[سورة عبس (80) : آية 7]
وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7)
والأصل يتزكّى.
[سورة عبس (80) : آية 8]
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (8)
في موضع نصب على الحال وكذا
[سورة عبس (80) : آية 9]
وَهُوَ يَخْشى (9)
ويجوز أن تكون الجملة خبرا آخر.
[سورة عبس (80) : آية 10]
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)
والأصل تتلهّى أي تتشاغل وفعل هذا صلّى الله عليه وسلّم طلبا منه لإسلام المشرك.
[سورة عبس (80) : آية 11]
كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (11)
خبر «إنّ» .
[سورة عبس (80) : آية 12]
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (12)
لأنه تأنيث غير حقيقي.
[سورة عبس (80) : الآيات 13 الى 15]
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)
قيل: يعني به اللوح المحفوظ. هذا على تفسير ابن عباس لأن سعيد بن جبير روي عنه في معنى بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) أنهم الملائكة. وروى عنه علي بن أبي طلحة أنهم الكتبة، وقال قتادة: هم القراء. والصحيح القول الأول، ومعروف في كلام العرب أنه يقال: سفر الرجل بين القوم إذا ترسّل بينهم بالصلح. والملائكة سفرة لأنهم رسل الله تعالى إلى أنبيائه صلوات الله عليهم، وهم أيضا كتبة يكتبون أفعال العباد. فهذا كله غير متناقض إلّا أن وهب بن منبّه قال: السّفرة الكرام البررة أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم. وبررة جمع بار، وأبرار جمع بر.
[سورة عبس (80) : آية 17]
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17)
قال مجاهد: إذا قال الله تعالى: قتل الإنسان أو فعل به فهو الكافر. ومعنى قتل أهلك لأن المقتول مهلك، وقيل: قتل لعن ما أكفره الأولى أن تكون «ما» استفهاما أي ما الذي أكفره مع ظهور آيات الله جلّ وعزّ وانعامه عليه، وقيل هو تعجب.
[سورة عبس (80) : الآيات 18 الى 20]
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ أي وإنما خلق من قذر، وإنما ينبل بطاعة الله. وأولى ما قيل في معنى ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) قول عبد الله بن الزبير رحمه الله أنّه يسّره أي سهل عليه حتى خرج من الرحم، والتقدير في العربية: ثم للسبيل وحذف اللام لأنه ممّا يتعدّى إلى مفعولين أحدهما بحرف.
[سورة عبس (80) : آية 21]
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21)
أي صيّره ذا قبر أي أن نقبر، وأما الدافن فيقال له: قابر كما قال: [السريع]
539-
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم يتنقل إلى قابر»
[سورة عبس (80) : آية 22]
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22)
أي أحياه، والتقدير: إذا شاء أنشره. يقال أنشره الله فنشر فهو منشر وناشر كما قال: [السريع] 540-
حتّى يقول النّاس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت النّاشر[2]
[سورة عبس (80) : آية 23]
كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (23)
من النحويين من يجعل «كلّا» تماما في جميع القرآن أي كلا ليس الأمر كما يقول الكافر قد قضيت ما عليّ، ومن النحويين من يجعلها في جميع القرآن مبتدأة، ومنهم من يفصلها وهذا يمرّ في التمام مشروحا إن شاء الله.
[سورة عبس (80) : الآيات 24 الى 26]
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26)
تمام على قراءة المدنيين وأبي عمرو وعلى قراءة الكوفيين ليس بتمام لأنهم يقرءون أَنَّا[3]بمعنى لأنّا، ولا يجوز أن يكون بدلا من طعام على ما تأوّله أبو عبيد لأن وجوه البدل قد بينها النحويون ولا يدخل فيها هذا.
ومعنى صَبًّا وشَقًّا التوكيد، وكذا هذه المصادر.
[سورة عبس (80) : الآيات 27 الى 31]
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدائِقَ غُلْباً (30) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31)
وعن ابن عباس أنه قال بين يدي عمر: نبات الأرض السبعة فقال له ما أفهم ما تقول، فقال فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا (29) وَحَدائِقَ غُلْباً (30) أي ملتفة وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) أي مرعى الأنعام. قال عمر: هكذا فتكلّموا كما تكلّم هذا الفتى وروى عنه ابن أبي طلحة الأب ما لأن من الثمار.
[سورة عبس (80) : آية 32]
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (32)
نصب على المصدر.
[سورة عبس (80) : آية 33]
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33)
روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال القيامة، وقال عكرمة النفخة الأولى، وقال الحسن: يصيخ لها كلّ شيء أي يصمت لها كلّ شيء.
(1) الشاهد للأعشى في ديوانه 189، ومقاييس اللغة 5/ 47 والبحر المحيط 8/ 420، وتفسير الطبري 30/ 56، والخزانة 2/ 110.
[2]مرّ الشاهد رقم (58) .
[3]انظر تيسير الداني 178.
[سورة عبس (80) : الآيات 34 الى 36]
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)
قيل: يفرون لما بينهم من المطالبة فيخافون ذلك، وقيل: يفرّون لأن بعضهم يستحي من بعض فيكره أن يرى ما ينزل به من الفضيحة.
[سورة عبس (80) : آية 37]
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)
أي يشغله عن غيره.
[سورة عبس (80) : آية 38]
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ رفع بالابتداء وإن كان نكرة للفائدة التي فيه، والخبر مُسْفِرَةٌ.
[سورة عبس (80) : آية 39]
ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)
نعت. قال ابن زيد: القترة[1]ما علا من الغبار، ويروى أنه إذا قيل للبهائم: كوني ترابا صار ذلك التراب غبرة في وجوه الكفار.
[سورة عبس (80) : آية 42]
أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
تكون هم فاصلة أو مبتدأة والْفَجَرَةُ خبر والجملة خبر أولئك.
[1]انظر البحر المحيط 8/ 421 (قرأ الجمهور «قترة» بفتح التاء وابن أبي عبلة بإسكانها) .
81 شرح إعراب سورة إذا الشمس كورت (التكوير)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة التكوير (81) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ[1]
رفعت الشّمس بإضمار فعل مثل الثاني لأن إِذَا بمنزلة حروف المجازاة لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مضمرا. وعن أبيّ بن كعب كُوِّرَتْ ذهب ضوءها، وعن ابن عباس أظلمت. قال أبو جعفر: يقال: كوّر الشيء وكبّر الشيء إذا لفّ ورمي به، وفي الحديث «نعوذ بك من الحور بعد الكون»[1]أي من الرجوع بعد أن كان أمرنا ملتئما، ويروى «بعد الكور» .
[سورة التكوير (81) : آية 2]
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ[2]
رفعت النجوم بإضمار فعل أيضا. قال أبيّ: انْكَدَرَتْ تناثرت، وقال ابن عباس: بعثرت.
[سورة التكوير (81) : آية 3]
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (3)
بإضمار فعل أيضا.
[سورة التكوير (81) : آية 4]
وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (4)
[2]عُطِّلَتْ قال: أي أهملت. قال الأصمعي: العشراء النّاقة إذا أتى عليها من حملها عشرة أشهر، وقال أبو عبيدة: الناقة إذا أتى عليها من حملها ستة أشهر إلى أن تضع وبعد ذلك وهم يتفقدونها وتعزّ عليهم.
[سورة التكوير (81) : آية 5]
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5)
فيه قولان: أحدهما حشرت يوم القيامة ليعوّضها الله مما لحقها من الألم في الدنيا وقال قتادة: حشرت جمعت.
[1]أخرجه ابن ماجة في سننه الباب 20 الحديث رقم (3888) ، والدارمي في سننه 2/ 87، والترمذي، الدعاء 1/ 526.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 423 (قرأ الجمهور بتشديد الطاء، ومضر عن اليزيدي بتخفيفها) .
[سورة التكوير (81) : آية 6]
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (6)
وقرأ أبو عمرو سُجِّرَتْ[1]مخففا واحتجّ بالبحر المسجور وخالفه جماعة من أهل العلم من أهل اللغة قالوا: البحر المسجور واحد، والبحار جمع الجمع أولى بالتكثير والتشديد قالوا: والبحر المسجور بحر هذه صفته، وليس هذا مثل وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ. قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معناه ومعروف في اللغة أن يقال: سجرت الشيء ملأته كما قال: [الكامل] 541-
فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا ... مسجورة متجاورا قلّامها[2]
وقال: [المتقارب] 542-
إذا شاء طالع مسجورة ... يرى حولها النّبع والسّاسما[3]
أي مملوءة، وقيل: هذه بحار في جهنم إذا كان يوم القيامة. سجّرت أي ملئت بأنواع العذاب إلّا أن أبا العالية قال: إذا الشمس كوّرت إلى ستّ منها يراها الناس قبل أن تقوم القيامة وستّ في الآخرة بعد قيام القيامة، قال: وحدثني أبيّ بن كعب قال:
بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينا هم على ذلك تناثرت النجوم، وبيناهم على ذلك إذ وقعت الجبال وتزلزلت الأرض وهربت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن وعطلت العشار أي أهملها أهلها، واختلطت الوحوش بالناس فذلك حشرها، وقالت الجن للإنس نحن نعرف لكم الخبر فمضوا إلى البحار فوجدوها قد سعّرت نيرانا ثم تصدّعت الأرض إلى الأرض السفلى إلى السماء العليا ثم أرسلت عليهم الريح فأماتتهم.
[سورة التكوير (81) : الآيات 7 الى 8]
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8)
أي قرّبت الصالح مع الصالح هذا معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8) يقال: وأدها يئدها وأدا فهو وائد وهي موءودة إذا دفنها حية وألقى عليها التراب. واشتقاقه من وأده إذا أثقله قال هارون القارئ في حرف أبيّ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ[4]قال أبو عبيد: هذا أبين معنى. قال أبو جعفر: خولف في هذا
[1]انظر تيسير الداني 179. [.....]
[2]الشاهد للبيد في ديوانه 307، ولسان العرب (سجر) و (عرض) و (صدع) ، و (قلم) ، وتهذيب اللغة 9/ 181، وجمهرة اللغة 747، وتاج العروس (عرض) و (صدع) ، وكتاب العين 1/ 276، ومقاييس اللغة 4/ 275، ومجمل اللغة 3/ 470، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 457.
[3]الشاهد للنمر بن تولب في ديوانه 380، ولسان العرب (سمسم) ، وتاج العروس (سمسم) وبلا نسبة في جهرة اللغة 457، والمخصّص 10/ 37.
[4]انظر البحر المحيط 8/ 424، ومعاني الفراء 3/ 240.
لأنها قراءة شاذّة مخالفة للمصحف مشكلة. لأنه يجوز أن يكون التقدير سألت ربها جلّ وعزّ، وسألت قاتلها. فهذا معنى مستغلق فكيف يكون بيّنا وفي معنى سئلت قولان:
أحدهما أن المعنى طلب منها من قتلها توبيخا له فقيل لها: من قتلك؟ والمعنى الآخر أنها سئلت فقيل لها لم قتلت بغير ذنب توبيخا لقاتلها؟ كما يقال لعيسى صلّى الله عليه وسلّم: أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمي إلهين من دون الله. وزعم الفراء[1]أن مثل هذا قوله: [الكامل] 543-
الشّاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي[2]
ليس المعنى أنهما إذا لقياه فعلا هذا، وإنما المعنى والنادرين يقولان إذا لقيناه قتلناه، وصحّ عن ابن عباس أنه استدلّ بهذه الآية على أن الأطفال كلّهم في الجنة قال:
لأن الله جلّ وعزّ قد انتصر لهم ممن ظلمهم. قال صلّى الله عليه وسلّم: «الله أعلم بما كانوا عاملين» .
[سورة التكوير (81) : آية 10]
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10)
كذا قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم[3]، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي نُشِرَتْ والحجة لهم صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: 52] وهذا ليس من الحجج الموجبة لترك ما قرأ به من تقوم بقراءته الحجّة لأن نشرت يقع للقليل والكثير عند النحويين والقراءتان صحيحتان.
[سورة التكوير (81) : آية 11]
وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (11)
وقال الفراء: نزعت وطويت قال: وكذا قشطت كما تقول: كافور وقافور.
[سورة التكوير (81) : آية 12]
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12)
قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وقراءة أبي عمرو والكوفيين سُعِّرَتْ[4]ويحتجّ لهم بأن الجحيم واحد ويحتج عليهم بأن الجحيم وإن كان واحدا فالتكثير أولى به لكثرة سعّرت. قال أحمد بن عبيد يقال: جحمت النار أي أكثرت وقودها، وقال الفراء:
جحمت الجمر جعلت بعضه على بعض ورجل جاحم بخيل ضنين.
[سورة التكوير (81) : الآيات 13 الى 14]
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (14)
بإضمار فعل كالثاني، وجواب «إذا» عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (14) قيل: معناه ما وجدته حاضرا كما تقول: أحمدت فلانا أي أصبته محمودا قال قتادة: ما أحضرت من عمل.
[سورة التكوير (81) : آية 15]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15)
«لا» زائدة للتوكيد أي فأقسم بالخنس وفي معنى الخنس ثلاثة أقوال قد مر منها ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنها النجوم الخمسة، وروى سعيد عن سماك
[1]انظر معاني الفراء 3/ 240.
[2]مرّ الشاهد رقم (514) .
[3]انظر البحر المحيط 8/ 425.
[4]انظر تيسير الداني 179 (قرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الجيم والباقون بتشديدها) .
قال: سمعت خالد بن عرعرة يقول: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول:
«الخنّس» النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل. فظاهر هذا القول عام لجميع النجوم، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وعبد الرّحمن بن زيد. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الخنّس الظباء، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك وقال جابر بن زيد وإبراهيم النخعي: الخنس بقر الوحش. قال أبو جعفر: إذا كان التقدير:
فأقسم بربّ الخنس، فالمعنى واحد إلا أن القول الأول أجلها وأعرفها، وإنما يقال لبقر الوحش والظباء خنّس الواحد أخنس وخنساء كما قال: [الكامل] 544-
خنساء ضيّعت الغرير فلم ترم ... عرض الشّقائق طرفها ويغامها[1]
وواحد الخنس خانس والجمع خنس وخناس.
[سورة التكوير (81) : آية 16]
الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16)
«الجواري» في موضع خفض حذفت الكسرة من الياء لثقلها فإن كان بغير ألف ولام حذفت الياء لسكونها وسكون التنوين إذ كان جمع جارية وكذا إن سمّيت به على قول الخليل وسيبويه[2]، وأما الكوفيون ويونس فيقولون إذا سمّيت رجلا بجوار لم تصرفها في النصب والخفض فقلت: رأيت بواري ومررت بجواري، وقيل في الرفع هؤلاء جواري بإسكان الياء. قال الخليل: هذا خطأ لأنه كان يجب أن يقال على هذا:
هذا جواري فأعلم بضم الياء، قال: ولا يكون أثقل من فواعل إذا سميت به. قال سيبويه[3]: سألت الخليل عن امرأة تسمى بقاض فقال: هي مجراة في الرفع والخفض، تقول: مررت بقاض وهذه قاض. قال أبو جعفر: وقول يونس والكوفيين: مررت بقاضي وهذا قاضي فاعلم الْكُنَّسِ جمع كانس ويقال: كنّاس.
[سورة التكوير (81) : الآيات 17 الى 18]
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18)
وَاللَّيْلِ عطف على «الخنس» ، وليست الواو واو قسم إِذا عَسْعَسَ قال الفرّاء:
أجمع المفسرون على أنه إذا أقبل، وهذا غلط. روى مجاهد عن ابن عباس «إذا عسعس» إذا أدبر. قال الضحّاك إِذا تَنَفَّسَ إذا أضاء وأقبل.
[سورة التكوير (81) : آية 19]
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)
جواب القسم، وأجاز الكسائي «أنه» بالفتح أي أقسم أنه وتابعه على ذلك محمد بن يزيد النحويّ.
[1]الشاهد للبيد في ديوانه 308، ولسان العرب (بغم) ، وتاج العروس (خنس) و (شفق) و (بغم) ومقاييس اللغة 3/ 172، والمخصّص 8/ 41، وبلا نسبة في كتاب العين 4/ 199.
[2]انظر الكتاب 3/ 344.
[3]انظر الكتاب 3/ 344.
[سورة التكوير (81) : آية 20]
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)
ذِي قُوَّةٍ نعت لرسول أي ذي قوة على أمر الله جلّ وعزّ وطاعته عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ نعت أيضا أي ذي منزلة رفيعة.
[سورة التكوير (81) : آية 21]
مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)
مُطاعٍ ثَمَّ أي مطاع في السموات أَمِينٍ على وحي الله جلّ وعزّ ورسالاته فهذا التمام.
[سورة التكوير (81) : آية 22]
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22)
أي ليس خطابه ولا بيانه ولا فعله فعل مجنون.
[سورة التكوير (81) : آية 23]
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)
والهاء تعود على الرسول وهو جبريل صلّى الله عليه وسلّم كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن يزيد بن هارون ثنا داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين الله تعالى يقول: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) فقالت أنا أول من سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «ذاك جبريل صلّى الله عليه وسلّم لم أره على صورته التي خلق عليها إلا مرتين قد هبط من السماء قد سدّ عظم خلقه ما بين السماء والأرض»[1].
[سورة التكوير (81) : آية 24]
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24)
قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع ويحيى والأعمش وحمزة، ويقال: إنها في حرف أبيّ بن كعب كذلك وقرأ ثلاثة من الصحابة «بظنين»[2]كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن علي بن عبد الله المديني عن سفيان عن عمرو، قال: سمعت ابن عباس يقرأ «بظنين» بالظاء، وروى شعبة عن مغيرة عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرأ بظنين بالظاء، وقال عروة سمعت عائشة تقرأ بالظاء. وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، ولا اختلاف بين أهل التفسير واللغة أن معنى «بظنين» بمتّهم و «بضنين» ببخيل فالقراءتان صحيحتان قد رواهما الجماعة إلّا أنه في السواد بالضاد، وعدل أبو عمرو والكسائي وهما نحويا القراءة إلى القراءة. «بظنين» لأنه يقال: فلان ظنين على كذا أيّ متّهم عليه، وظنين بكذا وإن كانت حروف الخفض يسهل فيها مثل هذا، وعدل أبو عبيد أيضا إليها لأنه ذكر أنه جواب لأنهم كذّبوه. وهذا الّذي احتجّ به لا نعلم أحدا من أهل العلم يعرفه ولا يرى أنه جواب، ولا هو عندهم
[1]مرّ في إعراب الآيات 11- 13 من سورة النجم.
[2]انظر البحر المحيط 8/ 426، وتيسير الداني 179.