بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 64

فيه: أتركبون، لم ينتقض المعنى صار بمنزلة «ولا سابق شيئا»[1]وأما يونس فقال:
أرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون، وعلى هذا الوجه فسر الرفع في الآية كأنه قال: أو هو يرسل رسولا، كما قال طرفة: [الطويل] 407-
أو أنا مفتدى
[2]وقول يونس أسهل.

[سورة الشورى (42) : آية 52]
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا الكاف في موضع نصب أي: أوحينا إليك وحيا كذلك الذي قصصنا عليك ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ «ما» في موضع رفع بالابتداء و «الكتاب» خبره والجملة في موضع نصب بتدري. ويجوز في الكلام أن تنصب الكتاب وتجعل «ما» زائدة كما روي: هذا «باب علم ما الكلم من العربية»[3]فنصب «الكلم» وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً ولم يقل: جعلناهما فيكون الضمير للكتاب أو للتنزيل أو الإيمان. وأولاهما أن يكون للكتاب ويعطف الإيمان عليه ويكون بغير حذف وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال الضحاك: الصراط الطريق والهدى. ويقرأ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي[4]وفي حرف أبيّ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[5].

[سورة الشورى (42) : آية 53]
صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
صِراطِ اللَّهِ على البدل. قال أبو إسحاق: ويجوز الرفع والنصب. أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ وهي أبدا إليه تعالى. قال الأخفش: يتولّى الله الأمور يوم القيامة دون خلقه، وقد كان بعضها إلى خلقه في الدنيا من الفقهاء والسلاطين وغيرهم.
[1]يشير إلى قول زهير:
تبيّنت أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيا إذا كان جاثيا
[2]الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه 36، والكتاب 3/ 54، وشرح أبيات سيبويه 2/ 48:
«ولكن مولاي امرؤ هو خالقي ... على الشكر والتساؤل أو أنا مفتدى»
[3]انظر الكتاب 1/ 40.
[4]انظر البحر المحيط 7/ 505، ومختصر ابن خالويه 134.
[5]انظر البحر المحيط 7/ 505، ومختصر ابن خالويه 134.


صفحه 65

43 شرح إعراب سورة الزخرف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم[1]وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)
الْكِتابِ مخفوض بواو القسم، وهي بدل من الباء لقربها منها ولشبهها بها الْمُبِينِ نعت. وجواب القسم إِنَّا جَعَلْناهُ الهاء التي في جعلناه مفعول أول وقرآنا مفعول ثان فهذه جعلنا التي تتعدى إلى مفعولين بمعنى صيّرنا وليست وجعلنا التي بمعنى خلقنا لأن تلك لا تتعدى إلّا إلى مفعول واحد، نحو قوله جلّ وعزّ: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: 1] وفرقت العرب بينهما بما ذكرنا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تعقلون أمر الله جلّ وعزّ ونهيه إذ أنزل القرآن بلسانكم.

[سورة الزخرف (43) : آية 4]
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ أي القرآن في اللوح المحفوظ. لَعَلِيٌّ أي عال رفيع.
وقيل: علي أي قاهر معجز لا يؤتى بمثله حَكِيمٌ محكم في أحكامه ورصفه.

[سورة الزخرف (43) : آية 5]
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5)
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً قال الفرّاء[1]يقال: أضربت عنك وضربت عنك أي أعرضت عنك وتركتك. وفي نصب صفح أقوال منها أن يكون معنى أَفَنَضْرِبُ أفنصفح، كما يقال: هو يدعه تركا لأن معنى يدعه يتركه، ويجوز أن يكون صفحا بمعنى صافحين، كما تقول: جاء زيد مشيا أي ماشيا، ويجوز أن يكون صفحا بمعنى ذوي صفح، كما يقال: رجل عدل أي عادل وكذا رضى. وهذا جواب حسن واختلف العلماء في معنى الذِّكْرَ هاهنا فروى جويبر عن الضحّاك أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ، قال: القرآن. وقال أبو صالح: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ فقال: أفنذر عنكم الذكر
[1]انظر معاني الفراء 2/ 28.


صفحه 66

فنجعلكم سدى كما كنتم. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال، وإن كانت مختلفة الألفاظ فإنّ معانيها متقاربة فمن قال: الذّكر العذاب قدّره بمعنى ذكر العذاب وذكر العذاب إذا أنزل قرآن. ومن قال: معناه أفنذر عنكم الذّكر فنجعلكم سدى قدّره أفنترك أن ينزل عليكم الذكر الذي فيه الأمر والنهي فنجعلكم مهملين، قال أبو جعفر: وهذا قول حسن صحيح بيّن أي أفنهملكم فلا نأمركم ولا ننهاكم ولا نعاقبكم على كفركم بعد أن ظهرت لكم البراهين لأن كنتم قوما مسرفين. وهذا على قراءة من فتح «أن»[1]وهي قراءة الحسن وأبي عمرو وابن كثير وعاصم، وسائر القراء على كسر «إن» أي متى أسرفتم فعلنا بكم هذا.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 6 الى 7]
وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7)
كَمْ في موضع نصب وهي عقيبة ربّ في الخبر، فمن العرب من يحذف «من» وينصب، ومنهم من يخفض وإن حذف «من» كما قال: [السريع] 408
- كم بجود مقرف نال العلى ... وكريم بخله قد وضعه
[2]وأفصح اللّغات إذا فصلت أن تأتي بمن، وهي اللغة الّتي جاء بها القرآن، وكذا كلّ ما جاء به القرآن وربما وقع الغلط من بعض أهل اللغة فيما يذكرون من فصيح الكلام.
فأما المحققون فلا يفعلون ذلك فمما ذكر بعضهم في الفصيح من الكلام من زعم أنه يقال: أضربت عن الشّيء بالألف، وزعم أنها اللغة الفصيحة. سمعت علي بن سليمان يقول: هذا غلط والفصيح. ضربت عن الشيء، لأن إجماع الحجة في قراءة الفرّاء أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً بفتح النون، وذكر بعضهم أنّ الفصيح: عظّم الله أجرك، وإجماع الحجّة في قراءة القراء وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق: 2] في حروف كثيرة.

[سورة الزخرف (43) : آية 8]
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً منصوب على البيان. وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ قال قتادة:
أي عقوبة يجوز أن تكون «مثل» هاهنا بمعنى صفة أي صفتهم بأنهم أهلكوا لمّا كذّبوا، ويجوز أن يكون مثل على بابه.

[سورة الزخرف (43) : آية 10]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً[3]«الذي» في موضع رفع على النعت للعزيز أو على إضمار مبتدأ لأنه أول آية.
[1]انظر تيسير الداني 158. [.....]
[2]مرّ الشاهد رقم 45.
[3]انظر تيسير الداني 151.


صفحه 67

[سورة الزخرف (43) : آية 11]
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (11)
الكاف في موضع نصب أي تخرجون خروجا مثل ذلك. وبيّن معنى هذا عبد الله بن مسعود، وهو مما لا يؤخذ به إلا بالتوقيف، قال: يرسل الله جلّ وعزّ ماء مثل منيّ الرجال وليس شيء خلق من الأرض إلّا وقد بقي منه شيء فتنبت بذلك الجسمان واللحوم تنبت من الثرى والمطر ثم تلا عبد الله وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ.

[سورة الزخرف (43) : آية 12]
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12)
وَالَّذِي في موضع رفع على العطف. خَلَقَ الْأَزْواجَ جمع زوج جمع على أفعال. وسبيل فعل من غير هذا الجنس أن يجمع على أفعل فكرهوا أن يقولوا: أزوج لأن الحركة في الواو ثقيلة فحوّل إلى جمع فعل لأنّ عدد الحروف واحد فشبّهوا فعلا بفعل كما شبّهوا فعلا بفعل فقالوا: زمن وأزمن كُلَّها توكيد ويسميه بعض النحويين صفة. وباب كلّها الجمع الكثير، والجمع القليل كلهن. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالضمير محذوف لطول الموسم ولو ظهر الضمير لجاز مما تركبونه على لفظ «ما» ومما تركبونها على تأنيث الجماعة، وإن جعلت «ما» مصدرا لم تحتج إلى حذف.

[سورة الزخرف (43) : آية 13]
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)
لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ قال الفرّاء[1]: ولم يقل ظهورها لأنه بمعنى: كثر الدرهم أي هو بمعنى الجنس. قال أبو جعفر: وأولى من هذا أن يكون يعود على لفظ «ما» لأن لفظها مذكر موحد، وكذا ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ جاء على التذكير.

[سورة الزخرف (43) : آية 14]
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14)
معطوف على ما قبله من القول.

[سورة الزخرف (43) : آية 15]
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15)
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً ذكر معناه في ثلاثة أقوال روى ابن أبي نجيح عن
[1]انظر معاني الفراء 3/ 28.


صفحه 68

مجاهد «جزءا» قال: ولدا وبنات وقال عطاء: يعني نصيبا شركا. وقال زيد بن أسلم:
إنّها الأصنام، فهذان قولان. وذكر أبو إسحاق قولا ثالثا وهو أن جزءا للبنات خاصة وأنشد بيتا في ذلك أنشده زعم وهو: [البسيط] 409-
إن أجزأت حرّة يوما فلا عجب ... قد تجزئ الحرّة المذكار أحيانا
[1]أي تلد إناثا. قال أبو جعفر: الذي عليه جماع الحجّة من أهل التفسير واللغة أنّ الجزء النصيب وهذا مذهب عطاء الذي ذكرناه ومجاهد والربيع بن أنس والضحّاك وهو معنى قول ابن عباس، وقال محمد بن يزيد: الجزء النصيب. وقول زيد بن أسلم جماع الحجّة على غيره أيضا، والرواية تدل على خلافه ونسق الكلام لأن بعده وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً وقيل: هذا أيضا يلي ذاك.

[سورة الزخرف (43) : آية 16]
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ فهذا يدلّ على أنّ هذا ليس للأصنام.

[سورة الزخرف (43) : آية 17]
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17)
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا اسم ظلّ وخبرها، ويجوز في الكلام ظلّ وجهه مسودّ على أن يكون في ظلّ ضمير مرفوع يعود على أحد، ووجهه مرفوع بالابتداء ومسودّ خبره والمبتدأ وخبره خبر الأول، ومثله مما حكاه سيبويه «كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه أو ينصّرانه»[2]وحكى سيبويه الرفع في اللّذين والنصب.

[سورة الزخرف (43) : آية 18]
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)
أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ[3]قال أبو إسحاق: «من» في موضع نصب والمعنى أو جعلتم من ينشأ، وقال الفرّاء[4]: «من» في موضع رفع على الاستئناف، وأجاز النصب، قال: واذن رددته على أول الكلام على قوله جلّ وعزّ: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا واختلف القراء في قراءة هذا الحرف فقرأ ابن عباس والكوفيون غير عاصم أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو وعاصم أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا واحتجّ أبو عبيد للقراءة الأولى بقوله جلّ وعزّ: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً [الواقعة: 35]
[1]الشاهد بلا نسبة في لسان العرب (جزأ) وتهذيب اللغة 11/ 145، وتاج العروس (جزأ) والبحر المحيط 8/ 10، وغريب القرآن 396، وروح المعاني 25/ 69، والكشاف 4/ 241.
[2]مرّ تخريج الحديث في إعراب الآية 58- النحل.
[3]انظر تيسير الداني 158، ينشّأ: قراءة حفص وحمزة والكسائي، والباقون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين.
[4]انظر معاني الفراء 3/ 29.


صفحه 69

قال أبو جعفر: وهما قراءتان مشهورتان قد روتهما الجماعة، وليس فيما جاء به حجّة لأنّا نعلم أنّه لا ينشأ حتّى ولو لزم ما قال لما قيل: مات فلان لقوله جلّ وعزّ: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة: 28، والحج: 66، والروم: 40] فكان يجب أن يقال: أميت وكذا حيي، والفرق على خلاف ما قال عند النحويين وذلك أنّ معنى ينشّأ لمرّة بعد مرّة على التكثير.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 19 الى 21]
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (19) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً مفعولان أي وصفوا أنه هكذا، وحكموا أنه كذا. واختلف في قراءة هذا أيضا فقرأ عبد الله بن عباس والكوفيون وأبو عمرو عِبادُ الرَّحْمنِ[1]وقرأ أهل الحرمين والحسن وأبو رجاء عند الرحمن[2]واحتجّ أبو عبيد لقراءة من قرأ عِبادُ الرَّحْمنِ بأن الإسناد فيها أعلى وأنها ردّ لقولهم:
الملائكة بنات الله فقال: ليسوا بنات هم عباد. قال أبو جعفر: وهما قراءتان مشهورتان معروفتان إلّا أن أولاهما «عند» من غير جهة والذي احتجّ به أبو عبيد لا يلزم لأنه احتجّ بأن الإسناد في القراءة بعباد أعلى. ولعمري أنّها صحيحة عن ابن عباس ولكن إذا تدبرت ما في الحديث رأيت الحديث نفسه قد أوجب أن يقرأ (عند) لأن سعيد بن جبير احتجّ على ابن عباس بالمصحف، فقال: في مصحفي «عند» . وهذه حجّة قاطعة لأن جماع الحجّة من كتب المصاحف مما نقلته الجماعة على أنه «عند» . ولو كان «عباد» لوجب أن يكتب بالألف، كما كتب بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: 26] . واحتجاجه بأنه ردّ لقولهم بنات لا يلزم لأن عبادا إنما هو نفي لمن قال: ولد لأنه يقع للمذكّر والمؤنّث. والأشبه بنسق الآية قراءة من قرأ (عند) لأن المعنى فيه وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن أي لم يروهم إناثا فكيف قالوا هذا وهم عند الرحمن وليسوا عندهم؟ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ[3]قراءة نافع وأما سائر القراء فيما علمنا فإنهم قرءوا أشهدوا وهما قراءتان حسنتان قد نقلتهما الجماعة. والمعنى فيهما متقارب لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا، وقوله جلّ وعزّ: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ [الصافات: 150] يدلّ على قراءة من قرأ أشهدوا والأخرى جائزة حسنة قال جلّ وعزّ ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الكهف: 51] .
[1]انظر تيسير الداني 159، وكتاب السبعة لابن مجاهد 585.
[2]انظر تيسير الداني 159، وكتاب السبعة لابن مجاهد 585.
[3]انظر البحر المحيط 8/ 11.


صفحه 70

[سورة الزخرف (43) : الآيات 22 الى 26]
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ هذه القراءة التي عليها اجتماع الحجّة واللغة المعروفة. والأمّة: الدّين، ومنه كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [البقرة: 213] أي على دين واحد. وقراءة مجاهد وعمر بن عبد العزيز رحمه الله عَلى أُمَّةٍ[1]بكسر الهمزة.
وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ والأصل إننا حذفت النون تخفيفا ومُهْتَدُونَ خبر «إنّ» ويجوز النصب في غير القرآن على الحال، وكذا مُقْتَدُونَ وروى معمر عن قتادة إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها قال: رؤوسهم وأشرافهم. وقرأ يزيد بن القعقاع قل اولو جئناكم[2]واستبعد أبو عبيد هذه القراءة، واحتجّ بأن قبله «قل» ولم يقل: قلنا والحجّة لهذه القراءة أنّ قبله إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فخاطبهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بجئنا لهم عنه وعن الرسل عليهم السلام فقال: أو لو جئناكم. بَراءٌ القراءة التي عليها حجّة الجماعة والسواد، وعن ابن مسعود أنه قرأ إِنَّنِي بَرِيءٌ إلّا أن الفرّاء[3]قال: إنّ مثل هذا يكتب بالألف، وأجاز في كل همزة أن تكتب ألفا. قال أبو جعفر: هذا شاذّ بعيد يلزم قائله أن يكتب يستهزئ بالألف، وهذا فيه من الأشكال ومخالفة الجماعة أغلظ وأقبح من قرأ برآء قال: في الاثنين والجميع أيضا برآء، والتقدير: إنّني ذو برآء مثل لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة: 177] ومن قال: بريء قال في جمعه برءاء أو برآء على وزن كرماء وكرام. وحكى الكوفيون جمعا ثالثا انفردوا به حكوا: برآء على وزن براع وزعموا أنه محذوف من برءاء.

[سورة الزخرف (43) : آية 27]
إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي في موضع نصب على الاستثناء من قول «ما تعبدون» ويجوز أن يكون استثناء منقطعا.

[سورة الزخرف (43) : آية 28]
وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)
وَجَعَلَها الهاء والألف كناية عن قوله: «إنّني برآء» وما بعده أي وجعل تبرّؤه من كلّ ما يعبدون من دون الله جلّ وعزّ وإخلاصه التوحيد لله عزّ وجلّ.
كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ والفاعل المضمر في «جعلها» يجوز أن يكون عائدا على قوله: الَّذِي فَطَرَنِي أي وجعلها الله تعالى كلمة باقية في عقبه وأهل التفسير على هذا
[1]انظر البحر المحيط 8/ 12.
[2]انظر تيسير الداني 159.
[3]انظر معاني الفراء 3/ 30.


صفحه 71

أنّه لا يزال من ولد إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم موحدون. وقيل: الضمير عائد على إبراهيم أي وجعلها كلمة باقية في عقبه أي عرفهم التوحيد والتبرّؤ من كل معبود دون الله جلّ وعزّ فتوارثوه فصار كلمة باقية في عقبه ويقال: «في عقبه» بحذف الكسرة لأنها ثقيلة.

[سورة الزخرف (43) : آية 31]
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ على عطف البيان الذي يقوم مقام النعت لهذا، هذا قول سيبويه. وغيره يقول: نعت عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ نعت لرجل وليس الرجل يكون من القريتين، ولكن حقيقته في العربية على رجل من رجلي القريتين ثم حذف مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] . فأما قوله جلّ وعزّ: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ فمعناه لم أهلكهم كما أهلك غيرهم من الكفار.

[سورة الزخرف (43) : آية 32]
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ «هم» رفع على إضمار فعل لأن الاستفهام عن الفعل، ويجوز أن يكون موضعه مرفوعا بالابتداء. نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي فكذلك فضلنا بعضهم على بعض بالاصطفاء والاختيار. ودَرَجاتٍ في موضع نصب مفعول ثان حذف منه «إلى» ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أي فضّلنا بعضهم على بعض في الرزق ليسخّر بعضهم لبعض. وكلّ من عمل لرجل عملا فقد سخّر له بأجرة كان أو بغير أجرة. وعن ابن عباس والضّحاك لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا[1]قال: العبيد، قال الفرّاء[2]: يقال سخريّ وسخريّ بمعنى واحد هاهنا وفي قَدْ أَفْلَحَ [المؤمنون: 1] وفي «صاد»[3]. قال أبو جعفر:
والأمر كما قال الفرّاء عند جميع أهل اللغة إلّا شيئا ذكره أبو عمرو.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 33 الى 34]
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34)
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال الفرّاء: «أن» في موضع رفع، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ «بيوتهم» فيه غير قول، منه أن المعنى أي على بيوتهم، وقيل: إنه بدل بإعادة الحرف مثل: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75] . قال أبو جعفر: وهذا القول أولى
[1]انظر البحر المحيط 8/ 14. [.....]
[2]انظر معاني الفراء 3/ 31.
[3]الآية 63.