بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 71

أنّه لا يزال من ولد إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم موحدون. وقيل: الضمير عائد على إبراهيم أي وجعلها كلمة باقية في عقبه أي عرفهم التوحيد والتبرّؤ من كل معبود دون الله جلّ وعزّ فتوارثوه فصار كلمة باقية في عقبه ويقال: «في عقبه» بحذف الكسرة لأنها ثقيلة.

[سورة الزخرف (43) : آية 31]
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ على عطف البيان الذي يقوم مقام النعت لهذا، هذا قول سيبويه. وغيره يقول: نعت عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ نعت لرجل وليس الرجل يكون من القريتين، ولكن حقيقته في العربية على رجل من رجلي القريتين ثم حذف مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] . فأما قوله جلّ وعزّ: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ فمعناه لم أهلكهم كما أهلك غيرهم من الكفار.

[سورة الزخرف (43) : آية 32]
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ «هم» رفع على إضمار فعل لأن الاستفهام عن الفعل، ويجوز أن يكون موضعه مرفوعا بالابتداء. نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي فكذلك فضلنا بعضهم على بعض بالاصطفاء والاختيار. ودَرَجاتٍ في موضع نصب مفعول ثان حذف منه «إلى» ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا أي فضّلنا بعضهم على بعض في الرزق ليسخّر بعضهم لبعض. وكلّ من عمل لرجل عملا فقد سخّر له بأجرة كان أو بغير أجرة. وعن ابن عباس والضّحاك لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا[1]قال: العبيد، قال الفرّاء[2]: يقال سخريّ وسخريّ بمعنى واحد هاهنا وفي قَدْ أَفْلَحَ [المؤمنون: 1] وفي «صاد»[3]. قال أبو جعفر:
والأمر كما قال الفرّاء عند جميع أهل اللغة إلّا شيئا ذكره أبو عمرو.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 33 الى 34]
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34)
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال الفرّاء: «أن» في موضع رفع، لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ «بيوتهم» فيه غير قول، منه أن المعنى أي على بيوتهم، وقيل: إنه بدل بإعادة الحرف مثل: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75] . قال أبو جعفر: وهذا القول أولى
[1]انظر البحر المحيط 8/ 14. [.....]
[2]انظر معاني الفراء 3/ 31.
[3]الآية 63.


صفحه 72

بالصواب لأن الحروف لا تنقل عن بابها إلّا بحجة يجب التسليم لها وسقف[1]على الجمع قراءة الحسن ومجاهد وأبي رجاء الأعرج وشيبة ونافع وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي، وأما قراءة أبي عمرو وأبي جعفر وابن كثير وشبل وحميد فسقف[2]على التوحيد. قال أبو جعفر: سقف فيما ذكر أبو عبيد جمع سقف مثل: رهن ورهن، ورأيت علي بن سليمان ينكر هذا لأنه ليس بجمع فعل مطرد. قال: ورهن جمع رهان مثل حمار وحمر، ورهان جمع رهن مثل عبد وعباد، وكذا «سقفا» . وحكى الفرّاء: أن سقفا جمع سقيفة فأما قراءة من قرأ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ فتأوّلها إسماعيل بن إسحاق على أنّ «من» لواحد، قال: والمعنى: لجعلنا لكل من كفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة إلا أنه استبعد هذه القراءة، وحكي أنّ هذا متناول بعيد، واستدلّ على أن القراءة بالجمع أولى لأن بعده ومعارج وسررا وأبوابا فكذا سقف بالجمع أولى. قال أبو جعفر: الذي تأوله بعيد وأولى منه أن يكون سقف بمعنى سقف كما قال جلّ وعزّ:
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: 5] وكما قال الشاعر: [الوافر] 410-
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإنّ زمانكم زمن خميص
[3]والأحاديث تدلّ على أن القراءة سقف، وكذا نسق الكلام كما حدّثنا بكر بن سهل قال: حدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله جلّ وعزّ: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الآية والتي بعدها قال:
يقول سبحانه لولا أن جعل الناس كلّهم كفارا لجعلت للكفار لبيوتهم سقفا من فضّة ومعارج عليها من فضة وزخرفا قال: ذهبا، قال سعيد بن جبير والشعبي: لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً أي جذوعا فهذا كلّه يدل على الجمع.

[سورة الزخرف (43) : آية 35]
وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)
وَزُخْرُفاً معطوف على سقف. وزعم الفرّاء: أنه يجوز أن يكون معناه سقفا من فضة ومن زخرف ثم حذفت من فنصب. والقول الأول أولى بالصواب. وزعم ابن زيد أن الزخرف متاع البيت فأما أكثر أهل التفسير منهم ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة فقالوا:
الزخرف الذهب، وقال الشعبي: الزخرف الذهب والفضة. قال أبو جعفر: والزخرف في اللغة، على ما حكاه محمد بن يزيد، الزينة قال: يقال: بنى داره فزخرفها أي زيّنها وحسّنها. وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فاللام للتوكيد عند البصريين، وعند الكوفيين
[1]انظر تيسير الداني 159، وكتاب السبعة لابن مجاهد 585.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 15، وكتاب السبعة لابن مجاهد 585.
[3]الشاهد بلا نسبة في الكتاب 1/ 271، وأسرار العربية ص 323، وتخليص الشواهد 157، وخزانة الأدب 7/ 537، والدرر 1/ 152، وشرح المفصّل 5/ 8، والمقتضب 2/ 172، وهمع الهوامع 1/ 50.


صفحه 73

بمعنى إلّا و «ما» زائدة للتوكيد، وعند بعض النحويين نكرة بمعنى شيء. وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ رفع بالابتداء والتقدير ثواب الآخرة عند ربّك للمتقين.

[سورة الزخرف (43) : آية 36]
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قال محمد بن يزيد: يعش يتعامى، وأصله من الأعشى، وهو الذي قد ركب بصره ضعف وظلمة. ومنه جاء فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وقال غيره: عشي عن ذكر الرحمن لم ينتفع بالذكر كما أن الأعشى الذي لا يبصر في الضوء فهو لا ينتفع ببصره كما ينتفع غيره ويَعْشُ في موضع جزم بالشرط وعلامة الجزم فيه حذف الواو وهو مشتق من العشي إلّا أنه يقال:
عشي يعشى إذا صار أعشى، وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى. وهو من ذوات الواو، والياء في عشي منقلبة من واو، وكذا الألف في عشا الذي هو مصدر. ولهذا قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف والدليل على ذلك أنه يقال: امرأة عشواء. نُقَيِّضْ لَهُ جواب الشرط.

[سورة الزخرف (43) : آية 37]
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ محمول على المعنى لأن شيطانا يؤدّي عن معنى شياطين.

[سورة الزخرف (43) : آية 38]
حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)
حَتَّى إِذا جاءَنا قراءة نافع وعاصم وعبد الله بن عامر وهي البينة لأن الضمير يعود على «من» و «القرين» ، وقراءة أبي عمرو والكوفيين غير عاصم حَتَّى إِذا جاءَنا[1]وهو بمعنى ذلك أي حتّى إذا جاءنا هو وقرينه والعرب تحذف مثل هذا، كما يقال:
كحلت عيني، يراد العينان. قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اسم «ليت» وهي ظرف، كما يقال: يا ليت بيني وبينك بعدا. ويجوز بعد بمعنى ليت مقدار ذلك، فإن قلت:
ليت بيني وبينك متباعد رفعت.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 39 الى 40]
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40)
«أنّ» في موضع رفع أي لن ينفعكم اشتراككم لأنّ الإنسان في الدنيا إذا أصيب بمصيبة هو وغيره سهلت عليه بعض السهولة وتأسّى به فحرم الله جلّ وعزّ ذلك أهل النار.
[1]انظر تيسير الداني 159، وكتاب السبعة لابن مجاهد 586.


صفحه 74

[سورة الزخرف (43) : الآيات 41 الى 43]
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ في موضع جزم بالشرط، والنون للتوكيد ولولا هي لكانت الباء ساكنة وكذا أَوْ نُرِيَنَّكَ في موضع جزم، ولولا النون لحذفت الياء ولكنها بنيت معها على الفتح.

[سورة الزخرف (43) : آية 44]
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44)
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إن القرآن لشرف لك ولقومك، وتأوّل هذا مجاهد على أنه شرف لقريش، قال يقال: ممّن الرجل؟ فيقال: من العرب فيقال: من أيّ العرب؟ فيقول: من قريش. وقال غيره:
قومه هاهنا من آمن به وكان على منهاجه. وقيل: معنى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ وإنّ الذي أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لذكر أي أنزل لتذكروا به وتعرفوا أمر دينكم.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 45 الى 48]
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48)
قال أبو جعفر: في هذه الآية إشكال لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يحتاج مسألة. وقد ذكرنا قول جماعة من العلماء فيها فمنهم من قال: في الكلام حذف، والتقدير: واسأل من أرسلنا إليه من قبلك رسلا من رسلنا، قال: والخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمراد المشركون به. قال أبو جعفر:
أما حذف رسل هاهنا فجائز لأن من رسلنا يدلّ عليه، كما قال الشاعر: [الوافر] 411-
كأنّك من جمال بني أقيش
[1]والتقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش، وأمّا حذف إليه فلا يجوز لو قلت:
مررت بالذي ضربت أو بالذي قام وأنت تقدّر حذف حرف الخفض والمضمر لم يجز وإنما يجوز حذف المضمر الذي في الصلة وقوله: المخاطب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمراد به المشركون، كلام فيه نظر. والقول في الآية- والله جلّ وعزّ أعلم- ما قاله قتادة قال:
سل أهل الكتاب أأمر الله جلّ وعزّ إلّا بالتوحيد والإخلاص. وشرح هذا من العربية قل: يا محمد لمن عبد الأوثان سل أمم من قد أرسلنا من رسلنا أي من آمن منهم هل أمر الله جلّ وعزّ أن يعبد وثن أو يعبد معه غيره؟ فإنهم لا يجدون هذا في شيء من الكتب، ثم حذفت أمم وأقيمت «من» مقامها، مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .

[سورة الزخرف (43) : الآيات 49 الى 50]
وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)
وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ وقرأ ابن عامر يا أَيُّهَا[2]السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ «الساحر» نعت لأيّ على اللفظ، ولا يجوز النصب إلا في قول المازني على الموضع لأن موضع أي نصب. قال أبو إسحاق: إن قال قائل: كيف قالوا يا أيّها الساحر وقد زعموا أنهم
[1]مرّ الشاهد رقم (90) .
[2]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 583.


صفحه 75

مهتدون؟ فإنما وقع الخطاب على أنه كان عندهم مسمّى بهذا فقالوا: يا أيّها الساحر على ذلك. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا غير هذا الجواب.

[سورة الزخرف (43) : آية 51]
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51)
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قيل: كان نداؤه كراهة أن يتّبع قومه موسى صلّى الله عليه وسلّم لأنه لمّا دعا كشف عنهم العذاب فتبيّن عجز فرعون عن كشفه فكره أن يتّبعوه فقال: أنا أولى بالاتّباع منه. قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ في موضع خفض، ولم ينصرف عند البصريين[1]لأنها مؤنثة سميت بمذكر، وكذا لو سميت امرأة بزيد لم ينصرف وأجازوا صرف مصر على أن يكون اسما للبلد، وترك الصرف أولى لأن المستعمل في مثلها بلدة فأما الكوفيون فيذهبون إلى أن مصر بمنزلة امرأة سمّيت بهند فكان يجب أن ينصرف إلا أنها منعت من ذلك لقلتها في الكلام. وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «تجري» في موضع نصب على الحال. ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر هذه أَفَلا تُبْصِرُونَ.

[سورة الزخرف (43) : آية 52]
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (52)
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ قال الفرّاء: هو من الاستفهام الذي جاء بأم لاتصاله بكلام قبله قال: ويجوز أن تردّه على قوله «أليس لي ملك مصر» . وقد شرحناه بأكثر من هذا. وزعم الفرّاء[2]: أنه أخبره بعض المشيخة أنه يقرأ افلا تبصرون أما أنا خير[3]قال أبو جعفر: يقدّره «أما» التي بمعنى «ألا» وحقا، ويكون على هذا أَفَلا تُبْصِرُونَ تمام الكلام. فهذه القراءة خارجة من حجّة الإجماع وكان يجب على هذا أن يكون «أما» بالألف «أنا» مبتدأ وخَيْرٌ خبره وكذا هُوَ مَهِينٌ. وفي معنى «مهين» قولان: قيل معناه الذي يمتهن نفسه في حاجاته ومعاشه ليس له من يكفيه. وقال الكسائي: المهين الضعيف الذليل، وقد مهن مهانة. وهذا أولى بالصواب.

[سورة الزخرف (43) : آية 53]
فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)
فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب هذه قراءة[4]أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة إلا الحسن وقتادة وشيئا يروى عن عبد الله وأبيّ فأما الحسن وقتادة فقرأ لولا ألقي عليه أسورة[5]والذي روي عن عبد الله وأبيّ فلولا ألقي عليه أساوير قال أبو جعفر: أساورة جمع إسوار. وحكى الكسائي: أسوار وسوار وسوار بمعنى
[1]انظر الكتاب 3/ 266.
[2]انظر معاني الفراء 3/ 35.
[3]انظر البحر المحيط 8/ 23.
[4]انظر تيسير الداني 159، والبحر المحيط 8/ 24.
[5]انظر تيسير الداني 159، والبحر المحيط 8/ 24.


صفحه 76

واحد، وأساوير وأساورة واحد مثل زنادقة وزناديق إلّا أنه إذا كان بالهاء انصرف لأن الإعراب يقع عليها، وهي بمنزلة اسم ضم إلى اسم. وقال أبو إسحاق: إنما انصرف لأنه له في الواحد نظيرا نحو علانية وعباقية ويجوز أن يكون أساور جمع أسورة أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ على الحال.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 54 الى 55]
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55)
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي استخفّهم بذلك القول إلى الكفر بموسى صلّى الله عليه وسلّم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فَلَمَّا آسَفُونا قال: يقول أسخطونا.

[سورة الزخرف (43) : آية 56]
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (56)
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً[1]قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي سَلَفاً وهو جمع سليف، وقد سمع عن العرب سليف.
وروي عن حميد الأعرج أنه قرأ سَلَفاً بضم السين وفتح اللام جمع سلفة وأبو حاتم لا يعرف معناه لشذوذه. وقال أبو إسحاق: سلفة أي فرقة متقدمة ومع إنكار أبي حاتم إياه فإن فيه مطعنا لأن الكسائي رواه عن ابن حميد فذكر إسماعيل بن إسحاق القاضي عن علي بن المديني[2]قال: سألت ابن عيينة عن قراءة حميد سَلَفاً فلم يعرفه فقلت له: إنّ الكسائي رواه عنك فقال: لم نحفظه.

[سورة الزخرف (43) : آية 57]
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا لم ينصرف مريم عليها السلام لأنها معرفة واسم مؤنث، ويجوز أن يكون اسما أعجميا فيكون ذلك علّة، ويجوز أن يكون عربيا مبنيا على مفعل جاء على الأصل من رام يريم. إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ[3]قراءة مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وأبي عمرو وعاصم وحمزة، ويروى عن ابن عباس بكسر الصاد.
ويَصِدُّونَ[4]بالضم قراءة الحسن وإبراهيم وأبي جعفر وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والكسائي، وتروى عن علي بن طالب رضي الله عنه وأبي عبد الرحمن السلمي وعبيد بن عمير الليثي. قال أبو جعفر: حكى الكسائي والفراء[5]إنّ يصدّون ويصدّون لغتان بمعنى واحد، كما يقال: نمّ ينمّ وينمّ وشدّ يشدّ ويشدّ، وفرّق أبو عبيد القاسم بن
[1]انظر كتاب السبعة لابن مجاهد 587، وتيسير الداني 159. [.....]
[2]علي بن المديني، محدّث، (ت 234 هـ) ترجمته في الأعلام 5/ 118.
[3]انظر تيسير الداني 159.
[4]انظر البحر المحيط 8/ 25.
[5]انظر معاني الفراء 3/ 36.


صفحه 77

سلام بينهما فزعم أن معنى يصدّ يضجّ ومعنى يصدّ من الصدود عن الحق، وزعم أنها لو كانت يصدّ بالضم لكانت إذا قومك عنه يصدّون. قال أبو جعفر: وفي هذا ردّ على الجماعة الذين قراءتهم حجّة وقد خالف بقوله هذا الكسائي والفراء، والذي ذكره من الحجة ليس بواجب لأنه يقال: صددت من قوله أي لأجل قوله وعلى هذا معنى الآية- والله جلّ وعزّ أعلم- إنّما هو «يصدّون» من أجل ذلك القول، وقد يجوز أن يكون مع ذلك الصدود ضجيج فيقول المفسّر: معناه يضجّون.

[سورة الزخرف (43) : آية 58]
وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)
وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ ابتداء وخبر «أم هو» معطوف على الهتنا ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا مفعول من أجله أي لم يقولوا هذا على جهة المناظرة ولا على جهة التثبت فهذا فرق بين الجدل والمناظرة لأن المتناظرين يجوز أن يكون كل واحد منهما يطلب الصواب والجدل الذي جادلوا به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيما روي عن ابن عباس أنه لمّا أنزل الله جلّ وعزّ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء:
98] قالوا: أليس قد عبد عيسى صلّى الله عليه وسلّم وهو عندك رجل صالح فقد جعلته في النار معنا فهذا هو الجدل الذي كان منهم لأن الكلام لا يوجب هذا لأنه قال جلّ وعزّ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ولم يقل من تعبدون و «ما» فإنما هي لغير بني أدم. بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أي كثير والخصومة فيما يدفعون به الحق.

[سورة الزخرف (43) : آية 59]
إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59)
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي أنعمنا عليه بظهور الآيات على يديه. وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ قال أبو إسحاق: يعني عيسى صلّى الله عليه وسلّم أي يدلّهم على نبوته، وقال غيره وصفناه لبني إسرائيل بأنه مثل لآدم عليه السلام. وقيل: مثل ومثل واحد أي هو بشر مثلهم.

[سورة الزخرف (43) : آية 60]
وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول يخلف بعضهم بعضا. وفي أبي صالح عنه قال: لو نشاء لجعلناهم خلائف وأهلكناهم.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 61 الى 62]
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62)
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قراءة أكثر الناس، ويروى عن ابن عباس وأبي هريرة أنّهما قرا وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ[1]وزعم الفراء[2]أنهما متقاربتا المعنى. وحكي عن محمد بن
[1]انظر البحر المحيط 8/ 26.
[2]انظر معاني الفراء 3/ 37.


صفحه 78

يزيد أنه قال: معنى «لعلم» لذكر وتنبيه وتعريف، ومعنى «لعلم» لدلالة وعلامة. قال أبو جعفر: فأما الضمير الذي في وَإِنَّهُ ففي معناه قولان: مذهب ابن عباس وأبي هريرة وأبي مالك ومجاهد والضحاك أنّ الضمير لعيسى صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: لنزوله، والقول الآخر، وهو قول الحسن، أن الضمير للقرآن أي وإن القرآن لعلم للساعة لأنه لا ينزل كتاب بعده، والقول الأول أبين وعليه أكثر الناس، وقد قيل: في هذا دليل على أنه إذا نزل عيسى صلّى الله عليه وسلّم رفعت المحنة ولم تقبل من أحد توبة. وفي الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما يدلّ على ذلك وهو قوله «فليكسرنّ الصليب وليقتلنّ الخنزير وتلقي الأرض أفلاذ كبدها»[1]ففي هذا دليل أنه لا أحد يأخذ من أحد زكاة، وأنّ المحنة قد ارتفعت وقربت الساعة فَلا تَمْتَرُنَّ بِها قال أبو إسحاق: أي فلا تشكّوا وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ «مستقيم» نعت لصراط، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر.

[سورة الزخرف (43) : الآيات 63 الى 64]
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64)
وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قال أبو إسحاق: أي بالآيات المعجزات قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ قال: أي بالإنجيل وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال أبو عبيدة: بعض بمعنى كل وأنشد: [الكامل] 412-
أو يخترم بعض النّفوس حمامها
[2]قال أبو جعفر: وهذا القول مردود عند جميع النحويين، ولا حاجة عليه من معقول أو خبر لأن بعضا معناها خلاف معنى «كلّ» في كل المواضع. قال أبو إسحاق: المعنى ولأبيّن لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه، وقال غيره: إنما بيّن لهم بعض الذي اختلفوا فيه على الحقيقة وذلك ما سألوه عنه أو كانت لهم في إخباره إياهم منفعة، وقد يجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك. والبيت الذي أنشده أبو عبيدة لا حجة فيه لأن معنى «أو يخترم بعض النفوس» أنه يعني نفسه وبعض النفوس.
[1]أخرجه مسلم في صحيحه ب 71 رقم 243، وذكره الطحاوي في مشكل الآثار 1/ 28، والآجري في الشريعة 380، والمتقي الهندي في كنز العمال 39722، والقرطبي في تفسيره 10/ 315،
«لينزلن ابن مريم حكما ... عادلا فليكسرن الصليب ... »
[2]الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 313، والخصائص 1/ 74، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 772، وشرح شواهد الشافية 415، والصاحبي في فقه اللغة ص 251، ومجالس ثعلب ص 63، والمحتسب 1/ 111، وبلا نسبة في خزانة الأدب 7/ 349، والخصائص 2/ 317. وصدره:
«تراك أمكنة إذا لم أرضها»