مِنْ رَحِيقٍ في موضع نصب على خبر ما لم يسمّ فاعله على غير قول الأخفش.
[سورة المطففين (83) : آية 26]
خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (26)
خِتامُهُ مِسْكٌ مبتدأ وخبره. هذه قراءة أكثر الناس. وقرأ الكسائي رواه عنه أبو عبيد «خاتمه مسك»[1]وزعم أن هذه القراءة قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر إسماعيل بن إسحاق أنه لم يجد أحدا يعرف هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد عن محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرّحمن السلميّ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ «خاتمه مسك»[2]قال أبو جعفر: ختامه بمعنى واحد إلا أن ختاما مصدر وخاتم اسم الفاعل، وأكثر كلام العرب في الناس وما أشبههم هو خاتمهم كما قال جلّ وعزّ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: 40] ، وكذا خاتم وفي غير الناس ختام كما قال: [الكامل] 552-
أغلي السّباء بكلّ أدكن عاتق ... أو جونة قدحت وفضّ ختامها[3]
وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ أي فليحرص وليطلب. وأصل هذا من نفست عليه بالشيء أي أردت أن يكون لي دونه، واشتقاقه من النّفس أي الذي تفرح به النفس وتميل إليه.
[سورة المطففين (83) : الآيات 27 الى 28]
وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28)
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) في نصب عين خمسة أقوال: قول الأخفش إنها منصوبة بيسقون، وقال محمد بن يزيد حكاه لنا علي بن سليمان: لا يصحّ لي أن تكون منصوبة إلّا بمعنى أعني، وقال الفرّاء[4]: أي من تسنيم عين ثم نوّنت فتنصب مثل أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ [البلد: 14] والقول الرابع «تسنيم عينا» ، والقول الخامس أن يكون تسنيم اسما للماء معرفة وعين نكرة فنصب لذلك. قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب لأنه صحيح على قول أهل التأويل، كما قرأ محمد بن جعفر عن حفص بن يوسف بن موسى ثنا سلمة ثنا نهشل عن الضحّاك قال:
«تسنيم» عين تتسنّم من أعلى الجنة ليس في الجنة عين أشرف منها. قال أبو جعفر:
[1]انظر تيسير الداني 179، ومعاني الفراء 3/ 248.
[2]انظر تيسير الداني 179، ومعاني الفراء 3/ 248.
[3]الشاهد للبيد بن ربيعة في ديوانه 314، وأسرار العربية 303، وخزانة الأدب 3/ 105، وسرّ صناعة الإعراب 632، وشرح المفصّل 8/ 92 ولسان العرب (قدح) و (عتق) ، و (دكن) ، والمعاني الكبير 1/ 452، والمقاصد النحوية 4/ 125، وأساس البلاغة (سبأ) ، وكتاب العين 7/ 315، وبلا نسبة في جمهرة اللغة 402، ورصف المباني ص 411.
[4]انظر معاني الفراء 3/ 249.
وقول مجاهد أيضا يدلّ على هذا قال: تسنيم علو وكذا الاشتقاق يقال: تسنّمت الماء أتسنّمه تسنيما إذا أجريته من موضع عال، وقبر مسنم أي مرتفع، ومن هذا سنام البعير فإن قال قائل فلم انصرف تسنيم وهو معرفة اسم للمؤنث؟ قيل: تقديره أنه اسم لمذكّر للماء الجاري من ذلك الموضع العالي ومعنى عينا جاريا فقد صارت في موضع الحال.
[سورة المطففين (83) : آية 29]
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29)
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي اكتسبوا الإثم. يقال: جرم وأجرم إذا اكتسب إلا أنّ الأكثر في اكتساب الإثم أجرم وفي غيره جرم. الَّذِينَ اسم إنّ أَجْرَمُوا صلته كانُوا خارج من الصلة لأنه خبر «إن» أي كانوا في الدنيا مِنَ الَّذِينَ صدقوا بتوحيد الله يَضْحَكُونَ استهزءوا بهم ويروى أن أبا جهل وأصحابه ضحكوا واستهزءوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأصحابه.
[سورة المطففين (83) : آية 30]
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (30)
استهزءوا بهم.
[سورة المطففين (83) : آية 31]
وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31)
[1]وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فاكهين يقول معجبين. قال أبو جعفر: أي معجبين بما يفعلون مسرورين به، وقال ابن زيد: فاكهين ناعمين، وزعم الفرّاء[2]أن فاكهين بمعنى واحد وحكى أبو عبيد أن أبا زيد الأنصاري حكى عن العرب أن الفكه الضحوك الطيب النفس. قال محمد بن يزيد: كان الأصمعي يرفع بأبي زيد في اللغة ويذكر محلّه وتقدّمه ويذكر صدقه وأمانته قال: وكان خلف بن حيان أبو محرز على جلالته يحضر حلقته.
[سورة المطففين (83) : آية 32]
وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32)
هذا قول الكفار في الدنيا أي لضالّون عن طريق الصواب.
[سورة المطففين (83) : آية 33]
وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (33)
أي لم يرسلوا ليحفظوا عليهم أعمالهم وإنما أمروا بطاعة الله تعالى.
[سورة المطففين (83) : الآيات 34 الى 36]
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (36)
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) وذلك بعد دخولهم الجنة. قال ابن عباس: يفتح لهم أبواب إلى النار فينظرون إلى الذين كانوا يسخرون في الدنيا
[1]انظر تيسير الداني 179، والبحر المحيط 8/ 435. [.....]
[2]انظر معاني الفراء 3/ 249.
ويضحكون بهم فإذا رأوهم في النار سرّوا بانتقام الله تعالى من أعدائه وضحكوا بهم إذ ذاك عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (35) إليهم. وقال غيره: على الأرائك ينظرون إلى قصورهم وأزواجهم، ويقول بعضهم لبعض هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) وقيل هَلْ مبتدأة منقطعة مما قبلها أي هل جزي الكفار بأعمالهم، وما في موضع نصب على هذا المعنى.
84 شرح إعراب سورة انشقت (الانشقاق)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الانشقاق (84) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (1)
إِذَا في موضع نصب وقد ذكرنا قول النحويين في جواب «إذا» ، وقد قيل:
المعنى: اذكروا إذا السّماء انشقّت، فعلى هذا لا تحتاج إلى جواب أي اذكر خبر ذلك الوقت.
[سورة الانشقاق (84) : آية 2]
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (2)
قال سعيد بن جبير: حقّ لها أن تأذن. قال أبو جعفر: حقيقة هذا أن المعنى حقّق الله جلّ وعزّ عليها فانقادت إلى أمره وانشقت أي تصدّعت فصارت أبوابا.
[سورة الانشقاق (84) : آية 3]
وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)
رفعت الأرض بإضمار فعل يفسره الثاني.
[سورة الانشقاق (84) : الآيات 4 الى 5]
وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (5)
وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (4) معطوف على الأول، وكذا وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (5) .
[سورة الانشقاق (84) : آية 6]
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6)
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ نعت لأي، والأخفش يقول صلة لأنه لا بدّ منه إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً مصدر فيه معنى التوكيد فَمُلاقِيهِ في موضع رفع والأصل ضمّ الياء فحذفت الضمة لثقلها. فهذا قول، وقيل: حذفت لأن الياء هاهنا حرف مد ولين فأشبهت الألف فحذفت منه الضمة والكسرة، ومن العرب من يحذف منها الفتحة فيجريها مجرى الألف فلا يحركها بحال.
[سورة الانشقاق (84) : الآيات 7 الى 8]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8)
فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) أي يثاب بحسناته ويتجاوز عن سيئاته.
[سورة الانشقاق (84) : آية 9]
وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9)
نصب على الحال.
[سورة الانشقاق (84) : الآيات 10 الى 11]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (11)
فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (11) مفعول به أي يقول يا ثبوراه. قال سيبويه: في نظير هذا أي احضر فهذا من إبانك.
[سورة الانشقاق (84) : آية 12]
وَيَصْلى سَعِيراً (12)
[1]من صلي يصلى ويصلى من صلاه يصليه إذا أحرقه، وكذا أصلاه.
[سورة الانشقاق (84) : آية 13]
إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13)
خبر كان، ويبعد أن يكون منصوبا على الحال إلّا أنه جائز كما نقول: زيد في أهله ضاحكا.
[سورة الانشقاق (84) : آية 14]
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14)
أَنْ وما بعدها تقوم مقام المفعولين، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أَنْ لَنْ يَحُورَ قال: يقول: أن لن يبعث، وقال مجاهد: أن لن يرجع إلينا. يقال: حار يحور إذا رجع وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «اللهمّ إني أعوذ بك من الحور بعد الكور»[2]قيل:
معناه أعوذ بك من الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان، وقيل أعوذ بك من النقصان بعد الزيادة.
[سورة الانشقاق (84) : آية 15]
بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (15)
أي بلى ليحورنّ وليبعثنّ أنّ ربه كان به بصيرا بعمله وبما يصير إليه لأنه كان يرتكب المعاصي مجترئا عليها إذ كان عنده أنه لا يبعث.
[سورة الانشقاق (84) : آية 16]
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16)
الباء هي الأصل في القسم، وتبدل منها الواو.
[سورة الانشقاق (84) : الآيات 17 الى 18]
وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18)
وَاللَّيْلِ واو عطف لا واو قسم وَما وَسَقَ. وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) كلّه معطوف.
[سورة الانشقاق (84) : الآيات 19 الى 20]
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20)
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19) مفتوحة الباء صحيحة عن ابن عباس كما قرئ على
[1]انظر تيسير الداني 179 (قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو «ويصلى» بفتح الياء وإسكان الصاد مخفّفا والباقون بضمّ الياء وفتح الصاد وتشديد اللام) .
[2]انظر تفسير الطبري 30/ 75، والقرطبي 19/ 273.
إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن علي بن عبد الله عن سفيان عن عمرو عن ابن عباس أنه قرأ لَتَرْكَبُنَّ[1]بفتح الباء، وهي قراءة عبد الله بن مسعود والشعبي ومجاهد والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ المدنيون لَتَرْكَبُنَّ بضم الباء، وهي قراءة الحسن وأبي عمرو، وقال الفرّاء: وقرئت «ليركبنّ» قال أبو جعفر: القراءة الأولى مخاطبة للواحد وبني الفعل مع النون على الفتح لخفّته، وأكثر أهل التفسير يقول: المخاطبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم من يقول المخاطبة لجميع الناس، والمعنى: يا أيّها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19) أي حالا بعد حال، وقيل: سماء بعد سماء إذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم. والكادح العامل وقد كدح لأهله إذا اكتسب لهم، وأنشد سيبويه: [الطويل] 553-
وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح[2]
و «لتركبنّ» بضم الباء مخاطبة للجماعة والضمة تدلّ على الواو المحذوفة، وليركبن إخبار عن جماعة لأن بعده
[سورة الانشقاق (84) : آية 20]
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20)
وقبله ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، ومن يؤتاه كتابه من وراء ظهره: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) في موضع نصب على الحال.
[سورة الانشقاق (84) : آية 21]
وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21)
أهل التفسير على أن المعنى لا يخضعون ولا يذلّون بالانتهاء إلى طاعة الله جلّ وعزّ.
[سورة الانشقاق (84) : آية 22]
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22)
بالخروج من حديث إلى حديث يقع بعد الإيجاب والنفي عند البصريين.
[سورة الانشقاق (84) : آية 23]
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (23)
من أوعى الشيء إذا جمعه، ووعى حفظه.
[سورة الانشقاق (84) : الآيات 24 الى 25]
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (24) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)
الصَّالِحاتِ الَّذِينَ في موضع نصب استثناء من الهاء والميم، ويجوز أن يكون استثناء ليس من الأول، كما روى عكرمة عن ابن عباس إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، قال الشيخ الكبير إذا كبر وضعف وقد كان يعمل شيئا من الخير وقت قوته كتب له مثل أجر ما كان يعمل قال: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي لا يمنّ به عليهم.
[1]انظر البحر المحيط 8/ 440، ومعاني الفراء 3/ 251.
[2]مرّ الشاهد رقم (52) .
85 شرح إعراب سورة البروج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة البروج (85) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1)
وَالسَّماءِ خفض بواو القسم ذاتِ الْبُرُوجِ نعت للسماء، واختلف النحويون في جواب القسم فمنهم من قال: هو محذوف، ومنهم من قال: التقدير لقتل أصحاب الأخدود وحذفت اللام، ومنهم من قال: الجواب إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ، وقال أبو حاتم: التقدير قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. قال أبو جعفر: وهذا غلط بيّن وقد أجمع النحويون على أنه لا يجوز والله قام زيد بمعنى قام زيد والله وأصل هذا في العربية أنّ القسم إذا ابتدئ به لم يجز أن يلغى ولا ينوى به التأخير، وإذا توسّط أو تأخّر جاز أن يلغى، وفيها جواب خامس أن يكون التقدير وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الآية: 10] وما اعترض بينهما معطوف وتوطئة للقسم قال محمد بن يزيد: واعلم أن القسم قد يؤكد بما يصدّق الخبر قبل ذكر المقسم عليه ثم يذكر ما يقع عليه القسم فمن ذلك وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) ثم ذكر قصّة أصحاب الأخدود، وإنما وقع القسم على قوله إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) .
[سورة البروج (85) : الآيات 2 الى 3]
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)
وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) واو عطف لا واو قسم، وكذا وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قال أبو جعفر: قد ذكرنا معناه، وقد قيل: لا يخلو الناس يوم القيامة من شاهد ومشهود فالمعنى وربّ الناس.
[سورة البروج (85) : الآيات 4 الى 5]
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5)
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5) خفض على بدل الاشتمال. وفيه تقديران: أحدهما نارها والألف واللام عوض من المضمر، والآخر النار التي فيها، وهذا بدل الاشتمال. وفي معنى قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4) قولان: أحدهما أنهم المؤمنون قتلهم الكفار، والآخر أنهم الكفار، ويكون معنى قتلوا أو لعنوا أو أهلكوا. وأجاز «النحويون» قتل أصحاب
الأخدود النار ذات الوقود، بالرفع كما قرأه أبو عبد الرّحمن السلمي وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [الأنعام: 137] . قال أبو جعفر: وهذا باب من النحو دقيق قد ذكره سيبويه وذلك أنه يجوز: ضرب زيد عمرو لأنك إذا قلت:
ضرب زيد، دل على أنه له ضاربا، والتقدير ضربه عمرو، وكذا قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4) قتلتهم النار، وأنشد سيبويه: [الطويل] 554-
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... وأشعث ممّن طوّحته الطّوائح[1]
أي يبكيه ضارع. قال الأخفش: الوقود بالفتح الحطب، والوقود بالضم الفعل:
يريد المصدر أي الإيقاد.
[سورة البروج (85) : آية 6]
إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (6)
قال قتادة: المؤمنون، وهذا على أحد التّأويلين.
[سورة البروج (85) : آية 7]
وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7)
أي ليس هم بغيب.
[سورة البروج (85) : آية 8]
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ ويقال: نقموا أي وما وجدوا عليهم في شيء إلا في إيمانهم بالله العزيز الحميد بانتقامه الْحَمِيدِ أي المحمود عند عباده بأفعاله الجميلة.
[سورة البروج (85) : آية 9]
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نعت فيه معنى المدح في موضع خفض، ويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح، ورفع على إضمار مبتدأ. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي قد شهد على فعلهم وفعل غيرهم وعلمه ليجازيهم عليه.
[سورة البروج (85) : آية 10]
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (10)
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ قال قتادة: أحرقوهم ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا أي من فعلهم ذلك فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ قال محمد بن إسحاق احترقوا في الدنيا، وكذا قال أبو العالية ولهم عذاب جهنم في الآخرة.
[سورة البروج (85) : آية 11]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي أمروا بتوحيد الله سبحانه. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ انتهوا إلى أمر الله ونهيه. لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهي أنهار الماء وأنهار الخمر واللبن والعسل ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ أي الظفر بما طلبوا.
[1]مرّ الشاهد رقم (132) .