5 ـ استخراج المصادر التي استند إليها السيّد الشهيد بتسجيل أقربها غلى مرامه وأكثرها مطابقة مع النصّ ؛ ذلك لأنّ المؤلّف يستخدم النقل بالمعنى ـ في عددٍ من كتبه وآثاره ـ معتمداً على ما اختزنته ذاكرته من معلومات أو على نوع من التلفيق بين مطالب عديدة في مواضع متفرّقة من المصدر المنقول عنه ، وربّما يكون بعض المصادر مترجماً وله عدّة ترجمات ؛ ولهذا تُعدّ هذه المرحلة من أشقّ المراحل .
6 ـ إضافة بعض الملاحظات في الهامش للتنبيه على اختلاف النسخ أو تصحيح النصّ أو غير ذلك ، وتُختم هوامش السيّد الشهيد بعبارة (المؤلّف(قدّس سرّه)) تمييزاً لها عن هوامش التحقيق .
وكقاعدة عامّة ـ لها استثناءات في بعض المؤلّفات ـ يُحال الابتعاد عن وضع الهوامش التي تتولّى عرض مطالب إضافيّة أو شرح وبيان فكرةٍ ما أو تقييمها ودعمها بالأدلّة أو نقدها وردّها .
7 ـ تزويد كلّ كتاب بفهرس موضوعاته ، وإلحاق بعض المؤلّفات بثبت خاص لفهرس المصادر الواردة فيها .
وقد بسطت الجهود التحقيقيّة ذراعيها على كلّ ما أمكن العثور عليه من نتاجات هذا العالم الجليل ، فشملت كتبه ، وما جاد به قلمه مقدمةً أو خاتمةً لكتب غيره ثمّ طُبع مستقلاًّ في مرحلة متأخرة ، ومقالاته المنشورة في مجلاّت فكريّة وثقافيّة مختلفة ، ومحاضراته ودروسه في موضوعات شتّى ، وتعليقاته على بعض الكتب الفقهيّة ، ونتاجاته المتفرّقة الأُخرى ، ثمّ نُظّمت بطريقة فنّية وأُعيد طبعها في مجلّدات أنيقة متناسقة .
والكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم ( اقتصادنا ) كتبه السيّد الشهيد تلبيةً
للضرورة الإسلاميّة والحاجة المُلحّة التي برزت في الساحة بعد الغزو الفكري الذي شنّته الحضارة الغربيّة والشرقيّة على الأُمّة الإسلامية ، فوُجد في أبنائها من يأخذ بتلك الأفكار والقيم ويتأثّر بها بحرارة وشغف ، فتصدّى الإمام الصدر في كتابه هذا ـ مضافاً غلى بعض كتاباته الأُخرى ـ لنسف أُسس المدرستين الرأسمالية والماركسيّة ومناقشة مذهبيهما بدقّة علميّة عالية ، وعرض النظريّة الاقتصاديّة في الإسلام .
كانت هذه المحاولة هي البداية الراسخة في مجال التأسيس العلمي للاقتصاد الإسلامي .
يقول الأُستاذ الدكتور محمّد المبارك وهو بصدد الحديث عن الدراسات التي أُنجزت في ميدان الاقتصاد الإسلامي :
( 4 ـ اقتصادنا للبحّاثة الإسلامي المفكّر السيّد محمّد باقر الصدر ، وهو أوّل محاولة علميّة فريدة من نوعها لاستخراج نظريّة الإسلام الاقتصاديّة من أحكام الشريعة من خلال استعراضها استعراضاً تفصيليّاً بطريقةٍ جمع فيها بين الأصالة الفقهيّة ومفاهيم علم الاقتصاد ومصطلحاته ، وقد جعل المؤلّف كتابه في جزأين كبيرين ، خصّص أوّلهما لعرض المذهبين الرأسمالي والماركسي ومناقشتهما ونقدهما نقداً علميّاً ، والثاني لاستخراج معالم النظريّة الإسلاميّة في الاقتصاد )[1].
وعلى الرغم من كون هذه المبادرة تأسيسيّة وبدائيّة على حدّ تعبير السيّد الشهيد إلاّ أنّها ظلّت ـ وإلى يومنا هذا ـ أحدث دراسة في مجال الاقتصاد الإسلامي بعد مرور أكثر من أربعة عقود على كتابتها ، وهي ما زالت تنتظر العقول
[1]نظام الإسلام ، الاقتصاد ، مبادئ وقواعد : 17.
المفكّرة والطاقات الإسلاميّة لمواصلة الطريق الذي فتحه السيّد الشهيد الصدر وإتمام مشروعه في الكشف عن سائر جوانب نظريّة الإسلام في الاقتصاد .
وفي مجال تحقيق المؤتمر للكتاب لا بدّ من التذكير بالنقاط التاليّة :
1 ـ قُسّم الكتاب إلى قسمين : الكتاب الأوّل والكتاب الثاني ؛ وذلك لورود هذا التعبير مراراً في كلام السيّد المؤلّف عن الكتاب .
2 ـ تمّت المقابلة الدقيقة بين الطبعات المختلفة للكتاب ، فكانت هناك أخطاء تسرّبت إلى بعض الطبعات بادرت اللجنة إلى تصحيحها ، وحصل تقديم وتأخير خاطئين في بعض المقاطع ، فأُعيد ترتيبه الصحيح ، كما أخذت اللجنة بعين الاعتبار ما أضافه السيّد المؤلّف من كلام في أثناء البحث ، ومن تعديلات لفظيّة طفيفة في الطبعات المتأخّرة ، واكتُشفت من خلال هذه المقابلة أُمور مهمّة أُخرى سيتمّ الحديث عنها في النقاط التالية .
3 ـ يبدو أنّ السيّد المؤلّف(قدّس سرّه)لم يوثّق الأحكام الفقهيّة غالباً في الطبعات الأُولى للكتاب إلاّ بآراء فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وقلّما يعرض الفتاوى السنّية في هذا المجال وقد اغتنم فرصةً بعد ذلك في الطبعات اللاحقة ، فأكثر من تأييد الأحكام الفقهيّة بفتاوى من كبار علماء السنّة أيضاً[1].
[1]ولعلّ هذه الخطوة من المؤلّف كانت علاجاً للملاحظة التي أبداها الأُستاذ محمّد المبارك على منهجيّة الكتاب. إذ قال: (وحبّذا لو أنّ المؤلّف لم يقتصر في الآراء الفقهيّة التي استند إليها على المذهب الجعفري وحده كما فعل غالباً وجعله شاملاً للمذاهب الفقهيّة الأُخرى ، إذن لكانت الصورة أكمل وأتمّ ، وإن كان هذا لا ينقص من قيمة الكتاب باعتباره معبّراً عن النظريّة الإسلاميّة ؛ لاشتراك المذاهب كلّها في هذه الآراء اشتراكاً يكاد يكون تامّاً ، ولكنّ توسيع الإطار له دلالته البعيدة وأثره المفيد ) . ( نظام الإسلام ، الاقتصاد ، مبادئ وقواعد عامّة : 17 ) .
وبدهيٌ أنّ اللجنة أثبتت هذه الإضافات ـ كسائرها ـ في تحقيقها للكتاب .
4 ـ كتب المؤلّف مقدّمةً للكتاب الثاني طُبعت في بعض الطبعات[1]، ولم تثبّت في الطبعات المتأخّرة ، ولم تعرف اللجنة سبب ذلك . والمقدّمة تحتوي على ما يتعلّق بمنهجيّة المؤلّف في بحوث الكتاب الثاني من إشارات مهمّة ذُكر بعضها في مقدّمة الطبعة الأُولى ، ولكنّها على الرغم من ذلك تشتمل على فوائد قيّمة أُخرى دعت اللجنة لإدراجها في هذه الطبعة المحقّقة .
5 ـ اضطربت الطبعات المختلفة للكتاب في ضبط ملاحقه ، فحذف بعضها وحصل اشتباه في تحديد مواقع سائرها فحقّقت اللجنّة النظر في ذلك ، وأثبتت المحذوف منها ، وأعادت المثبتة إلى مواقعها الصحيحة .
كما أنّ هناك ملحقاً ظفرت اللجنة به يعود موضوعه إلى ( مبحث الجُعالة في كتاب اقتصادنا ) لم يطبع ضمن الكتاب في كلّ طبعاته ، فأدرجته في هذه الطبعة حرصاً على إتمام الفائدة .
6 ـ قامت اللجنة بمحاولة واسعة لاستخراج النصوص المنقولة في الكتاب من مصادرها ، سواء في عرض الاقتصاد الماركسي والرأسمالي أو في شرح الاقتصاد الإسلامي ، كما أنّها أحالت القرّاء الراغبين في تحقيق البحوث إلى المصادر المناسبة الموضّحة للبحث .
وأدرجت اللجنّة أسماء المصادر ـ بما فيها المصادر الحديثيّة والفقهيّة ـ
[1]راجع طبعة دار الفكر سنة 1973م.
كاملة لكي تحدّد وتعرف حتّى لدى غير المختصّين[1].
ولا يفوتنا أن نشيد بالموقف النبيل لورثة السيّد الشهيد كافّة ، سيّما نجله البارّ (سماحة الحجّة السيّد جعفر الصدر(حفظه الله)) في دعم المؤتمر وإعطائهم الإذن الخاصّ في نشر وإحياء التراث العلمي للشهيد الصدر(قدّس سرّه).
وأخيراً نرى لزاماً علينا أن نتقدّم بالشكر الجزيل إلى اللجنة المشرفة على تحقيق تراث الإمام الشهيد ، والعلماء والباحثين كافّة الذين ساهموا في إعداد هذا التراث وعرضه بالأُسلوب العلمي اللائق ، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يتقبّل جهدهم ، وأن يمنّ عليهم وعلينا جميعهاً بالأجر والثواب ، إنّه سمع مجيب .
المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر(قدّس سرّه)
أمانة الهيئة العلميّة
[1]وبهذا عولجت الملاحظة الثانية التي سجّلها الأُستاذ محمّد المبارك على الكتاب ، حيث قال: ( وثمّة أمر آخر ، فإنّ المؤلّف ـ(حفظه الله)ـ حين يذكر مصادره ومراجعه يذكرها بأسمائها المختصرة المعروفة عند أهل المذهب ، كأن يذكر كتاب التحرير أو الإرشاد أو الإيضاح... ) ( نظام الإسلام ، الاقتصاد ، مبادئ وقواعد عامّة : 17 ) .
[ مقدّمة الطبعة الثانية ]
بسم الله الرحمن الرحيم
يسرّني أن أقدّم للطبعة الثانية لكتاب ( اقتصادنا ) وقد ازددت إيماناً واقتناعاً بأنّ الأمّة قد بدأت فعلاً تنفتح على رسالتها الحقيقية التي يمثلّها الإسلام ، وتدرك بالرغم من ألوان التَضليل الاستعماري أنّ الإسلام هو طريق الخلاص ، وأنّ النظام الإسلامي هو الإطار الطبيعي الذي يجب أن تحقّق حياتها و تفجّر طاقاتها ضمنه و تنشئ كيانها على أساسه.
وقد كان بودّي أن تتاح لي فرصة للتوسّع في بعض مواضيع الكتاب ، وتسليط المزيد من الأضواء على عدد من النقاط التي تناولها ، ولكنّي إذ لا أجد الآن مجالاً للحديث عن بحوث الكتاب فلن أدع هذه المناسبة دون كلمة عن موضوع الكتاب ذاته ، وصلة هذا الموضوع الخطير بحياة الأمّة ومشاكلها وأهمّيتها المتنامية على مرّ الزمن على الصعيد الإسلامي والصعيد البشري على السواء .
فالأمّة على الصعيد الإسلامي وهي تعيش جهادها الشامل ضدّ تخلّفها وانهيارها ، وتحاول التحرّك السياسي والاجتماعي نحو وجود أفضل وكيان أرسخ واقتصاد أغنى وأرفه ، سوف لن تجد أمامها عقيب سلسلة من محاولات الخطأ والصواب إلاّ طريقاً واحداً للتحرّك ، وهو التحرّك في الخط الإسلامي ، ولن تجد
إطاراً تضع ضمنه حلولها لمشاكل التخلّف الاقتصادي سوى إطار النظام الاقتصادي في الإسلام .
والإنسانية على الصعيد البشري ، وهي تقاسي أشدّ ألوان القلق والتذبذب بين تيّارين عالَميَّين ملغّمين بقنابل الذرّة والصواريخ ووسائل الدمار ، لن تجد لها خلاصاً إلاّ على الباب الوحيد الذي بقي مفتوحاً من أبواب السماء ، وهو الإسلام . ولنأخذ في هذه المقدّمة الصعيد الإسلامي بالحديث .
على الصعيد الإسلامي :
حينما أخذ العالم الإسلامي ينفتح على حياة الإنسان الأوروبي ويذعن لإمامته الفكرية وقيادته لموكب الحضارة بدلاً عن إيمانه برسالته الأصيلة وقيمومَتها على الحياة البشرية ، بدأ يدرك دوره في الحياة ضمن إطار التقسيم التقليدي لبلاد العالم الذي درج عليه الإنسان الأوروبي ، حين قسّم العالم على أساس المستوى الاقتصادي للبلد وقدرته المنتجة إلى : بلاد راقية اقتصادياً ، وبلاد فقيرة أو متخلّفة اقتصادياً . وكانت بلاد العالم الإسلامي كلّها من القسم الثاني ، الذي كان يجب عليه ، في منطق الإنسان الأوروبي ، أن يعترف بإمامة البلاد الراقية ويفسح المجال لها لكي تنفُث روحها فيه ، وتخطط له طريق الارتفاع .
وهكذا دشّن العالم الإسلامي حياته مع الحضارة الغربية بوصفه مجموعة من البلاد الفقيرة اقتصادياً ، ووعى مشكلته على أساس أنّها هي التخلّف الاقتصادي عن مستوي البلاد المتقدّمة الذي أتاح لها تقدّمها الاقتصادي زعامة العالم ، ولقّنته تلك البلاد المتقدمة أنّ الأسلوب الوحيد للتغلّب على هذه المشكلة والالتحاق بركب البلاد المتقدّمة ، هو اتّخاذ حياة الإنسان الأوروبي تجربة رائدة وقائدة وترسّم خطوات هذه التجربة لبناء اقتصاد كاملٍ شاملٍ قادرٍ على الارتفاع
بالبلاد الإسلامية المتخلّفة إلى مستوى الشعوب الأوروبية الحديثة .
وقد عبّرت التبعية في العالم الإسلامي لتجربة الإنسان الأوروبي الرائد للحضارة الحديثة عن نفسها بأشكالٍ ثلاثة مترتبة زمنياً ، ولا تزال ـ هذه الأشكال الثلاثة ـ متعاصرة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي .
الأوّل : التبعية السياسية التي تمثّلت في ممارسة الشعوب الأوروبية الراقية اقتصادياً حكم الشعوب المتخلّفة بصورة مباشرة .
الثاني : التبعية الاقتصادية التي رافقت قيام كيانات حكومية مستقلّة من الناحية السياسية في البلاد المتخلّفة ، وعبّرت عن نفسها في فسح المجال للاقتصاد الأوروبي لكي يلعب على مسرح تلك البلاد بأشكال مختلفة ويستثمر موادها الأولية ويملأ فراغاتها برؤوس أموال أجنبية ، ويحتكر عدداً من مرافق الحياة الاقتصادية فيها بحجّة تمرين أبناء البلاد المتخلّفين على تحمّل أعباء التطوير الاقتصادي لبلادهم .
الثالث : التبعية في المنهج التي مارستها تجارب عديدة في داخل العالم الإسلامي ، حاولت أن تستقل سياسياً وتتخلّص من سيطرة الاقتصاد الأوروبي اقتصادياً وأخذت تفكّر في الاعتماد على قدرتها الذاتية في تطوير اقتصادها والتغلّب على تخلّفها ، غير أنّها لم تستطع أن تخرج في فهمها لطبيعة المشكلة التي يجسدها تخلّفها الاقتصادي عن إطار الفهم الأوروبي لها فوجدت نفسها مدعوة لاختيار نفس المنهج الذي سلكه الإنسان الأوروبي في بنائه الشامخ لاقتصاده الحديث .
وبالرغم من اختلافات نظرية كبيرة نشأت بين تلك التجارب خلال رسم المنهج و تطبيقه ، فإنّ هذه الاختلافات لم تكن دائماً إلاّ اختلافاً حول اختيار الشكل العام للمنهج من بين الأشكال المتعدّدة التي اتّخذها المنهج في تجربة