وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، وبعض الكوفيين يقول «لا» بمعنى «ليس» ، والأول قول سيبويه، وروى المعتمر عن أبيه عن ابن عباس قال: اقرءوا بقراءة ابن مسعود ألّا يقدروا[1]بغير نون فهذا على أنه منصوب بأن. قال أبو جعفر: وهذا بعيد في العربية أن تقع أَنَّ معملة بعد يَعْلَمَ وهو من الشواذ، ومن الشواذ أنه روي عن الحسن أنه قرأ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ بالرفع ومجازه ما ذكرناه من أن التقدير فيه أنه وأن الفضل بيد الله أي بيد الله دونهم لأنه كما روي قالوا: الأنبياء منّا فكفروا بعيسى صلّى الله عليه وسلّم وبمحمد فأعلم الله جلّ وعزّ أنّ الفضل بيده يرسل من شاء وينعم على من أراد إلّا أن قتادة قال:
لمّا أنزل الله جلّ وعزّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ حسد اليهود المسلمين فأنزل الله جلّ وعزّ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ أي من خلقه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي على عباده.
[1]انظر البحر المحيط 8/ 228.
58 شرح إعراب سورة المجادلة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة المجادلة (58) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[1]
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[1]قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها قال أبو جعفر بن محمد: إن شئت أدغمت الدال في السين فقلت: قد سمع، لأن مخرج الدال والسين جميعا من طرف اللسان، وإن شئت بيّنت فقلت: قد سمع الله لأن الدال والسين وإن كانتا من طرف اللسان فليستا من موضع واحد لأن الدال والتاء والطاء من موضع واحد، والسين والصاد والزاي من موضع واحد. يسمّين حروف الصفير، وأيضا فإن السين منفصلة من الدال.
وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ أي تشتكي المجادلة إلى الله جلّ وعزّ ما بظهار زوجها وتسأله الفرج. وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما أي تحاور النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمجادلة إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ أي لما يقولانه وغيره. بَصِيرٌ بما يعملانه وغيره.
[سورة المجادلة (58) : آية 2]
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)
الَّذِينَ رفع بالابتداء، ويجوز على قول سيبويه أن يكون في موضع نصب ببصير يظّهارون[1]قراءة الحسن وأبي عمرو ونافع، وقرأ أبو جعفر وشيبة ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي يظهرون وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعاصم يَظْهَرُونَ وحكى الكسائي أنّ في حرف أبيّ يتظاهرون حجة لمن قرأ يظهرون لأن التاء مدغمة في الظاء وأصحّ من هذا ما رواه نصر بن علي عن أبيه عن هارون قال: في حرف أبيّ يتظهّرون حجّة لمن قرأ
[1]انظر تيسير الداني 169، والبحر المحيط 8/ 231.
يظّهرون لأن التاء أدغمت في الظاء أيضا. مّا هنّ أمّهاتهم[1]خبر «ما» شبّهت بليس، وقال الفرّاء: بأمهاتهم فلما حذفت الباء بقي لها أثر فنصب الاسم. إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ مبتدأ وخبر، و «إن» بمعنى «ما» وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ أي ما لا يصحّ. وَزُوراً قال قتادة: أي كذبا ونصبت منكرا وزورا ويقولون لو رفعته لانقلب المعنى وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ أي ذو عفو وصفح عمن تاب. غَفُورٌ له لا يعذّبه بعد التوبة، وقيل هذا لأنهم كانوا يطلّقون في الجاهلية بالظّهار. قال أبو قلابة: كان الرجل في الجاهلية إذا ظاهر من امرأته فهو طلاق بتات فلا يعود إليه أبدا، فأنزل الله عزّ وجلّ هذا.
[سورة المجادلة (58) : آية 3]
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)
قال أبو جعفر: اختلف العلماء في معنى العود فقال قوم ممن يقول بالظاهر: لا يجب عليه الكفّارة حتّى يظاهر مرة ثانية، وحكوا ذلك عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، وقال قتادة: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا هو أن يعزم بعد الظّهار على وطئها وغشيانها، وقال بعض الفقهاء: عوده أن يمسكها ولا يطلّقها بعد الظهار فتجب عليه الكفارة، وقال القتبيّ: هو أن يعود لما كان يقال في الجاهلية وقال أبو العالية: لِما قالُوا أي فيما قالوا، وقال الفرّاء[2]: لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا واحد، يريد يرجعون عن قولهم، وقال الأخفش: فيه تقديم وتأخير أي فتحرير رقبة لما قالوا. ومن أبينها قول قتادة أي ثم يعودون إلى ما قالوا من التحريم فيحلّونه. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أو فعليهم تحرير رقبة، ويجوز عند النحويين البصريين فتحرير رقبة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا من قبل أن يمسّ الرجل المرأة، ومن قبل أن تمسّ المرأة الرجل، وهذا عام غير أن سفيان كان يقول: له ما دون الجماع.
[سورة المجادلة (58) : آية 4]
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (4)
مِنْ في موضع رفع بالابتداء أي فمن لم يجد الرقبة والمفعول يحذف إذا عرف المعنى فعليه صيام شهرين، ويجوز صيام شهرين على أن شهرين ظرف، وإن شئت كان
[1]انظر البحر المحيط 8/ 231 (قرأ الجمهور بالنصب على لغة الحجاز، والمفضل عند عاصم بالرفع على لغة تميم، وابن مسعود بأمهاتهم بزيادة الباء) .
[2]انظر معاني الفراء 3/ 139.
مفعولا على السعة فإذا قلت: صيام شهرين لم يجز أن يكون ظرفا. وعلى هذا حكى سيبويه فيما يتعدّى إلى مفعولين: [الرجز] 470-
يا سارق اللّيلة أهل الدار
[1]فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أي فمن لم يستطع الصوم لهرم أو زمانة فعليه إطعام ستين مسكينا، ويجوز تنوين إطعام، وليس هاهنا من قبل أن يتماسّا ولكنه يؤخذ من جهة الإجماع ذلك ليؤمنوا بالله ورسوله. قال أبو إسحاق: أي ذلك التغليظ، وقال غيره: فعلنا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله أي لتصدّقوا بما جاءكم فتؤمنوا. وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي هذه فرائض الله جلّ وعزّ التي حدّها وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ أي لمن كفر بها.
[سورة المجادلة (58) : آية 5]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (5)
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يخالفون الله ورسوله ويصيرون في حدّ أعدائه.
كُبِتُوا أي غيظوا، وقال بعض أهل اللغة: أي هلكوا، قال: والأصل كبدوا من قولهم: كبده إذا أصابه بوجع في كبده كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الكاف في موضع نصب لأنّها نعت لمصدر ولهم عذاب مهين.
[سورة المجادلة (58) : آية 6]
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ العامل في يوم «عذاب» ، ولا يجوز عند البصريين أن يكون مبنيا إذا كان بعده فعل مستقبل وإنما يبنى إذا كان بعده ماض أو ما ليس بمعرب فإذا كان هكذا بني، لأنه لما كان يحتاج إلى ما بعده ولا بد له منه أجري مجراه. فأما الكوفيون فيقولون: إنما بني لأنه بمعنى إذا فيبنى لبنائها. جَمِيعاً منصوب على الحال أي يوم يبعثهم الله من قبورهم إلى القيامة في حال اجتماعهم. فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أي فيخبرهم بما أسرّوه وأخفوه وغير ذينك من أعمالهم أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ أي عدّه وأثبته وحفظه ونسيه عاملوه. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي على كل شيء من أعمالهم شاهد عالم به.
[1]الرجز بلا نسبة في الكتاب 1/ 233، وخزانة الأدب 3/ 108 و 4/ 233، والدرر 3/ 98، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي 655، وشرح المفصل 2/ 45، والمحتسب 2/ 295، وهمع الهوامع 1/ 203.
[سورة المجادلة (58) : آية 7]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)
أي ألم تنظر بعين قلبك فتعلم أن الله جلّ وعزّ يعلم ما في السّموات وما في الأرض لا يخفى عليه شيء من صغيرة ولا كبيرة فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ قال مقاتل بن حيان عن الضحاك قال: هو تعالى فوق عرشه وعلمه معهم. وخفض ثلاثة على البدل من «نجوى» ويجوز أن يكون مخفوضا بإضافة نجوى إليه، ويجوز رفعه على موضع نجوى، ويجوز نصبه على الحال من المضمر الذي في نجوى إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ مبتدأ وخبره، وحكى الفراء[1]أن في حرف عبد الله ولا أربعة إلّا هو خامسهم وحكى أبو حاتم أن في حرف عبد الله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا الله رابعهم ولا خمسة إلّا الله سادسهم ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر إلّا الله معهم إذا انتجوا. قال أبو جعفر: وهذه القراءة إن صحّت فإنما هي على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها إلا على ذلك وقرأ يزيد بن القعقاع ما تكون[2]من نجوى ثلاثة وهذه القراءة وإن كانت مخالفة لحجة الجماعة فهي موافقة للسواد جائزة في العربية لأن نجوى مؤنثة باللفظ و «من» فيها زائدة، كما تقول: ما جاءني من رجل، وما جاءتني من امرأة، والتقدير: ولا يكون من نجوى أربعة إلّا هو خامسهم، وحكى هارون عن عمرو عن الحسن أنه قرأ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ[3]إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ عطفه على الموضع ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي ثم ينبئهم بما تناجوا به إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من نجواهم وسرارهم وغير ذلك من أعمالهم وأعمال عباده.
[سورة المجادلة (58) : آية 8]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8)
قال مجاهد: هم قوم من اليهود وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة[4]ينتاجون بالإثم والعدوان ويتناجون أبين لأنهم قد أجمعوا على أن قرءوا
[1]انظر معاني الفراء 3/ 140.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 233. [.....]
[3]انظر معاني الفراء 3/ 140، والبحر المحيط 8/ 233 (قرأ الجمهور «ولا أكثر» عطفا على لفظ المخفوض، والحسن وابن أبي إسحاق والأعمش وأبو حياة وسلام ويعقوب بالرفع عطفا على موضع نجوى) .
[4]انظر البحر المحيط 8/ 234، وتيسير الداني 169.
إذا تناجيتم فلا تتناجوا إلّا شيئا روي عن ابن مسعود أنه قرأ أيضا وينتجون بالإثم والعدوان وعصيان الرسول وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ. قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه. وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ أي هلّا يعاقبنا على ذلك في وقت قولنا حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ مبتدأ وخبره، وحكى النحويون أنه يقال:
حسبك ولا يلفظ له بخبر لأنه قد عرف معناه، وقيل: فيه معنى الأمر لأن معناه اكفف فلما كان الأمر لا يؤتى له بخبر حذف خبر ما هو بمعناه.
[سورة المجادلة (58) : آية 9]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ فيه ثلاثة أجوبة فلا تتناجوا بتاءين، ولا تناجوا بتاء واحدة ولا تناجوا بإدغام التاء في التاء. فمن جاء به بتاءين، قال: هي كلمة مبتدأ بها وهي منفصلة مما قبلها، ومن جاء به بتاء واحدة حذف لاجتماع التاءين مثل تذكرون وتتذكّرون، ومن أدغم قال: اجتمع حرفان مثلان وقبلهما ألف والحرف المدغم قد يأتي بعد الألف مثل دواب وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ أي بما يقربكم من الله جلّ وعزّ وَالتَّقْوى أي باتّقائه بأداء فرائضه واجتناب ما نهى عنه. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي الذي إليه مصيركم ومجمعكم فيجزيكم بأعمالكم.
[سورة المجادلة (58) : آية 10]
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ أصحّ ما قيل فيه قول قتادة قال: كان المنافقون يتناجون بحضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيسوء ذلك المسلمين ويكبر عليهم فأنزل الله جلّ وعزّ: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية ويدلّ على صحّة هذا القول ما قبله وما بعده من القرآن. وقال ابن زيد: كان الرجل يناجي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحاجة ويفعل ذلك ليرى الناس أنه ناجى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيوسوس إبليس للمسلمين فيقول: إنما هذه المناجاة لجموع قد اجتمعت لكم وأمر قد حضر ترادون به فيحزنون لذلك. وفي الآية قول ثالث ذكره محمد بن جرير، قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا يحيى بن واضح قال:
حدّثنا يحيى بن داود البجلي قال: سئل عطية العوفي وأنا أسمع عن الرؤيا فقال: الرؤيا على ثلاثة منازل منها ما يوسوس به الشيطان فذلك قول الله جلّ وعزّ: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ومنها ما يحدث الرجل به نفسه فيراه في منامه ومنها أخذ باليد، ويقرأ لِيَحْزُنَ والأول أفصح. وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال محمد بن جرير: أي بقضاء الله وقدره، وقيل: بِإِذْنِ اللَّهِ بما أذن الله جلّ وعزّ فيه، وهو غمّهم
بالمؤمنين لأنه جلّ ثناؤه قد أذن في ذلك وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي ليكلوا أمرهم إليه ولا تحزنهم النجوى وما يتسارّ به المنافقون إذا كان الله جلّ وعزّ يحفظهم ويحوطهم.
[سورة المجادلة (58) : آية 11]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)
في المجلس[1]وروي عن الحسن وقتادة أنهما قرأ إذا قيل لكم تفاسحوا قال الفراء[2]: مثل تعهدت ضيعتي وتعاهدت، وقال أهل اللغة: تعهّدت أفصح لأنه فعل من واحد، وقال الخليل: لا يقال إلّا تعهّدت لأنه فعل من واحد. وقرأ الحسن وعاصم فِي الْمَجالِسِ وقراءة العامة في المجلس وقال أبو جعفر: واختلف العلماء في معناه فصحّ عن مجاهد أنه قال: هو مجلس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاصة، وصح عن قتادة أنه قال: كان الناس يتنافسون في مجلس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يكاد بعضهم يوسع لبعض فأنزل الله جلّ وعزّ يعني هذا، وروي عن قتادة أنه في مجلس الذكر، وقال الحسن[3]ويزيد بن أبي حبيب: هذا في القتال خاصة. قال أبو جعفر: وظاهر الآية للعموم، فعليه يجب أن يحمل ويكون هذا لمجلس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خاصة وللحرب ولمجالس الذكر ولا نعلم قولا رابعا والمعنى يؤدّي عن معنى مجالس، وأيضا فإن الإنسان إذا خوطب أن يوسع مجلسه ومعه جماعة قد أمروا بما أمر به فقد صارت مجالس. يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ جواب الأمر، وفيه معنى المجازاة ومكان فسيح أي واسع. وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا قراءة أبي جعفر ونافع وشيبة وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وأهل الكوفة انْشُزُوا فَانْشُزُوا[4]وهما لغتان بمعنى واحد، وأبو عبيد يختار الثانية. ولو جاز أن يقع في هذا اختيار لكان الضم أولى لأنه فعل لا يتعدى مثل قعد يقعد لأن الأكثر في كلام العرب فيما لا يتعدى أي يأتي مضموما وفيما يتعدّى أن يأتي مكسورا مثل ضرب يضرب. وأما المعنى فأصح ما قيل فيه أنه النشوز إلى كل خير من أمر بمعروف ونهي عن منكر أو قتال عدو أو تفرّق عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لئلا يلحقه أذى. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ قيل: أي يرفعهم في الثواب والكرامة، وقيل: يرفعهم من الارتفاع أي يرفعهم على غيرهم ممن لا يعلم ليبيّن فضلهم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي يخبره فيجازي عليه.
[1]انظر البحر المحيط 8/ 235، وتيسير الداني 169 (قرأ عاصم «في المجالس» بألف على الجمع والباقون بغير على ألف على التوحيد) .
[2]انظر معاني الفراء 3/ 141.
[3]انظر البحر المحيط 8/ 235.
[4]انظر تيسير الداني 169.
[سورة المجادلة (58) : آية 12]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)
روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا قد آذوا النبي صلّى الله عليه وسلّم بكثرة سرارهم فأراد الله جلّ وعزّ أن يخفّف عنه فأمرهم بهذا فتوقّفوا عن السّرار ثم وسّع عليهم ولم يضيّق. قال مجاهد: لم يعمل أحد بهذه الآية إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه تصدّق بدينار ثم سار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ثم نسخت، وقال رحمة الله عليه: بي خفّف عن هذه الأمة. قال لي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما ترى أيتصدّق من سارّ بدينار قلت: لا، قال: فبدرهم قلت: لا، قال: بكم؟ قلت: بحبة من شعير، فقال: إنك لزهيد»[1]ثم نزل التخفيف فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي لا يكلّف من لا يجد.
[سورة المجادلة (58) : آية 13]
أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13)
أصل الإشفاق في اللغة الحذر والخوف ومن هذا لا يحلّ لأحد أن يصف الله جلّ وعزّ بالاشفاق ولا يقول: يا شفيق. قال مجاهد: أأشفقتم أي أشقّ عليكم فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فإذا تاب عليكم لم يؤاخذهم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أي فافعلوا ما لم يسقط عنكم فرضه وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي فيما أمركم به وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي فيجازيكم عليه.
[سورة المجادلة (58) : آية 14]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي ألم تنظر بعين قلبك فتراهم. ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ الضمير يعود على الذين وهم المنافقون ليسوا من المؤمنين أي من أهل دينهم وملّتهم ولا من الذين غضب الله عليهم وهم اليهود وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يحلفون أنّهم مؤمنون.
[سورة المجادلة (58) : آية 15]
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (15)
ما في موضع رفع أي ساء الشيء الذين يعملونه، وهو غشّهم المؤمنين، ونصحهم الكافرين.
[سورة المجادلة (58) : آية 16]
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16)
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً أي اتخذوا حلفهم للمؤمنين أنّهم منهم حاجزا لدمائهم وأموالهم، وهذا معنى فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لأن سبيل الله جلّ وعزّ في أهل الأوثان أن
[1]أخرجه الترمذي في التفسير 12/ 186.