[سورة غافر (40) : آية 60]
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60)
ادْعُونِي أمر غير معرب ولا مجزوم عند البصريين إلّا أن تكون معه اللام، وعند الفراء مجزوم على حذف اللام «أستجب» مجزوم عند الجماعة لأنه بمعنى جواب الشرط وهذه الهمزة مقطوعة لأنها بمنزلة النون في نفعل، وسقطت ألف الوصل لأنه قد استغني عنها.
[سورة غافر (40) : الآيات 61 الى 63]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (61) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63)
جَعَلَ هاهنا بمعنى خلق والعرب تفرق بين «جعل» إذا كانت بمعنى خلق وبين «جعل» إذا لم تكن بمعنى خلق، فلا تعديها إلّا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عديتها إلى مفعولين نحو قوله جلّ وعزّ: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] وَالنَّهارَ عطف عليه مُبْصِراً على الحال.
[سورة غافر (40) : آية 64]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (64)
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وتروى عن ابن رزين فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ بكسر الصاد وقد بيّن هذا سيبويه[1]، وذكر أن الكسرة مجاورة للضمة لأن العرب تقول: ركبة وركبات ويحذفون الضمة فيقولون: ركبات وكذلك هند وهندات ويحذفون الكسرة فيقولون: هندات، فتجاورت الضمة والكسرة فجمعوا فعلة على فعل رشوة ورشى، فكذا عنده صورة وصور وهذا من أحسن كلام في النحو وأبينه، ونظيره أنهم يقولون[2]: فخذ وفخذ وعضد وعضد، فيحذفون الكسرة والضمة ولا يقولون: في جمل جمل فيحذفون الفتحة لخفتها، ويقولون: سورة وسورة ولا يقولون: في فعلة مفتوحة اللام إلا فعال نحو: جفنة وجفان وفعلة مثل: فعلة يقولون: فيها فعل. ألا ترى إلى تجانس فعلة وفعلة ومباينة فعلة لهما.
[سورة غافر (40) : آية 65]
هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (65)
مُخْلِصِينَ على الحال. لَهُ الدِّينَ بوقوع الفعل عليه، والتقدير: قولوا الحمد لله ربّ العالمين.
[1]انظر الكتاب 3/ 440.
[2]انظر 4/ 228.
[سورة غافر (40) : الآيات 67 الى 70]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)
ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وهذا جمع الكثير، ويقال: شيوخا، وفي العدد القليل أشياخ والأصل: أشيخ مثل فلس وأفلس إلّا أن الحركة في الياء ثقيلة وقد كان فعل يجمع على أفعال وليست فيه ياء تشبيها بفعل، قالوا: زند وأزناد، فلما استثقلت الحركة في الياء شبّهوا فعلا بفعل فقالوا: شيخ أشياخ، وإن اضطرّ شاعر جاز أن يقول: أشيخ مثل: عين أعين إلّا أنه حسن في عين لأنها مؤنثة، والشيخ من جاوز أربعين سنة.
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ قال مجاهد: أي من قبل أن يكون شيخا. قال أبو جعفر:
ولهذا الحذف ضمّت قبل، وقد ذكرنا العلة في اختيارهم الضمّ لها. قال مجاهد:
وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى الموت للكلّ.
[سورة غافر (40) : الآيات 71 الى 74]
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (74)
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ عطف على الأغلال. قال أبو حاتم يُسْحَبُونَ مستأنف على هذه القراءة، وقال غيره: هو في موضع نصب على الحال والتقدير: إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل مسحوبين. وروى أبو الجوزاء[1]عن ابن عباس أنه قرأ وَالسَّلاسِلُ[2]بالنصب يُسْحَبُونَ والتقدير في قراءته: ويسحبون السلاسل. قال أبو إسحاق: من قرأ وَالسَّلاسِلُ[3]بالخفض فالمعنى عنده وفي السلاسل يسحبون وفي الحميم والسلاسل. وهذا في كتاب أبي إسحاق «في القرآن» كذا، والذي يبين لي أنه غلط لأن البيّن أنه يقدّره يسحبون في الحميم والسلاسل تكون السلاسل معطوفة على الحميم، وهذا خطأ لا نعلم أحدا يجيز: مررت وزيد بعمرو، وكذا المخفوض كلّه وإنما أجازوا ذلك في المرفوع أجازوا: قام وزيد عمرو، وهو بعيد في المنصوب نحو:
رأيت وزيدا عمرا، وفي المخفوض لا يجوز لأن الفعل غير دال عليه.
[سورة غافر (40) : آية 75]
ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)
أي ذلكم العذاب بما كنتم تفرحون بالمعاصي. وفي بعض الحديث لو لم يعذّب الله جلّ وعزّ إلّا على فرحنا بالمعاصي واستقامتها لنا. فهذا تأويل، وقيل: إن فرحهم
[1]أبو الجوزاء: أوس بن عبد الله الربعي البصري، أخذ عن عائشة وابن عباس (ت 83 هـ) . ترجمته في (خلاصته تذهيب الكمال 35) .
[2]انظر البحر المحيط 7/ 454.
[3]انظر البحر المحيط 7/ 454.
بما عندهم أنهم قالوا للرسل عليهم السلام: نحن نعلم أنا لا نبعث ولا نعذّب. وكذا قال مجاهد في قوله جلّ وعزّ: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي بما كنتم تأشرون وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي تبطرون.
[سورة غافر (40) : آية 76]
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)
فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ في موضع رفع أي قبحت مثوى المتكبرين.
[سورة غافر (40) : الآيات 77 الى 78]
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ في موضع جزم بالشرط و «ما» زائدة للتوكيد وكذا النون وزال الجزم وبني الفعل على الفتح لأنه بمنزلة الشيئين الذي يضمّ أحدهما، إلى الآخر أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ عطف عليه. فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ الجواب مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ «من» في موضع رفع بالابتداء، وكذا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ.
[سورة غافر (40) : الآيات 79 الى 80]
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ قال أبو إسحاق: الأنعام هاهنا الإبل. لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ فاحتجّ من منع أكل الخيل وأباح أكل الجمال بأنّ الله تعالى قال في الأنعام وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وقال في الخيل والبغال والحمير. وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها [النحل: 8] ولم يذكر إباحة أكلها.
[سورة غافر (40) : آية 81]
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)
َيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ
نصبت أيّا بتنكرون لأن الاستفهام يعمل فيه ما بعده، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار الرفع في أيّ، ولو كان الاستفهام بالألف أو بهل وكان بعدها اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب.
[سورة غافر (40) : آية 82]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82)
كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ خبر كان ولم ينصرف لأنه على أفعل وزعم الكوفيون أن كل ما لا ينصرف يجوز أن ينصرف إلّا أفعل من كذا لا يجوز صرفه بوجه في شعر ولا غيره إذا كانت معه «من» . قال أبو العباس: ولو كانت «من» المانعة لصرفه لوجب أن لا
تقول: مررت بخير منك وشر من عمرو، وكيف يجوز صرف ما لا ينصرف وفيه العلل المانعة من الصرف، وإذا كان ينصرف فما معنى قولنا لا ينصرف لعلة كذا.
[سورة غافر (40) : آية 83]
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83)
في معناه ثلاثة أقوال: قول مجاهد: إنّ الكفار الذين فرحوا بما عندهم من العلم، وقالوا: نحن أعلم منهم لن نعذّب ولن نبعث وقيل: فرح الكفار بما عندهم من علم الدنيا نحو يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: 7] . وقيل: الذين فرحوا الرّسل لمّا كذبهم قومهم أعلمهم الله جلّ وعزّ أنه مهلك الكافرين ومنجيهم والمؤمنين ففرحوا بما عندهم من العلم بنجاء المؤمنين، وحاق بالكفار ما كانوا يستهزئون أي عقاب استهزائهم بما جاءت به الرسل.
[سورة غافر (40) : الآيات 84 الى 85]
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85)
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ سُنَّتَ اللَّهِ مصدر أي سنّ الله عزّ وجلّ في الكافرين أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب. وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ قال أبو إسحاق: وقد كانوا خاسرين قبل ذلك إلا أنه تبين لهم الخسران لمّا رأوا العذاب.
41 شرح إعراب سورة السجدة (فصّلت)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم[1]تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ[2]كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[3]
قال أبو إسحاق: تَنْزِيلٌ رفع بالابتداء وخبره كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قال: وهذا قول البصريين. قال الفراء[1]يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا قُرْآناً عَرَبِيًّا قال الكسائي والفراء[2]: يكون منصوبا بالفعل أي فصّلت كذلك قال: ويجوز أن يكون منصوبا على القطع. وقال أبو إسحاق يكون منصوبا على الحال أي فصّلت آياته في حال جمعه. وقول أخر: يكون منصوبا على المدح أي أعني قرانا عربيا.
[سورة فصلت (41) : آية 4]
بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4)
بَشِيراً وَنَذِيراً قال الكسائي والفراء[3]: ويجوز قرآن عربي بالرفع يجعلانه نعتا لكتاب، قالا مثل وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [الأنعام: 92، 155] وقال غيرهما: دلّ قوله جلّ وعزّ: قُرْآناً عَرَبِيًّا على أنه لا يجوز أن يقال فيه شيء بالسريانية والنبطية، ودل أيضا على أنه يجب أن يطلب معانيه وغريبه من لغة العرب وكلامها، ودلّ أيضا على بطلان قول من زعم أن ثمّ معنيين معنى ظاهرا ومعنى باطنا لا يعرفه العرب في كلامها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فدلّ بهذا على أنه إنما يخاطب العقلاء البالغين، وإن من أشكل عليه شيء من القرآن فيجب أن يسأل من يعلم. فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ في معناه قولان: أحدهما لا يقبلون وكلّهم كذا إلّا من آمن والآخر يجتنبون سماع القرآن.
[سورة فصلت (41) : آية 5]
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (5)
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ جمع كنان أي عليها حاجز لا يصل إليها ما يقوله، وكذا
[1]انظر معاني الفراء 3/ 11.
[2]انظر معاني الفراء 3/ 12.
[3]انظر البحر المحيط 7/ 465.
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ أي صمم والوقر الحمل. وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ قال أبو إسحاق: أي حاجز لا يجامعك على شيء مما تقوله فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ على الأصل، ومن قال: إنّا حذف النون تخفيفا.
[سورة فصلت (41) : آية 6]
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)
يُوحى إِلَيَّ أَنَّما في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسمّ فاعله.
[سورة فصلت (41) : آية 7]
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (7)
الَّذِينَ في موضع خفض نعت «للمشركين» . لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ في معناه أقوال: فمن أصحّ ما روي فيه وأحسنه استقامة إسناد ما رواه عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: التوحيد لله جلّ وعزّ. وروى الحكم بن أبان عن عكرمة لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال لا يقولون لا إله إلا الله. وقال الربيع بن أنس: لا يزكّون أعمالهم فينتفعون بها.
وروى إسماعيل بن مسلم عن الحسن الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ. قال: عظم الله جلّ وعزّ شأن الزكاة فذكرها فالمسلمون يزكون والكفار لا يزكون والمسلمون يصلّون والكفار لا يصلّون.
[سورة فصلت (41) : آية 8]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)
قال محمد بن يزيد: في معناه قولان يكون غَيْرُ مَمْنُونٍ غير مقطوع من قولهم مننت الحبل أي قطعته، وقد منّه السفر، أي قطعه ويكون معناه لا يمنّ عليهم.
[سورة فصلت (41) : آية 9]
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (9)
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ قال عبد الله بن سلام وكعب: هما يوم الأحد ويوم الاثنين. وقال مجاهد: كلّ يوم بألف سنة مما تعدون. وقال غيره: لو أراد عزّ وجلّ أن يخلقها في وقت واحد لفعل، ولكنه أراد ما فيه الصلاح ليتبين ملائكته أثر صنعته شيئا بعد شيء فيزداد في بصائرها. الأصل: أإنّكم، فإن خفّفت الهمزة الثانية جعلتها بين بين، وكتابه بألفين لا غير لأن الهمزة الثانية مبتدأة، والمبتدأة لا تكون إلا ألفا، ودخلت عليها ألف الاستفهام. فقولك أإنّكم كقولك هل إنّكم وأم إنّكم لا تكتب إلّا بألف.
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً قال الضحاك: تتّخذون معه أربابا والهة. قال أبو جعفر: واحد الأنداد ندّ وهو المثل أي تجعلون له أمثالا لاستحقاق. ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ أي ذلك الذي خلق الأرض في يومين والذي جعلتم له أندادا ربّ العالمين. قال الضحاك: العالمون
الجنّ والإنس والملائكة، وهذا من أحسن ما قيل في معناه لأن سبيل ما يجمع بالواو والنون والياء والنون أن يكون لما يعقل فهذا للملائكة والإنس والجن.
[سورة فصلت (41) : آية 10]
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (10)
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها قال كعب: مادت الأرض فخلق الله فيها الجبال يوم الثلاثاء، وخلق الرياح والماء الملح، وخلق من الملح العذب، وخلق الوحش والطير والهوام وغير ذلك يوم الأربعاء. قال أبو جعفر: واحد الرواسي راسية، ويقال: واحد الرواسي راس. وقيل للجبال: رواس لثباتها على الأرض. وَبارَكَ فِيها أي زاد فيها من صنوف ما خلق من الأرزاق وثبتها فيها والبركة: الخير الثابت وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال عكرمة: جعل في كلّ بلد ما يقوم به معيشة أهله فالسابري بسابور، والهروي بهراة، والقراطيس بمصر. فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قال محمد بن يزيد: أي ذا وذاك في أربعة أيام. وقال أبو إسحاق: أي في تمام أربعة أيام. سَواءً مصدر عند سيبويه أي استوت استواء. قال سيبويه: وقد قرئ سَواءً لِلسَّائِلِينَ جعل سواء في موضع مستويات، كما تقول: في أربعة أيام تمام أي تامة، ومثله: رجل عدل أي عادل وسواء من نعت أيام، وإن شئت من نعت أربعة. والقراءة بالخفض مرويّة عن الحسن، وبالرفع عن أبي جعفر أي هي سواء. لِلسَّائِلِينَ فيه قولان: قال الضحاك: أي لمن سأل عن خلق هذا في كم كان هذا؟ والقول الآخر وقدّر فيها أقواتها للسائلين أي لجميع الخلق لأنّهم يسألون القوت.
[سورة فصلت (41) : آية 11]
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11)
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ قالوا: في يوم الخميس فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً وعن سعيد بن جبير أنه قرأ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي أعطيا الطاعة. وقرأ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[1]ولم يقل: طائعات ففي هذا ثلاثة أجوبة للكسائي قال: يكون أتينا بمن فينا طائعين يكون لما خبّر عنهن بالإتيان أجرى عليهن ما يجري على من يعقل من الذكور، والجواب الثالث أنه رأس آية.
[سورة فصلت (41) : آية 12]
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ على قول من أنّث السماء، ومن ذكّر قال: سبعة سموات فأما قول بعض أهل اللغة أنه ما جمع بالتاء فهو بغير هاء، وإن كان الواحد
[1]انظر البحر المحيط 7/ 466، ومختصر ابن خالويه 133.
مذكرا، وحكى أخذت منه أربع سجلّات، بغير هاء فخطأ لا يعرفه أهل الإتقان من أهل العربية وقد حكوا: هذه أربعة حمّامات لأن الواحد حمّام مذكر، هكذا قال الأخفش سعيد وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قيل: أمرها ملائكتها، وقيل: ما صنع فيها وعن حذيفة ما يدلّ على الجوابين، قال: وأوحى في كل سماء أمرها قال للسماء الدنيا:
كوني زمردة خضراء، وجعل فيها ملائكة يسبّحون. وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً قال الأخفش: أي وحفظناها حفظا.
[سورة فصلت (41) : آية 13]
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13)
وقرأ أبو عبد الرحمن والنخعي صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ ولم تأتهم الصاعقة لأنهم لم يعرضوا كلهم وأعرضوا للكل، وكل من خوطب بهذا أسلم إلّا من قتل منهم.
وقراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على عتبة بن الوليد كما قرئ على أحمد بن الحجاج عن يحيى بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأجلح بن عبد الله عن الذيّال بن حرملة عن جابر بن عبد الله قال: قال أبو جهل يوما، والملأ من قريش: إنه قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فأتاه فكلّمه ثم أتانا ببيان من أمره فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى عليّ إن كان كذلك فأتاه عتبة فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه، فقال له عتبة: يا محمّد أأنت خير أم هاشم؟ أأنت خير أم عبد المطلب؟ أأنت خير أم عبد الله؟ لم يأتوا بمثل ما أتيت به فبم تشتم الهتنا وتضلّل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا لك اللواء بيننا بالرئاسة فكنت ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوّجناك عشر نسوة تختار هن من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ساكت لا يتكلّم فلما فرغ عتبة من كلامه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بسم الله الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصّلت آياته قرانا عربيا» ثمّ قرأ إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكفّ ثم رجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فاحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلّا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلّا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه فأتوا عتبة فخرج إليهم فقال له أبو جهل والله يا عتبة ما نظنّك إلّا قد صبأت إلى محمد وأعجبك أمره، وما نرى ذلك إلّا من حاجة أصابتك فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم ألّا يكلّم محمدا أبدا، وقال لهم: لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكنّي أتيته فقصّ عليهم ما قال له: وما قال لرسول الله، ثم قال: جاءني والله بشيء ما هو بسحر ولا كهانة قرأ علي «بسم الله الرّحمن الرّحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصّلت آياته قرانا عربيا» إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ