كذا كان قويا. فَاسْتَوى قيل: فاعتدل بعد أن كان ينزل مسرعا.

[سورة النجم (53) : آية 7]
وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7)
في موضع الحال أي فاستوى عاليا، هذا قول من تجب به الحجّة من العلماء،


صفحه 180

والمعنى عليه، والإعراب يقويه. وزعم الفراء[1]أن المعنى فاستوى محمد صلّى الله عليه وسلّم وجبريل عليه السلام فجعل «وهو» كناية عن جبرائيل عليه السلام وعطف به على المضمر. قال أبو جعفر: في هذا من الخطأ ما لاحقا به عطف على مضمر مرفوع لا علامة له ومثله مررت بزيد جالسا وعمرو، ويعطف به على المضمر المرفوع. وهذا ممنوع من الكلام حتّى يؤكّد المضمر أو يطول الكلام ثم شبّهه بقوله: أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا [النمل:
67] وهذا التشبيه غلط من جهتين، إحداهما أنه قد طال الكلام هاهنا وقام المفعول به مقام التوكيد. والجهة الأخرى أنّ النون والألف قد عطف عليهما هاهنا، وقولك: قمنا وزيد أسهل من قولك: قام وزيد، وأيضا فليس المعنى على ما ذكر.

[سورة النجم (53) : آية 8]
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8)
شبّهه الفراء[2]بقوله جلّ وعزّ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1] لأن المعنى: انشقّ القمر واقتربت الساعة. قال أبو جعفر: وهذا التشبيه غلط بيّن لأن حكم الفاء خلاف حكم الواو لأنها تدلّ على أن الثاني بعد الأول، فالتقدير ثم دنا فزاد في القرب.

[سورة النجم (53) : آية 9]
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9)
قال أبو جعفر: وهذا أيضا مما يشكل في العربية لأن «أو» لا يجوز أن تكون بمعنى الواو لاختلاف ما بينهما، ولا بمعنى «بل» لما ذكرنا. وأن الاختصار يوجب غير ذلك فالتقدير فكان بمقدار ذلك عندكم لو رأيتموه قدر قوسين أو أدنى، كما روي عن ابن مسعود قال: فكان قدر ذراع أو ذراعين. قال أبو جعفر: القاد والقيد والقاب والقيب والقدر والقدر.

[سورة النجم (53) : آية 10]
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10)
في معناه قولان: روى هشام الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال:
عبده محمد صلّى الله عليه وسلّم فتأوّل هذا على المعنى فأوحى إلى عبده محمد صلّى الله عليه وسلّم. والقول الأخر أن المعنى فأوحى جبرائيل إلى محمد صلّى الله عليه وسلّم عبد الله وهو قول جماعة من أهل التفسير منهم ابن زيد قال: وهذا أشبه بسياق الكلام لأن ما قبله وما بعده أخبار عن جبرائيل صلّى الله عليه وسلّم ومحمد صلّى الله عليه وسلّم فلا يخرج ذلك عنهما إلى أحد إلّا بحجة يجب التسليم بها.

[سورة النجم (53) : آية 11]
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11)
[3]
[1]انظر معاني الفراء 3/ 95.
[2]انظر معاني الفراء 3/ 96.
[3]انظر القراءات في البحر المحيط 8/ 156، وتيسير الداني 166.


صفحه 181

هذه قراءة أكثر القراء، وقرأ الحسن وقتادة ويزيد بن القعقاع وعاصم الجحدري ما كَذَبَ الْفُؤادُ[1]مشدّدا. التقدير في التخفيف ما كذب فؤاد محمد محمدا فيما راه وحذفت في كما حذفت «من» في قوله جلّ وعزّ من: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا [الأعراف: 155] . لأنه مما يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف. قال أبو جعفر: وهذا شرح بيّن ولا نعلم أحدا من النحويين بيّنه، ومن قرأ كذّب فزعم الفراء أنه يجوز أن يكون أراد صاحب الفؤاد. وأجاز أن يكون معنى «ما كذب» صدّق. والقراءة بالتخفيف أبين معنى، وبالتشديد يبعد لأن معناها قبله وإذا قبله الفؤاد أي علمه فلا معنى للتكذيب. والقراءة بالتخفيف بيّنة أي صدقه. واختلف أهل التأويل في معنى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى فقال ابن عباس وجماعة معه: رأى ربه جلّ وعزّ قال: وخصّ الله إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم بالخلّة وموسى بالتكليم ومحمدا صلّى الله عليه وسلّم بالرؤية كما جاء في الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم:
«رأيت ربّي جلّ وعزّ فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى»[2]. والقول الأخر قول ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما أنه رأى جبرائيل على صورته وقد رفعه زرّ عن عبد الله أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «رأيت جبرائيل على صورته له ستمائة جناح عند سدرة المنتهى»[3]ورفعته عائشة أيضا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وردّت على ابن عباس ما قاله.

[سورة النجم (53) : آية 12]
أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12)
[4]صحيحه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وابن مسعود وابن عباس ومرويّه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي قراءة مسروق وأبي العالية ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وبها قرأ النخعي غير أن أبا حاتم حكى أنه قال: لم يماروه وإنما جحدوه قال: وفي هذا طعن على جماعة من القراء تقوم بقراءتهم الحجة منهم الحسن وشريح وأبو جعفر والأعرج وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير والعاصمان. والقول في هذا أنهما قراءتان مستفيضتان قد قرأ بهما الجامعة غير أن الأولى من ذكرناه من الصحابة.
فأما أن يقال: لم يماروه فعظيم لأن الله جلّ وعزّ قد أخبر أنّهم قد جادلوا، والجدال هو المراء ولا سيما في هذه القصة، وقد ماروه فيها حتّى قالوا له: سرت في ليلة واحدة إلى بيت المقدس فصفه لنا، وقالوا: لنا عير بالشام فأخبرنا خبرها، قال محمد بن يزيد: يقال مراه بحقّه يمريه إذا دفعه به ومنعه منه، قال و «على» بمعنى «عن» . قال أبو
[1]انظر معاني الفراء 3/ 96.
[2]ذكره ابن الجوزي في زاد المسير 7/ 155، وذكر في مناهل الصفا (32) ، ومختصر العلو للعلي الغفار- تحقيق الألباني 119. [.....]
[3]أخرجه أحمد في مسنده 1/ 407، وابن كثير في البداية والنهاية 1/ 44.
[4]انظر تيسير الداني 166، والبحر المحيط 8/ 156.


صفحه 182

جعفر: وذلك معروف في اللغة، وقد ذكرنا أن لغة بني كعب بن ربيعة رضي الله عليك أي عنك.

[سورة النجم (53) : الآيات 13 الى 14]
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14)
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) أحسن ما قيل فيه وأصحّه أن الضمير يعود على شديد القوى، كما حدّثنا الحسن بن غليب قال: حدثنا محمد بن سوّار الكوفي قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ثلاث من قال واحدة منهن فقد أعظم على الله جلّ وعزّ الفرية: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية على الله وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً [لقمان: 34] . ومن زعم أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم كتم شيئا من أمر الوحي فقد أعظم على الله الفرية والله جلّ وعزّ يقول: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: 67] ، ومن زعم أنّ محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله جل وعز الفرية والله جلّ ثناؤه يقول: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: 51] والله يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: 103] قلت: يا أمّ المؤمنين ألم يقل: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير: 23] قالت: أنا سألت عن ذلك نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «رأيت جبرائيل عليه السلام نزل سادّا الأفق على خلقه وهيبته أو خلقه وصورته»[1]. وقال الفراء[2]: «نزلة أخرى» مرّة أخرى. قال أبو جعفر: «نزلة» مصدر في موضع الحال، كما تقول: جاء فلان مشيا أي ماشيا، والتقدير ولقد راه نازلا نزلة أخرى أي في نزوله عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) متّصل براه. قال عكرمة عن ابن عباس: سألت كعبا عن سدرة المنتهى فقال: إليها ينتهي علم العلماء لا يعلم أحد ما وراءها إلّا الله جلّ وعزّ، وقال الربيع بن أنس: سمّيت سدرة المنتهى لأنه تنتهي إليه أرواح المؤمنين ومذهب الضّحاك أنه ينتهي إليها ما كان من أمر الله من فوقها أو من تحتها. قال أبو جعفر: وليس قول من هذه إلّا وهو محتمل لذلك، ولا خبر يقطع العذر في ذلك، والله جلّ وعزّ أعلم.

[سورة النجم (53) : آية 15]
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15)
قال كعب: مأوى أرواح الشهداء، وقال قتادة: مأوى أرواح المؤمنين. ويقال:
إنها الجنة التي أوى إليها أدم عليه السلام، وإنها في السماء السابعة. فأعلم الله جلّ وعزّ أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم قد أسري به إلى السماء السابعة على هذا. فأما من قرأ
[1]أخرجه الترمذي في سننه- التفسير 11/ 188، وفي البحر المحيط 8/ 157.
[2]انظر معاني الفراء 3/ 96.


صفحه 183

جَنَّةُ الْمَأْوى[1]فتقديره جنّة سواد الليل. وهي قراءة شاذة قد أنكرها الصحابة سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر. وقال ابن عباس: هي مثل جَنَّاتُ الْمَأْوى [السجدة:
19] حجّة بيّنة مع إجماع الجماعة الذين تقوم بهم الحجة، وأيضا فإنه يقال: أجنّة الليل، وجنّ عليه، ولغة شاذة جنّة الليل.

[سورة النجم (53) : الآيات 16 الى 17]
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17)
إِذْ متصلة براه. قال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة واقعة على الأشجار كالغربان، وكذا قال أبو العالية ويقال: إنه عن أبي هريرة مثله وزاد فيه.
فهنالك كلّمه ربه جلّ وعزّ قال له سل: ما زاغَ الْبَصَرُ أي ما حاد يمينا وشمالا متحيّرا.
وَما طَغى أي وما تجاوز ذلك من غير أن يتبيّنه.

[سورة النجم (53) : آية 18]
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18)
قال ابن زيد: رأى جبرائيل صلّى الله عليه وسلّم على صورته في السماء.

[سورة النجم (53) : الآيات 19 الى 20]
أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20)
قال الكسائي: الوقوف عليه اللّاه، وقال غيره: الوقوف عليه اللّات. اشتقّوه من اسم الله جلّ وعزّ. وهو مكتوب في الصحف بالتاء. واشتقّوا العزّى من العزيز وَمَناةَ[2]من منى الله عزّ وجلّ عليه الشيء أي قدّره الثَّالِثَةَ الْأُخْرى نعت لمناة.

[سورة النجم (53) : آية 21]
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (21)
يجوز أن يكون مقدّما ما ينوى به التأخير، ويكون المعنى إن الّذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمّون الملائكة تسمية الأنثى. أي يقولون هم بنات الله عزّ وجلّ ألكم الذكر الذي ترضوانه وله الأنثى التي لا ترضونها.

[سورة النجم (53) : آية 22]
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (22)
يقال: ضازه يضيزه ويضوزه إذا جار عليه.
[1]انظر البحر المحيط 8/ 157 (وقرأ علي وأبو الدرداء وأبو هريرة وابن الزبير وأنس وزرّ ومحمد بن كعب وقتادة (جنّه) بها الضمير، وجنّ فعل ماض، والهاء ضمير يعود إلى النبيّ، أي: عندها ستره إيواء الله تعالى وجميل صنعه) .
[2]انظر تيسير الداني 166 (ابن كثير «ومناءة» بالمدج والهمز والباقون بغير مدّ ولا همز) .