للكفار. وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ فيه ثلاثة أقوال: منها أن المعنى أضلّه عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، والقول الثاني أن المعنى على علم منه بأنّ عبادته لا تنفعه. وهذان القولان لم يقلهما متقدّم وأولى ما قيل في الآية ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ قال: في سابق علمه. قال سعيد بن جبير: وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ أي على علم قد علمه منه وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ قال أبو جعفر: قد ذكرناه[1]في سورة «البقرة» . وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً[2]وفي قراءة عبد الله وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً مروية بفتح الغين، وهي لغة ربيعة فيما يظنّ الفرّاء. وقراءة عكرمة: غشاوة بضم الغين، وهي لغة عكل. قال أبو الحسن بن كيسان: ويحذف الألف منها فيكون فيها إذا حذفت الألف ثلاث لغات: غشوة وغشوة وغشوة. وأما المعنى فمتقارب، إنما هو تمثيل أي لا يبصر الحقّ فهو بمنزلة من على بصره غشاوة إلّا أن الأكثر في كلام العرب في مثل هذا أن يكون على فعالة وذلك في كل ما كان مشتملا على الشيء نحو عمامة وكذا ولاية.
[سورة الجاثية (45) : آية 24]
وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (24)
وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا قد ذكرناه إلّا أن علي بن سليمان قال: المعنى ما هي إلّا حياتنا الدنيا نموت ونحيا على قولكم، واستبعد أن يكون المعنى نحيا ونموت على التقديم والتأخير، وقال: إنما يجوز هذا فيما يعرف معناه نحو وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [ال عمران: 43] . قال أبو جعفر: وأهل العربية يخالفونه في هذا، ويجيزون في الواو التقديم والتأخير في كل موضع. قال الفرّاء[3]: معنى وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ أي طول الدهر ومرّ الأيام والليالي والشهور والسنين وتكلّم جماعة في معنى الآية فقال بعضهم: هؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله جلّ وعزّ ولو عرفوه لعلموا أنه يهلكهم ويميتهم. وقال قوم: يجوز أن يكونوا يعرفون الله جلّ وعزّ وعندهم أنّ هذه الآفات التي تلحقهم إنّما هي بعلل ودوران فلك، يقولون هذا بغير حجّة ولا علم. وقال قوم:
هؤلاء جماعة من العرب يعرفون الله جلّ وعزّ يدلّ على قولهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: 3] وفيهم من يؤمن بالبعث. قال زهير: [الطويل] 419-
يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
[4]
[1]مرّ في إعراب الآية 7- البقرة.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 49، وتيسير الداني 161، ومختصر ابن خالويه 138.
[3]انظر معاني الفراء 3/ 48.
[4]الشاهد لزهير في ديوانه ص 18.
غير أنهم كانوا جهلة لا يعلمون أن الآفات مقدّرة من الله عزّ وجلّ. وهذا أصحّ ما روي في الآية وأشبه بنسقها، وقد قامت به الحجة بالظاهر ولأنه مرويّ عن ابن عباس أنّه قال في قوله جلّ وعزّ: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ قال: قالوا: لا نبعث، بغير علم فقال الله جلّ وعزّ: وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.
[سورة الجاثية (45) : الآيات 25 الى 26]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26)
ما كانَ حُجَّتَهُمْ خبر كان. إِلَّا أَنْ قالُوا اسمها، ويجوز «ما كان حجّتهم» بالرفع على أنه اسم كان لأن الحجّة والاحتجاج واحد، ويكون الخبر إِلَّا أَنْ قالُوا أي إلّا مقالتهم.
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ حذفت الضمة من الياء لثقلها. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عطف عليه وكذا ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قيل: أي بمنزلة من لا يعلم، وقيل: عليهم أن يعلموا.
[سورة الجاثية (45) : آية 27]
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي فهو قادر على أن يحييكم. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ظرف منصوب بيخسر.
[سورة الجاثية (45) : آية 28]
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ على الابتداء، وأجاز الكسائي «كلّ أمة» على التكرير على كلّ الأولى. وقد ذكرنا معنى تُدْعى إِلى كِتابِهَا وإنّ أولى ما قيل فيه أنه إلى ما كتب عليها من خير وشر، كما روي عن ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام على بني أدم فينسخ منه ما يجزى عليه من الخير والشر ويلغى سائره. فالمعنى على هذا كلّ أمة تدعى إلى ما كتب عليها وحصّل فتلزمه من طاعة أو معصية، وإن كان كفرا أوقف عليه وأتبع ما كان يعبد، كما قرئ على إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن إسحاق بن أبي إسرائيل عن سفيان بن عيينة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا جلّ وعزّ يوم القيامة فقال:
«هل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في الظّهيرة ليس دونها سحاب» قالوا: لا. قال: «فو الذي نفس محمّد بيده لترونّه كما ترونها» ، قال: «ويلقى العبد ربّه يوم القيامة، فيقول: أي قل ألم أكرمك وأسودك وأزوّجك وأسخّر لك الخيل والإبل وأدرك ترأس وتربع فيقول: بل أي ربّ، قال: فيقول هل كنت تعلم أنك ملاقيّ فيقول: لا يا ربّ فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يقول للثاني مثل ذلك فيقول له مثل ذلك ويردّ عليه مثل ذلك، ثم يقول للثالث مثل ذلك فيقول: أي ربّ أمنت بك
وبكتابك وصمت وصلّيت وتصدّقت. قال: فيقول: أفلا تبعث شاهدنا عليك قال: فيكفر في نفسه فيقول: من ذا الذي يشهد عليّ؟ فيختم الله جلّ وعزّ على فيه ويقول لفخذه: انطقي فتنطق فخذه وعظامه ولحمه بما كان، وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي يسخط عليه وذلك المنافق. قال: ثم ينادي مناد ألا اتّبعت كلّ أمّة ما كانت تعبد فيتبع الشياطين والصّلب أولياؤهما، وبقينا أيّها المؤمنون. قال: فيأتينا ربّنا جلّ وعزّ فيقول: من هؤلاء؟ فيقولون:
عبادك المؤمنون آمنّا بك ولم نشرك بك شيئا، وهذا مقامنا حتّى يأتينا ربنا جلّ وعزّ فيثيبنا.
قال: فينطلقون حتّى يأتوا الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف الناس فهناك حلّت الشفاعة أي اللهمّ سلّم فإذا جاوزوا الجسر فكلّ من أنفق زوجا مما يملك من المال في سبيل الله فكلّ خزنة الجنّة تدعوه يا عبد الله يا مسلم. هذا خير، فتعال. قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إنّ هذا العبد لا ترى عليه يدع بابا ويلج من أخر قال: فضرب كتفه وقال: «والذي نفسي بيده إنّي لأرجو أن تكون منهم»[1]وقرئ على أحمد بن شعيب بن عيسى بن حماد قال: أخبرنا الليث بن سعد عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة قال:
«قال الناس يا رسول الله هل نرى ربنا جلّ وعزّ يوم القيامة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟ وهل تضارّون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا. قال:
فكذلك ترونه» قال: يجمع الله جلّ وعزّ النّاس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتّبعه فيتبع من يعبد الشمس الشمس، ويتبع من يعبد القمر القمر، ويتبع من يعبد الطّواغيت الطّواغيت وتبقى هذه الأمة بمنافقيها فيأتيهم الله جلّ وعزّ في الصور التي يعرفون فيقول: أنا ربّكم فيقولون: أنت ربّنا فيتّبعونه ويضرب الصراط بين ظهراني جهنّم فأكون أنا وأمّتي أول من يجيز ولا يتكلّم إلّا الرسل عليهم السلام. ودعوة الرسل يومئذ اللهمّ سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب كشوك السّعدان هل رأيتم السعدان؟ فإنه مثل شوك السعدان غير أنه لا يدري ما قدر عظمها إلا الله عزّ وجلّ، فيخطف الناس بأعمالهم، فإذا أراد الله جلّ وعزّ أن يخرج من النار برحمته من شاء أمر الملائكة أن يخرجوا من كان لا يشرك بالله شيئا. فمن يقول لا إله إلّا الله ممن أراد أن يرحمه فيعرفونهم في النار بآثار السجود حرّم الله عزّ وجلّ النار على ابن أدم أن تأكل اثار السجود، فيخرجونهم من النار، وقد امتحشوا فيصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السّيل» قال أبو جعفر: فأمّا تفسير «تضارّون» فنمليه مما أخذناه عن أبي إسحاق بشرح كل فيه مما لا يحتاج إلى زيادة. قال: والذي جاء في الحديث مخفّف «تضارون وتضامون» وله وجه حسن في العربية. وهذا موضع يحتاج أن يستقصى تفسيره فإنه أصل في السّنّة والجماعة. ومعناه لا ينالكم ضير ولا ضيم في رؤيته أي ترونه حتّى تستووا في الرؤية فلا يضير بعضكم بعضا. قال: وقال أهل اللغة قولين
[1]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 275، 293، 534، وذكره ابن حجر في فتح الباري 11/ 445.
آخرين قالوا: لا تضارّون بتشديد الراء ولا تضامّون بتشديد الميم مع ضم التاء. قال: وقال بعضهم بفتح التاء وبتشديد الراء والميم على معنى تتضارّون وتتضامّون. وتفسير هذا أنّه لا يضارّ بعضكم بعضا أي لا يخالف بعضكم بعضا في ذلك. يقال: ضاررت الرجل أضارّه مضارّة وضرارا إذا خالفته. ومعنى لا تضامّون في رؤيته، لا ينضمّ بعضكم إلى بعض فيقول واحد للآخر أرينه، كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.
[سورة الجاثية (45) : آية 29]
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ «ينطق» في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر هذا و «كتابنا» بدل من هذا.
[سورة الجاثية (45) : آية 30]
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30)
الَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء وخبره فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ.
[سورة الجاثية (45) : آية 31]
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31)
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ في موضع رفع أيضا، وحذف القول كما يحذف في كلام العرب كثيرا، فلما حذف حذفت الفاء معه لأنها تابعة له فَاسْتَكْبَرْتُمْ الاستكبار في اللغة الأنفة من اتّباع الحقّ وقد بيّن الله جلّ وعزّ على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم حين سئل ما الكبر؟ كما قرئ على إسحاق بن إبراهيم بن يونس عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن هشام عن محمد عن أبي هريرة «أنّ رجلا أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وكان رجلا جميلا فقال: يا رسول الله حبّب إليّ الجمال وأعطيت منه ما ترى حتّى ما أحبّ أن يفوقني أحد. إما قال: بشراك نعل وإمّا قال:
بشسع أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا ولكن الكبر من بطر الحقّ وغمص الناس»[1]قال إسحاق:
وحدّثنا الوليد بن شجاع قال: حدّثنا عطاء بن مسلم الخفّاف عن محمد عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يحشر المتكبّرون- أحسبه قال- في صور الذرّ» ؟[2]قال إسحاق: وحدّثنا محمد بن بكار قال: حدّثنا إسماعيل- يعني ابن عليّة- عن عطاء بن السائب عن الأغرّ عن أبي هريرة قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قال جلّ وعزّ: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنّم»[3].
[1]أخرجه أبو داود في سننه الحديث رقم 4092، وذكره الحاكم في المستدرك 4/ 181، 182.
[2]ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1/ 309، و 10/ 453، والتبريزي في مشكاة المصابيح 5112، والعجلوني في كشف الخفاء 2/ 551.
[3]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 376، وذكره الحاكم في المستدرك 1/ 61، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 8/ 336، والبخاري في الأدب المفرد 253، والألباني في السلسلة الصحيحة 450، وأبو حنيفة في جامع المسانيد 1/ 88، والعجلوني في كشف الخفاء 2/ 151.
[سورة الجاثية (45) : آية 32]
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها وقرأ الأعمش وحمزة السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها[1]عطفا بمعنى وأنّ الساعة لا ريب فيها. والرفع بالابتداء، ويجوز أن يكون معطوفا على الموضع أي وقيل السَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها، ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال. وزعم أبو عبيد أنه يلزم من قرأ بالرفع هاهنا أن يقرأ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة: 45] وفي هذا طعن على جماع الحجّة لأنه قد قرأها هنا بالرفع وثم بالنصب من يقوم بقراءتهم الحجّة منهم نافع وعاصم قرا وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها وقرا «والعين بالعين» بالنصب، وكذا ما بعده. وفيه أيضا طعن على عبد الله بن كثير وأبي عمرو بن العلاء وأبي جعفر القارئ وعبد الله بن عامر لأنهم قرءوا «والساعة لا ريب فيها» وقرءوا وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ بالنصب، وكذا ما بعده إلّا «والجروح قصاص» والحديث المرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأ «والعين بالعين» لا يجوز أن يكون في موضع الحال. وقد ذكر أبو عبيد أنّ مثله وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [لقمان: 27] وهو مخالف له لأنّ والبحر أولى الأشياء به عند النحويين أن يكون في موضع الحال وأبعد الأشياء في «الساعة لا ريب فيها» أن يكون في موضع الحال. قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وهذا من مشكل الإعراب وغامضه لأنه لا يقال: ما ضربت إلّا ضربا، وما ظننت إلّا ظنّا، لأنه لا فائدة فيه أن يقع بعد حرف الإيجاب لأنّ معنى المصدر كمعنى الفعل. فالجواب عن الآية عن محمد بن يزيد على معنيين: أحدهما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي إن نحن إلّا نظنّ ظنّا، وزعم أنّ نظيره من كلام العرب حكاه أبو عمرو بن العلاء وسيبويه[2]: ليس الطّيب إلّا المسك أي ليس إلّا الطّيب المسك، والجواب الآخر أن يكون التقدير: إن نظنّ إلّا أنّكم تظنّون ظنّا.
[سورة الجاثية (45) : الآيات 33 الى 35]
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)
قال أبو العباس وَحاقَ بِهِمْ نزل بهم.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الْيَوْمَ نَنْساكُمْ قال: نترككم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يكون من النسيان أي تشاغلتم عن يوم القيامة بلذاتكم وأمور دنياكم فوبّخهم
[1]انظر تيسير الداني 161، وكتاب السبعة لابن مجاهد 595.
[2]انظر الكتاب 1/ 201.
الله عزّ وجلّ على ذلك. ويجوز أن يكون المعنى كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا.
وحقيقته في العربية كما تركتم عمل لقاء يومكم مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] .
[سورة الجاثية (45) : آية 36]
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36)
على البدل، ويجوز أن يكون نعتا.
[سورة الجاثية (45) : آية 37]
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال محمد بن يزيد: الكبرياء الجلال والعظمة وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ مبتدأ وخبر.
46 شرح إعراب سورة الأحقاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم[1]تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[2]ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ[3]
الَّذِينَ في موضع رفع بالابتداء ومن العرب من يقول: اللّذون في غير القرآن إذا كان موضع رفع.
[سورة الأحقاف (46) : آية 4]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الفراء[1]: وفي قراءة عبد الله قل أريتم من تدعون من دون الله يعني بالنون، «أريتم» لغة معروفة للعرب كثيرة، وأرأيتم الأصل، ولغة ثالثة أن يخفف الهمزة التي بعد الراء فتجعل بين بين. ومن قرأ «ما تدعون» جاء به على بابه لأنه للأصنام. ومن قرأ من فلأنهم قد عبدوها فأنزلوها منزلة ما يعقل.
وعلى هذا أجمعت القراء على أن قرءوا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ ولم يقرءوا خلقن ولا خلقت ولا لهنّ ولا لها. ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ وقرأ أبو عبد الرحمن السّلميّ أو أثرة[2]وحكى الفراء[3]لغة ثالثة وهي (أثرة) بفتح الهمزة وحكى الكسائي لغة رابعة وهي «أو أثرة» بضم الهمزة والمعنى في اللغات الثلاث عند الفراء واحد، والمعنى عند بقيّة من علم. ويجوز أن يكون المعنى عنده شيئا مأثورا من كتب الأولين. فأثارة عنده مصدر كالسّماحة والشّجاعة، وأثرة عنده بمعنى أثر كقولهم: قترة وقتر، وأثرة كخطفة. فأما الكسائي فإنه قال: أثارة وأثرة وأثرة كلّ ذلك تقول العرب،
[1]انظر معاني الفراء 3/ 49.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 56، والمحتسب 2/ 264.
[3]انظر معاني الفراء 3/ 50.
والمعنى فيهن كلّهن عنده معنى واحد. بمعنى الشيء المأثور. قال أبو جعفر: ومعنى الشيء المأثور المتحدّث به. ومما صحّ سنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه سمع عمر وهو يقول: وأبي، فقال:
«إنّ الله جلّ وعزّ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله جلّ وعزّ أو ليسكت»[1]قال عمر: فما حلفت بها بعد ذاكرا ولا أثرا. وفي بعض الحديث «من حلف بغير الله جلّ وعزّ فقد أشرك»[2]وفي أخر «فقد كفر» فقوله «ذاكرا» معناه متكلّما بها، وقائلا بها، كما يقال: ذكرت لفلان كذا ومعنى «ولا أثرا» ولا مخبرا بها عن غيري أنه حلف بها. ومن هذا حديث مأثور، يقال: أثر الحديث يأثره، وأثر يفعل ذلك واثر فلان فلانا، إذا فضّله، وأثار التراب يثيره، ووثر الشيء ويؤثر إذا صار وطيئا ومنه قيل: ميثرة انقلبت الواو فيها ياء.
وفي معنى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من حلف بغير الله جلّ وعزّ فقد أشرك» . أقوال:
أصحّها أنّ المعنى فقد أشرك في تعظيم الله جلّ وعزّ غير الله لأنه إنما يحلف الإنسان بما يعظّمه أكبر العظمة، وهذا لا ينبغي أن يكون إلّا لله جلّ وعزّ. وفي قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فقد كفر» أقوال: فمن أصحّها أنّ الكفر هو التغطية. والمعنى: فقد غطّى وستر ما يجب أن يظهر من تعظيم الله جلّ وعزّ.
[سورة الأحقاف (46) : آية 5]
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (5)
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي ومن أضلّ عن الحقّ ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة. قال الفراء[3]: وفي قراءة عبد الله ما لا يستجيب له والقول فيه مثل ما تقدّم.
[سورة الأحقاف (46) : آية 6]
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (6)
وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً أي يتبرؤون منهم ومن عبادتهم.
[سورة الأحقاف (46) : آية 7]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ نصب على الحال.
[1]أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 33، 164، ومسلم في صحيحه الإيمان 1، 3، والترمذي في سننه (1534) ، والنسائي في سننه 7، 4، 5، وأبو داود في سننه (3249) ، وابن ماجة في سننه (2094) ، وأحمد في مسنده 1/ 18، و 2/ 7، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 28. [.....]
[2]أخرجه أحمد في مسنده 2/ 67، 87، وذكره الطحاوي في مشكل الآثار 358، والتبريزي في مشكاة المصابيح 3419، وابن حجر في فتح الباري 10/ 516، والمتقي الهندي في كنز العمال (46328) ، وابن كثير في تفسيره 4/ 342.
[3]انظر معاني الفراء 3/ 50.