95 شرح إعراب سورة التين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة التين (95) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ[1]
أدغمت اللام في التاء والزاي لقربها منهما، ولا يجوز الإظهار مع لام التعريف لكثرتها في الكلام، ويجوز في غيرها وإن كانت هذه اللام قد قيل: إنها مع ما هي هاهنا اسم علم. قال محمد بن كعب: «التين» مسجد أصحاب الكهف، والزيتون «مسجد إيليا» فإن أصلها التعريف ثم وقعت التسمية وكذا قول من قال: التين دمشق، والزيتون بيت المقدس، وقول من قال: هما مسجدان أحدهما الذي كلّم الله عزّ وجلّ عليه موسى صلّى الله عليه وسلّم. فأما داود بن أبي هند فروى عن عكرمة وعن ابن عباس قال: التين تينكم هذا، والزيتون زيتونكم، قال أبو جعفر: وهذه الأقوال إذا حصّلت آلت إلى معنى واحد لأن القسم إنما هو بربّ العالمين جلّ وعزّ فالتقدير: وربّ التين والزيتون.
[سورة التين (95) : آية 2]
وَطُورِ سِينِينَ (2)
قيل: هو طور سينا بلغات، وقيل: غير هذا مما ذكرناه[1].
[سورة التين (95) : آية 3]
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)
وهذه اللغة الفصيحة. والاسم منه ذا عند البصريين، وها للتنبيه، وعند الكوفيين الاسم الذال. ولم يعرب لأنه اسم غير متمكّن ينتقل فأشبه الحروف لأنه غير ثابت على مسمّى فوجب أن لا يعرب، وقال بعض النحويين: لأن في آخره ألفا والألف لا يتحرك. قال الفرّاء: ولو حرّكت صارت همزة، وقال الخليل رحمه الله: الألف حرف هوائي فمحال أن يحرك لأنه بمنزلة الحركة ولا تحرك الحركة. قال أبو جعفر: و «ذا» اسم ظاهر يدلّ على ذلك كسر اللام معه. وقد قال بعض النحويين- جوابا لمن سأل لم
[1]انظر إعراب الآية 130- الصافات. [.....]
حرّكت المضمرات ولم تحرّك المبهمة؟: إن المضمرات في مواضع الأسماء المعربة وكانت لها مزيّة فحرّكت. قال أبو جعفر: وسمعت أبا بكر بن شقير يحكي هذا، وهو جواب حسن محصّل فأما الفرّاء فخلط الجميع فقال: من قال: هو زيد، بإسكان الواو قال: هذا زيد، ومن قال: هو زيد، قال: هذا أي زيد، ومن قال: هو زيد، بتشديد الواو قال هذاه زيد. قال أبو جعفر: وبيان التخطيط في هذا بيّن لأن قولك: هو بإسكان الواو لغة شاذة، وقولك: هذا لغة بها جاء القرآن فكيف تحاذي إحداهما الأخرى إلا أن يتجازيا من جهة أخرى على قوله وذلك أن قولك: هو، الاسم منه عنده الهاء، والاسم من هذا الذال، وهذا قوله بلا اختلاف عنه. ومن التخليط أن قولك هذّاه الهاء عنده فيه لبيان الحركة وقد أثبتها في الوصل. وزعم الفرّاء: أن الدليل على أن الاسم الذال في هذا قول العرب في التثنية هذان فأسقطوا الألف. وهذا لا يلزم لأن الألف إنما سقطت في التثنية لالتقاء الساكنين ولم يجز قلبها فيقال: هذيان ولا هذوان لأنه لا يعلم أنها منقلبة من ياء، ولا واو فتقلب إلى إحداهما فلم يبق إلا الحذف. الْبَلَدِ الْأَمِينِ نعت وإن شئت بدل، وإن شئت عطف البيان. وزعم الفرّاء[1]إن الأمين بمعنى الآمن، وأنشد: [الطويل] 575-
ألم تعلمي يا أسم ويحك أنّني ... حلفت يمينا لا أخون أميني[2]
قال أبو جعفر: وخولف الفرّاء في هذا فقيل: أمين بمعنى مأمون في الآية والبيت جميعا.
[سورة التين (95) : آية 4]
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)
تكلّم العلماء في معناه فعن ابن عباس قال: خلق كل شيء منكبّا إلّا الإنسان وقال عكرمة فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ الشباب والقوة والجلد، وقال مجاهد والنخعي فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ في أحسن صورة. وهذا أحسن ما قيل فيه لأن التقدير في العربية: في تقويم أحسن تقويم أقيم مقام المنعوت أي في تقويم أعدل تقويم وصورة.
[سورة التين (95) : آية 5]
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (5)
فيه اختلاف أيضا. فعن ابن عباس إلى أرذل العمر، وعن عكرمة إلى النار، وزعم محمد بن جرير: إن الصّواب إلى أرذل العمر أي إلى الهرم، ويكون هذا لخاص من الناس، واستدل على صواب هذا إن الله جلّ وعزّ إنما عدد ما شاهدوه من قدرته من
[1]انظر معاني الفراء 3/ 276.
[2]الشاهد بلا نسبة في مقاييس اللغة 1/ 134، وتاج العروس (أمن) ، ومعاني الفراء 3/ 276، وتفسير الطبري 30/ 241.
خروج الإنسان من الشباب إلى الهرم ولا يعدّد عليهم ما لا يقرون به من دخول النار.
وقال غيره: هذا لا يلزم لأن حجج الله ظاهرة، وقد ظهرت آيات نبيه صلّى الله عليه وسلّم فوجب أن يكون كل ما أخبر به بمنزلة المعاين.
[سورة التين (95) : آية 6]
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)
من قال: المعنى إلى أسفل سافلين إلى النار جعل الَّذِينَ آمَنُوا في موضع نصب استثناء من الهاء التي في رددناه لأنها بمعنى جمع، ومن قال إلى أسفل سافلين: إلى أرذل العمر جعل «الذين» استثناء ليس من الأول، وقيل في الكلام حذف الاستثناء منه.
والتقدير ثم رددناه إلى الهرم والخرف حتى صار لا يقدر على عبادة الله جلّ وعزّ وأداء فرائضه، ولا يكتب له شيء لهم مثل ما كانوا يعملون. روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قال يقول غير منقوص.
[سورة التين (95) : آية 7]
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)
تكلّم النحويون في هذه الكلمة وفي بيانها واختلاف حركتها وتنوينها وغير تنوينها ببضعة عشر جوابا: فمن ذلك أن النحويين مجمعون على أن قبل وبعد إذا كانا غايتين فأصلهما إلا يعربا، وأجابوا في علّة ذلك بأجوبة فمن أصحّها أن سبيل تعريف الأسماء أن تكون الألف واللام أو بالإضافة إلى معرفة فلمّا كانتا قد عرّفتا بغير تعريف الأسماء وجب بناؤهما، وقال علي بن سليمان: لمّا كانتا متعلّقتين بما بعدهما، وقيل: لما لم يتصرّفا بوجوه الإعراب ولم يتمكّنا وجب لهما البناء، فهذه ثلاثة أجوبة فإن قيل: لم وجبت لهما الحركة؟ فالجواب أن سيبويه[1]قال: وأما المتمكن الذي جعل في موضع بمنزلة غير المتمكّن فقولهم: ابدأ بهذا أوّل، ويا حكم أقبل، وشرح هذا أن أول وقبل وبعد لما وجب ألا يعربن في موضع وقد كنّ يعربن في غيره كره أن يخلين من حركة فضممن فإن قيل: فلم لا فتحن أو كسرن؟ في هذا السؤال خمسة أجوبة منها أن الظروف يدخلها النصب والخفض إذا لم تعتلّ فلا يدخلها الرفع فلما اعتلّت ضمّت لأن الضمة من جنس الرفع الذي لا يدخلها في حال سلامتها، وقيل: لمّا أشبهت المنادى المفرد أعطيت حركته، وقيل: لما كانت غاية أعطيت غاية الحركات، فهذه ثلاثة أجوبة في الضم للبصريين لا نعلم لهم غيرها، والجوابان الآخران للكوفيين: قال الفرّاء[2]: لما تضمّنت قبل وبعد معنيين ضمّتا. قال أبو جعفر: وشرح هذا أنهما تضمّنتا معناهما في أنفسهما ومعنى ما بعدهما فأعطيتا أثقل الحركات، وقال هشام: لم يجز أن يفتحا فيكونا كأنهما مضافتان إلى ما بعدهما ولا يكسران فيكونا كالمضاف إلى
[1]انظر الكتاب 3/ 319.
[2]انظر معاني الفراء 2/ 321.
المخاطب فلم يبق إلّا الضم. قال أبو جعفر: فهذه تسعة أجوبة، وأجاز الفرّاء آتيك بعد يا هذا، بالضم والتنوين وأنشد: [الطويل] 576-
ونحن قتلنا الأزد أزد شنوءة ... فما شربوا بعد على لذّة خمرا[1]
قال أبو جعفر: وهذا خارج عما جاء به القرآن وكلام العرب والمعقول لا حجّة له في البيت إن كان يعرف قائله لأنه بغير تنوين جائز عند أهل العلم بالعروض، كما أنشدوا: [الطويل] 577-
شاقتك أحداج سليمى بعاقل ... فعيناك للبين تجودان بالدّمع[2]
وأجاز أيضا رأيتك بعدا يا هذا. قال أبو جعفر: فهذا نظير. ذلك أن يكون أراد النكرة وأجاز هشام رأيتك بعد يا هذا، جعله منصوبا وأضمر المضاف إليه فكأنه زعم أن قد نطق به لما كان في النية، وزعم الفراء والأخفش: أنّ المعنى فمن يكذبك بعد بالدين. قال أبو جعفر: وهذا لا يعرج عليه، ولا تقع «ما» بمعنى «من» إلا في شذوذ، والمعنى هاهنا صحيح أي فما يحملك يا أيّها المكذب فأيّ شيء يحملك على التكذيب بعد ظهور البراهين والدلائل بالدين الذي جاء بخبره من أظهر البراهين.
[سورة التين (95) : آية 8]
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8)
أي في تدبيره وصنعه لا يدخل دينك فساد ولا تفاوت، وليس كذا غيره.
[1]الشاهد بلا نسبة في إصلاح المنطق 146، وأوضح المسالك 3/ 158، وخزانة الأدب 6/ 501، والدرر 3/ 109، وشرح الأشموني 2/ 322، وشرح التصريح 2/ 50، وشرح شذور الذهب 137، ولسان العرب (بعد) و (خفا) والمقاصد النحوية 3/ 436، وهمع الهوامع 1/ 209، ومعاني الفراء 2/ 321.
وفي رواية «الأسد أسد خفيّة» .
[2]لم أعثر عليه في المراجع التي بين يديّ.
96 شرح إعراب سورة القلم (العلق)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة العلق (96) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ[1]
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في موضع جزم على قول الكوفيين. والعامل فيه عند الفرّاء لام محذوفة، وعلامة الجزم حذف الضمة. وهو عند البصريين غير معرب لأنه لا يضارع الأسماء فيعرب، وحكى أبو زيد والكسائي «أقر»[1]على بدل الهمزة فيصير كقولك:
اخش، ومثل هذا قول زهير: [الطويل] 578- وإن لا يبد بالظّلم يظلم[2]وقد قيل: إن على هذا قراءة الجماعة أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة: 61] وأنه مأخوذ من الدناءة. الَّذِي خَلَقَ في موضع خفض نعت لربك أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ أو في موضع نصب بمعنى أعني.
[سورة العلق (96) : آية 2]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ[2]
الإنسان بمعنى جماعة فلذلك قال: علّق وهو جمع علقة.
[سورة العلق (96) : آية 3]
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)
وحذف المفعول أي اقرأ ما أنزل إليك وربك الأكرم لا يخليك من الثواب على قراءتك.
[سورة العلق (96) : آية 4]
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)
نعت للذي الأول.
[1]انظر البحر المحيط 8/ 488، والإتحاف 272.
[2]مرّ الشاهد رقم (16) .
[سورة العلق (96) : الآيات 5 الى 6]
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6)
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) مفعولان. ومن قال: إن كَلَّا تمام في جميع القرآن قال: المعنى ليس يجب أن يدعوا التفكّر فيما بيّنه الله من خلقكم مما يدلّ على وحدانيته، وأنه لا شبه له. إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى جاء على فعل يفعل لأنّ فيه الغين.
[سورة العلق (96) : آية 7]
أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7)
[1]فجاء المفعول متصلا، ولم يستعمل رأى نفسه، لأنه من أخوات ظننت.
[سورة العلق (96) : آية 8]
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (8)
في موضع نصب ولم يتبيّن فيه الإعراب لأن في آخره ألفا.
[سورة العلق (96) : الآيات 9 الى 12]
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12)
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) وحذف الجواب لعلم السامع، وكذا أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12) .
[سورة العلق (96) : آية 13]
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13)
أي مع منعه من الصلاة إن كذّب الله ورسوله وتولّى عن طاعته.
[سورة العلق (96) : الآيات 14 الى 16]
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16)
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) أي يراه ويعلم فعله فيعاقبه عليه ومن قال كَلَّا التمام قال:
المعنى: ليس الأمر على ما قدره من أنه يتهيّأ له أن يمنعه من الصلاة لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ حذفت الياء للجزم، ومن أثبتها في غير القرآن قدّرها متحركة لَنَسْفَعاً[2]الوقف عليه بالألف فرقا بينه وبين النون الثقيلة ولأنه بمنزلة قولك: رأيت زيدا، كما قال: [الطويل] 579- ولا تحمد الشّيطان والله فاحمدا[3]بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16) .
على البدل. والفراء[4]على التكرير، وأجاز ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ لأنها نكرة بعد معرفة.
[سورة العلق (96) : آية 17]
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17)
[1]انظر تيسير الداني 181 (قرأ قنبل بقصر الهمزة والباقون بمدّها) .
[2]انظر البحر المحيط 8/ 490.
[3]مرّ الشاهد رقم (173) .
[4]انظر معاني الفراء 3/ 279، والبحر المحيط 8/ 491.
حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه اتّساعا أي أهل ناديه.
[سورة العلق (96) : آية 18]
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18)
كتب بغير واو على الإدراج، ولا يجوز الوقف عليه.
[سورة العلق (96) : آية 19]
كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)
كَلَّا لا تُطِعْهُ أي في ما ينهاك عنه من الضلالة وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ إلى الله جلّ وعزّ بطاعته فإنه يعظّمك ويمنع منك. وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد من الله تعالى إذا كان ساجدا فأكثروا من الدعاء في السجود فإنه قمن أن يستجاب لكم»[1].
[1]ذكره البغوي في شرح السنة 3/ 151، والمتقي الهندي في كنز العمال (3328) ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 2/ 690.
97 شرح إعراب سورة ليلة القدر (القدر)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة القدر (97) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ[1]
إِنَّا أصله إنّنا فحذفت النون لاجتماع النونات ولأنها زائدة أَنْزَلْناهُ النون والألف في موضع رفع بالفعل، وأسكنت اللام لاتصالها بالمضمر المرفوع اتباعا لما تتوالى فيه الحركات والهاء في موضع نصب، وحذفت الواو بعدها لسكونها وسكون الألف، وإن الهاء ليست بحاجز حصين لخفائها وبعدها، وقيل: لاجتماع حرفي مدّ ولين فحذف أحدهما، والهاء كناية عن القرآن، وإن كان لم يتقدم له ذكر في هذه السورة، وأكثر النحويين يقولون: لأنه قد عرف المعنى، كما قال: [الطويل] 580- ألا ليتني أفديك منها وأفتدي[1]ومن العلماء من يقول: جازت الكناية في أول السورة لأن القرآن كلّه بمنزلة سورة واحدة لأنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا وسنذكر هذا بإسناده، وقول ثالث بيّن حسن وهو: إنّا أنزلناه يدلّ على الإنزال والمنزل، كما حكى النحويون[2]: من كذب كان شرّا له، لأن كذب يدلّ على الكذب، وأخفيت ليلة القدر على الناس إلّا ما جاء في الحديث من أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان فقيل: إنما أخفيت لفضل العمل فيها لئلا يدع الناس العمل في غيرها والاجتهاد ويتّكلوا على فضل العمل فيها، وقيل: لأنها مختلفة تكون في سنة لثلاث وعشرين ثم يكون في غيرها. وأما الحديث في تنزيل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فصحيح غير مدفوع عند أهل السّنّة وإنّما يدفعه قول من أهل الأهواء كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في
[1]الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه 29، والدرر 2/ 269، وبلا نسبة في الإنصاف 1/ 96 وصدره:
«على مثلها أمضي إذا قال صاحبي» [.....]
[2]انظر الكتاب 2/ 412.