[سورة الطارق (86) : آية 6]
خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (6)
قال أبو جعفر: قول الكسائي والفراء أن معنى دافق مدفوق قال: وأهل الحجاز أفعل الناس لهذا يأتون بفاعل بمعنى مفعول إذا كان نعتا مثل «ماء دافق» وسرّ كاتم أي مكتوم. قال أبو جعفر: فاعل بمعنى مفعول فيه بطلان البيان، ولا يصح ولا ينقاس، ولو جاز هذا لجاز ضارب بمعنى مضروب، والقول عند البصريين أنه على النسب، كما قال: [الطويل] 555- كليني لهم يا أميمة ناصب[1]وكما قال: [الطويل] 556-
وليس بذي سيف فيقتلني به ... وليس بذي رمح وليس بنبّال[2]
[سورة الطارق (86) : آية 7]
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (7)
وقرأ عيسى مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وحكى الأصمعي: الصّلب بمعنى الصلب.
وَالتَّرائِبِ جمع تربية، ويقال: تريب واختلف العلماء في معناه فمن أصح ما قيل فيه ما رواه عطيّة عن ابن عباس قال: الترائب موضع القلادة، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الترائب بين ثدي المرأة، وقال سعيد بن جبير: الترائب الأضلاع إلى أسفل الصلب وقال مجاهد: ما بين المنكبين والصدر، وقال الضحاك: الترائب اليدان والرجلان والعينان، وقال قتادة: الترائب نحو الصلب وروى الليث بن سعد عن معمر بن أبي حبيبة قال: الترائب غضارة القلب ومنه يكون الولد، قال أبو جعفر: هذه الأقوال ليست بمتناقضة لأنه يروى أن الماء يخرج من البدن كلّه حتى من كل شعره إلا أن القول الأول مستعمل في كلام العرب كما قال: [الوافر] 557-
ومن ذهب يلوح على تريب ... كلون العاج ليس بذي غضون[3]
وكما قال: [الطويل] 558-
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسّجنجل[4]
[1]مرّ الشاهد رقم (226) .
[2]الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 33، وشرح أبيات سيبويه 3/ 221، والكتاب 3/ 422، وشرح شواهد المغني 1/ 341، وشرح المفصّل 6/ 14، ولسان العرب (نبل) ، والمقاصد النحوية 4/ 540، وبلا نسبة في شرح الأشموني 3/ 745، ومغني اللبيب 1/ 111، والمقتضب 3/ 162. [.....]
[3]الشاهد للمثقب العبد في شعره ص 32، وديوان المفضليات 579، وتفسير الطبري 30/ 145.
[4]الشاهد لامرئ القيس في ديوانه 15، ولسان العرب (سجل) ، وتهذيب اللغة 5/ 377، وتاج العروس (ترب) و (فيض) ، و (هفف) ، و (سجل) وبلا نسبة في لسان العرب (ترب) و (هفف) وديوان الأدب 2/ 86.
وزعم الفراء[1]أن معنى بين الصلب والترائب من الصلب والترائب لا يجعل بين زائدة ولكن كما يقول: فلان هالك بين هذين.
[سورة الطارق (86) : آية 8]
إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (8)
اختلف العلماء في هذا الضمير. فمن أصحّ ما قيل فيه قول قتادة قال: على بعثه وإعادته فالضمير على هذا للإنسان. قال أبو جعفر: وقرئ على إبراهيم بن موسى عن محمد بن الجهم عن يحيى بن زياد عن مندل بن علي عن ليث عن مجاهد إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال على ردّ الماء في الإحليل. وهو مذهب ابن زيد قال على رجعه لقادر على حبسه حتى لا يخرج. هذان قولان، وعن الضحاك كمعناهما، وعنه قول ثالث: على رجعه لقادر قال: على رجعه بعد الكبر إلى الشباب وبعد الشباب إلى الصبا وبعد الصبا إلى النطفة. قال أبو جعفر: والقول الأول أبينهما واختاره محمد بن جرير غير أنه احتجّ بحجة لتقويته هي خطأ في العربية. زعم أن قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ من صلة رجعه يقدره أنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر. قال أبو جعفر:
وهذا غلط، ولو كان كذا لدخل في صلته رجعه ولفرقت بين الصلة والموصول بخبر «إن» ، وذلك غير جائز ولكن يعمل في «يوم» ناصر.
[سورة الطارق (86) : الآيات 9 الى 10]
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (9) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (10)
أي تختبر وتظهر. قيل: يعني الصلاة والصيام وغسل الجنابة.
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ قال قتادة: من قوة تمنعه من الله عزّ وجلّ: وَلا ناصِرٍ ينصره منه، وقال الثوري: مِنْ قُوَّةٍ من عشيرة وَلا ناصِرٍ حليف.
[سورة الطارق (86) : آية 11]
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (11)
قال أبو جعفر: أهل التفسير على أنه المطر لأنه يرجع كل عام إلا ابن زيد فإنه قال: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ شمسها وقمرها ونجومها. وجمع رجع رجعان سماع من العرب على غير قياس، ولو قيس لقيل أرجع ورجوع.
[سورة الطارق (86) : آية 12]
وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (12)
لأنها تصدع بالنبات.
[سورة الطارق (86) : الآيات 13 الى 14]
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14)
جواب القسم الثاني أي ذو فصل وكذا وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14) .
[سورة الطارق (86) : آية 15]
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15)
أي للنبي صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين.
[سورة الطارق (86) : آية 16]
وَأَكِيدُ كَيْداً (16)
أمهلهم.
[سورة الطارق (86) : آية 17]
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)
نعت لمصدر أي إمهالا رويدا. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «رويدا» قال: يقول: قريبا، وقال الحسن: قليلا.
[1]انظر معاني الفراء 3/ 255.
87 شرح إعراب سورة سبّح (الأعلى)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الأعلى (87) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى[1]
قال الفراء[1]: سبّح اسم ربك وسبّح باسم ربّك كلّ صواب. قال أبو جعفر: إن كان قدّر هذا على حذف الباء فلا يجوز: مررت زيدا، وإن كان قدّره مما يتعدّى بحرف وغير حرف فالمعنى واحد فليس كذلك لأن معنى سبّح باسم ربّك ليكن تسبيحك باسم ربّك وقد تكلّم العلماء في معنى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى بأجوبة كلّها مخالف لمعنى ما فيه الباء. فمنهم من قال: معناه نزّه اسم ربك الأعلى وعظّمه عن أن تنسبه إلى ما نسبه إليه المشركون لأنه الأعلى أي القاهر لكلّ شيء أي العالي عليه، ومنهم من قال: أي لا تقل العزّى لأنها مشتقّة من العزيز، ولا اللات لأنهم اشتقوا من قولهم الله، ومنهم من قال: معنى سبّح اسم ربّك أي اذكر اسم ربك وأنت معظم له خاشع متذلّل ومنهم من قال معناه سبح اسم ربّك في صلاتك متخشعا مشغولا بها. قال أبو جعفر: والجواب الأول أبينها كما قرئ على محمد بن جعفر عن يوسف بن موسى عن وكيع ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى[1]قال: سبحان ربي الأعلى.
الْأَعْلَى في موضع خفض نعت لربك أو لاسم، والأولى أن يكون نعتا لما عليه.
[سورة الأعلى (87) : آية 2]
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى[2]
الَّذِي خَلَقَ في موضع جرّ نعت للأعلى وإن شئت لربك، وجاز أن ينعت النعت، لأنه المنعوت في المعنى وعلى هذا جاز: يا يزيد الكريم ذو الجمّة. ومعنى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى الذي خلق الخلق فعدّل خلقه فصار كلّه حسنا في المفعول.
وَالَّذِي قَدَّرَ[2]أي قدر صورهم وأرزاقهم وأعمالهم فَهَدى قيل: فبيّن لهم،
[1]انظر معاني الفراء 3/ 256.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 453 (وقرأ الكسائي «قدر» مخفّف الدال من القدرة) .
وقيل: المعنى: فهدى وأضل، وقيل: فهداهم إلى مصالحهم.
[سورة الأعلى (87) : آية 4]
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4)
في موضع خفض عطف والمرعى ما تأكله البهائم.
[سورة الأعلى (87) : آية 5]
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (5)
مفعولان وفيه قولان: أحدهما والذي أخرج المرعى أحوى أي أخضر يضرب إلى السواد فجعله غثاء، والقول الآخر والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أسود. وهذا أولى بالصواب، وإنما يقع التقديم والتأخير إذا لم يصحّ المعنى على غيره ولا سيما وقد روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فجعله غثاء أحوى يقول: هشيما متغيّرا.
[سورة الأعلى (87) : آية 6]
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6)
فيه قولان أحدهما فلا تترك، والآخر أن يكون من النسيان. فهذا أولى لأن عليه أهل التأويل. قال مجاهد: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقرأ في نفسه لئلا ينسى، وقال عبد الله بن وهب: حدّثني مالك بن أنس في قوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى قال: تحفظ «إلّا ما شاء الله» والمعنى في القولين جميعا فليس تنسى، وهو خبر وليس بنهي، ولا يجوز عند أكبر أهل اللغة أن ينهى إنسان عن أن ينسى لأن النسيان ليس إليه.
[سورة الأعلى (87) : آية 7]
إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (7)
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ في موضع نصب على الاستثناء، وفي معناه أقوال فعلى الجواب الأول لست تترك شيئا مما أمرك الله به إلا ما شاء الله جلّ وعزّ أن ننسخه فيأمرك بتركه فتتركه، وقيل: فلست تنسى إلا ما شاء الله أن تنساه ولا يشاء الله أن تنسى منه شيئا.
وهذا قول الفراء وشبهه بقوله خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ [هود: 107] وقيل المعنى فلست تنسى إلا ما شاء الله مما يلحق الآدميين، وقيل: لست تنسى إلا ما شاء الله أن يرفعه ويرفع تلاوته فهذه أربعة أجوبة، وجواب خامس أن يكون المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء الله والله أعلم بما أراده. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ أي ما ظهر وعلن وَما يَخْفى ما كتم وما ستر أي فلا تعملوا بمعاصيه فإنه يعلم ما ظهر وما بطن.
[سورة الأعلى (87) : آية 8]
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (8)
أي للحال اليسرى.
[سورة الأعلى (87) : آية 9]
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9)
فيه قولان أحدهما فذكّر في كل حال إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع مثل سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: 81] والجواب الآخر أن الذكرى تنفع بكلّ حال فيكون المعنى كما تقول: فذكّر إن كنت تفعل ما أمرت به.
[سورة الأعلى (87) : آية 10]
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10)
قال الحسين بن واقد: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال:
[سورة الأعلى (87) : آية 11]
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11)
قال: عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف.
[سورة الأعلى (87) : آية 12]
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (12)
قال: جهنم، وقال الفراء: السفلى من أطباق النار.
[سورة الأعلى (87) : آية 13]
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (13)
في معناه أقوال: قيل: نفوس أهل النار في حلوقهم لا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها من أجسادهم فيحيوا، وقيل: لا يموتون فيستريحوا ولا يحيون حياة ينتفعون بها، وقيل: هو من قول العرب إذا كان في شدة شديدة ليس بحيّ ولا ميت كما قال: [الخفيف] 559-
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء[1]
[سورة الأعلى (87) : آية 14]
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)
في معناه قولان: روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من تزكّى من الشرك أي تطهر، وقال الحسن[2]: من تزكى من كان عمله زاكيا والقول الآخر عن قتادة قال:
من تزكّى أدّى زكاة ماله.
[سورة الأعلى (87) : آية 15]
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)
روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال وحده قال: فَصَلَّى يقول: فصلى الصلوات الخمس، وقال غيره صلّى هاهنا دعا، والصواب عند محمد بن جرير أن يكون المعنى صلّى فذكر اسم ربّه في صلاته بالتحميد والتمجيد. قال أبو جعفر: وهذا غلط على قول أهل العربية لأنه جعل ما قبل الفاء بعدها، وهذا عكس ما قاله النحويون، والصواب قول ابن عباس.
[سورة الأعلى (87) : آية 16]
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (16)
وإن شئت أدغمت اللام في التاء، وفي قراءة أبيّ «بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا»[3]وهذه قراءة على التفسير وقرأ أبو عمرو «بل يؤثرون» بالياء على أنه مردود على الأشقى.
[سورة الأعلى (87) : آية 17]
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (17)
مبتدأ وخبره.
[سورة الأعلى (87) : آية 18]
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18)
[1]مرّ الشاهد رقم (352) .
[2]انظر البحر المحيط 8/ 454.
[3]انظر معاني الفراء 3/ 257، والبحر المحيط 8/ 455.
في معناه ثلاثة أقوال: أحدها أن قوله جلّ وعزّ والآخرة خير وأبقى في الصحف الأولى، وهذا كأنه مذهب قتادة، وقيل الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى في الصحف الأولى، والقول الثالث أنه يعني به السورة كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن وكيع عن شريك عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سبّح اسم ربّك الأعلى من صحف إبراهيم وموسى والله أعلم بما أراد إلا أن قول قتادة حسن لأنه لما يليه، وسبيل الشيء أن يكون لما يليه إلّا أن تأتي حجة قاطعة تغير ذلك.
[سورة الأعلى (87) : آية 19]
صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (19)
على البدل والصحيفة الكتاب.
88 شرح إعراب سورة الغاشية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة الغاشية (88) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1)
أهل التفسير على أن معنى حديث وخبر واحد، ودلّ هذا على أن معنى حدثنا وأخبرنا واحد، ويدلّ على هذا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها [الزلزلة: 4] لأن معنى تحدّث وتخبّر واحد. ولأهل التأويل في الغاشية قولان: روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الغاشية من أسماء يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: الغاشية النار. قال أبو جعفر: والقولان متقاربان لأن القيامة تغشى الناس بأهوالها والنار في القيامة تغشى الناس بما فيها.
[سورة الغاشية (88) : الآيات 2 الى 3]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (2) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (3)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (2) مبتدأ وخبره. قال قتادة: خاشعة في النار يعني ذليلة.
واختلف أهل التأويل في قوله جلّ وعزّ: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (3) فمنهم من قال: عاملة ناصبة في الدنيا، وهذا يتأول لأنه قول عمر رضي الله عنه وتقديره في العربية وجوه يومئذ خاشعة وتمّ الكلام ثم قال: عاملة أي هي في الدنيا «عاملة ناصبة» ، ويجوز أن يكون التقدير: وجوه عاملة ناصبة يومئذ خاشعة أي يوم القيامة خاشِعَةٌ خبر الابتداء، وجاز أن يبدأ بنكرة لأن المعنى للكفار وإن كان الخبر جرى عن الوجوه، وقال عكرمة:
عاملة في الدنيا بمعاصي الله جلّ وعزّ ناصبة في النار. التقدير على هذا أن يكون التمام عاملة. وقول الحسن وقتادة إن هذه الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة وإنها لما لم تعمل في الدنيا أعملها الله في النار وأنصبها. فعلى هذا يكون عاملة ناصبة من نعت خاشعة أو يكون خبرا، وهو جواب حسن لأنه لا يحتاج فيه إلى إضمار ولا تقديم ولا تأخير.
[سورة الغاشية (88) : آية 4]
تَصْلى ناراً حامِيَةً (4)
قراءة الجماعة إلا أبا عمرو فإنه قرأ تَصْلى[1]لا نعلم غيره قرأ به واحتجّ بتسقى والمعنيان واحد لأنها تصلى فتصلي.
[سورة الغاشية (88) : آية 5]
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5)
قال عطاء: قد انتهى حرّها، وقال ابن زيد: آنية حاضرة. قال أبو جعفر.
والمعروف القول الأول وآنية هاهنا مخالفة للتقدير لقوله: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ [الإنسان: 15] وإن كان اللفظ بها واحدا لأن بآنية الألف الثانية فيها بدل من الهمزة والألف في غير الآنية زائدة، ووزنها فاعلة ووزن تلك أفعلة.
[سورة الغاشية (88) : آية 6]
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (6)
اختلف أهل التأويل في تفسير الضريع فروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال:
الضريع شجر من نار، وقال ابن زيد: الضريع الشوك من النار. وهو عند العرب شوك يابس لا ورق فيه وعن عكرمة الضريع الحجارة. وعن الحسن قولان: أحدهما الضريع الزقوم، والآخر أن الضريع الذي يضرع ويذلّ من أكله لمرارته وخشونته. قال أبو جعفر: وهذا القول جامع للأقوال كلها وقد قال عطاء: الضريع الشبرق. قال أبو جعفر: وهذا القول الذي حكاه أهل اللغة. الشبرق: شجر كثير الشوك تعافه الإبل.
[سورة الغاشية (88) : آية 7]
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)
أي لا يشبع.
[سورة الغاشية (88) : آية 8]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8)
مبتدأ وخبره، وجاء بغير واو ولو كان بالواو كان عطف جملة على جملة.
[سورة الغاشية (88) : آية 9]
لِسَعْيِها راضِيَةٌ (9)
قال أبو جعفر: يكون التقدير: بثواب عملها راضية يجوز النصب في راضية.
[سورة الغاشية (88) : آية 10]
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10)
أي بستان رفيع.
[سورة الغاشية (88) : آية 11]
لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11)
قال أبو جعفر: فيها أربع قراءات[2]إحداها شاذة وأربعة أقوال أحدها شاذ. قرأ
[1]انظر تيسير الداني 180، والبحر المحيط 8/ 457.
[2]انظر تيسير الداني 180، والبحر المحيط 8/ 458.