بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 127

تنسى مطالبها ودورها السياسي ، وتستسلم إلى واقعها السيّئ . فهو على هذا أُحبولة تنسجها الطبقة الحاكمة للصيد ، وإغراء الكادحين البائسين .

تقول الماركسية هذا وهي تتغافل عن الواقع التأريخي الصارخ ، الذي يدلّل ـ بكلّ وضوح ـ على أنّ الدين كان ينشأ دائماً في أحضان الفقراء والبائسين ، ويشعّ في نفوسهم قبل أن يغمر بنوره المجتمع كلّه . فهذه هي المسيحية لم يحمل لواءها في أرجاء العالم ، وفي الإمبراطورية الرومانية على وجهٍ خاص ، إلاّ أولئك الرسل الفقراء ، الذين لم يكونوا يملكون شيئاً سوى الجذوة الروحية التي تشتعل في نفوسهم . وكذلك لم يكن التكتّل الأوّل الذي احتضن الدعوة الإسلامية ـ وكان النواة للأمة الإسلامية ـ ليضمّ ـ على الأكثر ـ إلاّ الفقراء وأشباه الفقراء ، من المجتمع المكّي . فكيف يمكن أن يُفسّر الدين على أنّه نتاج للطبقة الحاكمة ، خلقته لتخدير المضطهدين وحماية مصالحها ؟!

وإذا كان يحلو للماركسية أن تؤمن بأنّ الطبقة المالكة المسيطرة هي التي تصنع الدين لحماية مصالحها ، فمن حقّنا أن نتساءل : هل كان من مصلحة هذه الطبقة ، أن تجعل من هذا الدين أداة فعّالة في القضاء على الرأسمال الربوي الذي كان يَدُرّ عليها أرباحاً طائلة في المجتمع المكّي قبل أن يحرّمه الإسلام تحريماً باتاً ؟! أو هل كان من مصلحتها أن تتنازل عن كلّ مزاعمها الأرستقراطية فتسخّر الدين للدعوة إلى المساواة بين الناس في الكرامة الإنسانية ، بل إلى الاستهانة بالأغنياء والتنديد بتعاظمهم دون حقّ ، حتى قال المسيح :

( من أرد أن يكون فيكم عظيماً ، فليكن لكم خادماً[1]، وأنّه أيسر أن يدخل الجمل في ثقب إبرة من أن

[1]الكتاب المقدّس ، إنجيل مرقس 9 : 73 .


صفحه 128

يدخل غنيّ إلى ملكوت الله )[1].

ونجد الماركسية أحياناً أخرى تشرح تفسيرها الطبقي للدين بطريقة ثانية ، فتزعم أنّ الدين نابع من أعماق اليأس والبؤس اللذين يملآن نفوس الطبقة المضطهَدة . فالمضطهدون هم الذين ينسجون لأنفسهم الدين الذي يجدون فيه السَّلوَة ، ويستشعرون في ظلّه الأمل . فالدين إيديولوجية البائسين والمضطهَدين ، وليس من صنع الحاكمين .

ومن حسن الحظّ أن نعلم من تأريخ المجتمعات البدائية أنّ الدين ليس من الظواهر الفكرية للمجتمعات الطبقية فحسب ، بل إنّ المجتمعات البدائية التي تحسبها الماركسية تعيش في حالة شيوعية لا طبقية قد مارست هذا اللون من التفكير ، وظهرت فيها العقيدة الدينية بأشكال شتّى . فلا يمكن أن يفسّر الدين تفسيراً طبقياً أو أن يعتبر انعكاسا عقلياً لظروف الاضطهاد التي تحيط بالطبقة المستغَلّة ، ما دام قد وجد في حياة الإنسان العقلية قبل أن يوجد التركيب الطبقي ، وقبل أن يغرق الوادي بدموع البائسين والمستغَلّين . فكيف تستطيع الماركسية بعد هذا أن تجعل من الوضع الاقتصادي أساساً لتفسير الدين ؟!

وهناك شيء آخر ، فإنّ الدين إذا كان إيديولوجية المضطهَدين النابعة من واقعهم السيّئ وظروفهم الاقتصادية ، كما تزعم الماركسية في طريقتها الثانية في التفسير .. فكيف يمكن أن نفسّر وجود العقيدة الدينية منفصلة عن الواقع السيّئ ، وظروف الاضطهاد الاقتصادي ؟! وكيف أمكن لغير المضطهَدين ، أن يتقبّلوا من الطبقة المضطهدة إيديولوجيتها التي نبعت من واقعها الاقتصادي ، ودينها الذي تبشّر به ؟!

[1]الكتاب المقدّس ، إنجيل مرقس 10 : 75 .


صفحه 129

إنّ الماركسية لا يمكنها أن تنكر وجود العقيدة الدينية عند أشخاص لا يمتّون إلى ظروف الاضطهاد الاقتصادي بصلة ، وصلابة العقيدة في نفوس بعضهم إلى درجة تدفعهم إلى التضحية بنفوسهم في سبيلها . وهذا يبرهن ـ بوضوح ـ على أنّ المفكّر لا يستوحي فكره إيديولوجيته ـ دائماً ـ من واقعه الاقتصادي ؛ لأنّ الفكرة الدينية عند أولئك الأشخاص لم تكن تعبيراً عن بؤسهم وتنفيساً عن شقائهم ، وبالتالي لم تكن انعكاساً لظروفهم الاقتصادية ، وإنّما كانت عقيدة تجاوبت مع شروطهم النفسية والعقلية فآمنوا بها على أساس فكري .

ولا تكتفي الماركسية بتفسير الدين تفسيراً طبقياً اقتصادياً ، بل تذهب إلى أكثر من هذا ، فتحاول أن تفسّر تطوّره على أساس اقتصادي أيضاً . فكلّ شعب حين تطوّرت ظروفه الاقتصادية وأتاحت له إقامة مجتمع قومي مستقل ، كانت الآلهة التي يعبدها قومه آلهة قومية لا تتجاوز سلطتها حدود الأراضي القومية المدعوة إلى حمايتها . وبعد أن تلاشت قوميات هذه الشعوب بالاندماج في إمبراطورية عالمية ، هي الإمبراطورية الرومانية ، ظهرت الحاجة إلى دين عالمي أيضاً . وكان هذا الدين العالمي هو المسيحية ، التي أصبحت ديناً رسمياً للدولة بعد مرور[250]عاماً على نشأتها . وتكيّفت المسيحية بعد ذلك بالظروف الإقطاعية ، وحين بدأت تتعارض بشكلها الكاثوليكي مع القوى البورجوازية المتنامية ظهرت حركة الإصلاح الديني البروتستانتية[1].

ونلاحظ في هذا المجال أنّ المسيحية أو البروتستانتية لو كانت تعبيراً عن الحاجات الموضوعية المادّية التي تشير إليها الماركسية لكان من الطبيعي أن تولد المسيحية وتنمو في قلب الإمبراطورية الرومانية الآخذة بزمام القيادة العالمية ،

[1]راجع : لودفيج فيورباخ : 103 ـ 105 .


صفحه 130

وان تُنشأ حركة الإصلاح الديني في أكثر المجتمعات الأوروبية تطوّراً ونموّاً من الناحية البورجوازية . مع أنّ الواقع التأريخي يختلف عن ذلك تماماً .

فالمسيحية لم تنشأ في نقاط التمركز السياسي ، ولم تولد في أحضان الرومان الذين بنوا الدولة العالمية وكانوا يعبّرون في نشاطاتهم عنها ، وإنّما نشأت بعيدة عن ذلك كلّه في إقليم من الأقاليم الشرقية المستعمرة للرومان ، ونمت بين شعب يهودي مضطهد ، لم يكن ـ منذ استعمرته الإمبراطورية على يد القائد الروماني ( بمبي ) قبل الميلاد بستة عقود ـ يحلم إلاّ بالاستقلال القومي ، وتحطيم الأغلال التي تربطه بالمستعمرين ، الأمر الذي كلّفه كثيراً من الثورات وعشرات الألوف من الضحايا خلال تلك العقود الستة ، فهل كانت ظروف هذا الشعب المادّية والسياسية والاقتصادية جديرة بأن تتمخّض عن الدين العالمي الذي يلبّي حاجات الإمبراطورية المستعمرة ؟!

وحركة الإصلاح الديني التي نشأت عن طلائع التحرّر الفكري في أوروبا ، هي الأخرى لم تكن وليدة القوى البورجوازية وإن حصلت منها البورجوازية على مكاسب ، غير أنّ هذا لا يعني أنّها بوصفها إيديولوجية معيّنة قد نشأت عن مجرد التطوّر الاقتصادي البورجوازي ، وإلاّ لكانت إنكلترا أجدر بها من البلاد التي انبثقت عنها حركة الإصلاح ؛ لأنّ البورجوازية في إنكلترا كانت أقوى منها في أيّ بلد أوروبي آخر . والتطور الاقتصادي والسياسي الذي أحرزته خلال ثورات منذ عام (1215) جعلها في موضع لا تصل إلى مستواه البلدان الأخرى ، وبالرغم من ذلك لم يظهر ( لوثر ) في إنكلترا استجابة للوعي البورجوازي فيها ، وإنّما ظهر بعيداً عنها ، ومارس نشاطه ودعوته في ألمانيا[1]،

[1]راجع : قصّة الحضارة 24 : 170 وما بعدها .


صفحه 131

كما ظهر في فرنسا الزعيم الثاني للحركة في شخص ( كالفن ) البروتستانتي العنيد ، الذي جرت في فرنسا على عهده عدّة مذابح واشتباكات مروّعة بين الكاثوليك والبرتستانت ، ووقف الأمير الألماني ( وليم أورانج ) يدافع عن الحركة الجديدة بجيش جرار[1].

صحيح أنّ إنكلترا ـ بعد ذلك ـ تبنّت البروتستانتية رسمياً ، ولكنها لم تكن ـ بحال ـ من نسيج وعيها البورجوازي ، وإنّما كانت نتيجة وعي عاش في بلاد إقطاعية[2].

وإذا أخذنا فكرة الماركسية عن التطوّر التأريخي للأديان ، لنطبّقها على الإسلام ، الدين العالمي الآخر ، لوجدنا مدى التناقض الفاضح بين الفكرة والواقع . فلئن كانت أوروبا دولة عالمية تتطلّب ديناً عالمياً ، فلم تكن في جزيرة العرب دولة عالمية كذلك ، بل لم تكن توجد دولة قومية تضمّ الشعب العربي ، وإنّما كان العرب موزّعين فئات متعدّدة ، وكان لكلّ قبيلة إلهها الذي تؤمن به وتتذلّل إليه وتصنعه من الحجر ، ثمّ تدين له بالطاعة والعبودية ، فهل كانت هذه الظروف المادّية والسياسية تدعو إلى انبثاق دين عالمي واحد من قلب تلك الجزيرة المبضّعة ، وهي بعدُ لم تعرف كيف تدرك وجودها كقوم وشعب ، فضلاً عن أن تعي وحدة من نمط أرقى تتمثّل في دين يوحّد العالم برمّته !! وإذا كانت الآلهة الدينية تتطوّر من آلهة قومية إلى إله عالمي تبعاً للحاجات المادّية والأوضاع السياسية ، فكيف طفر العرب من آلهة قَبَلِية يصنعونها بأيديهم إلى إله عالمي دانوا له بأعلى درجات التجريد ؟!

[1]راجع : قصّة الحضارة 24 : 235 ـ 239 .

[2]المصدر السابق 28 : 20 .


صفحه 132

ب ـ الفلسفة :

والفلسفة في رأي الماركسية هي الأخرى أيضاً مظهر عقلي للحياة المادّية والشروط الاقتصادية التي يعيشها المجتمع ، ونتاج حتمي لها .

قال كونستانتينوف :

( من القوانين المشتركة بين جميع التكوينات الاجتماعية والصالحة ـ على الخصوص_ للمجتمع الاشتراكي يمكن أن نذكر القانون القائل : إنّ الوجود الاجتماعي يحدّد الإدراك الاجتماعي . إنّ الأفكار الاجتماعية والسياسية والحقوقية والفنّية والفلسفية هي انعكاس للشروط المادّية في الحياة الاجتماعية )[1].

وموقفنا تجاه هذا يتلخّص في كلمات ، فنحن لا ننكر بالمرة الصلّة بين الفكر والشروط المادّية والاقتصادية التي يعيشها المفكّرون ، كما أنّنا لا ننكر ما للفكر من نظام وقوانين ، لأنّه بوصفه ظاهرة من ظواهر الكون يخضع لما تخضع له تلك الظواهر من قوانين ، ويجري وفقاً لمبدأ العلية . فلكلّ عملية إيديولوجية أسبابها وشروطها التي ترتبط بها كما ترتبط كلّ ظاهرة بأسبابها وشروطها . ولكنّ الأمر الذي نختلف فيه مع الماركسية هو تحديد هذه الأسباب والشروط .

فالماركسية ترى أنّ السبب الحقيقي لكلّ عملية إيديولوجية إنّما يكمن في الشروط الاقتصادية والمادّية . فلا يمكن ـ في رأيها ـ أن نفسّر الفكرة في ضوء علاقاتها بالأفكار الأخرى وتفاعلاتها معها ، وعلى أساس الشروط السيكولوجية والعقلية ،

[1]دور الأفكار التقدّمية في تطوير المجتمع : 8 .


صفحه 133

وإنّما يمكن تفسيرها ـ فقط ـ عن طريق العامل الاقتصادي . فليس للفكر تأريخ مستقل أو تطوّر خاص له ، وإنّما هو تأريخ للانعكاسات الحتمية التي تثيرها في العقل الإنساني ظروف المجتمع الاقتصادية والمادّية ، والطريقة العلمية التي يمكن أن نختبر بها هذه الحتمية أن نقارن بين النظرية ومجرى الأحداث في مجرى الحياة العقلية والاجتماعية للإنسان .

وللماركسية نصوص عديدة في شرح هذه النظرية وتطبيقها على الحقل الفلسفي . فهي تارة تفسّر الفلسفة بحالة القوى المنتجة ، وأخرى تفسّرها بمستوى العلوم الطبيعية ، وثالثة تعتبرها ظاهرة طبقية تحدّدها ظروف التركيب الطبقي في المجتمع ، كما سنرى في النصوص الآتية :

قال الفيلسوف الشيوعي البريطاني ( موريس كونفورث ) :

( شيء آخر تجدر بنا ملاحظته ، ذلك هو تأثير المخترعات التكنيكية والاكتشافات العلمية على ظهور الأفكار الفلسفية )[1].

ويريد بهذا أن يربط بين التفكير الفلسفي وتطوّر وسائل الإنتاج ، ويوضح هذه الرابطة في مجال آخر بتقديم نموذج لها من مفهوم التطوير الذي ساد العقلية الفلسفية بسبب التطوّر الثوري في قوى الإنتاج ، فهو يقول :

( إنّ التقدّم نحو المفاهيم التطوّرية في العلم ـ والذي أعرب عن اكتشاف التطوّر الحقيقي في الطبيعة والمجتمع ـ كان يطابق تطوّر الرأسمالية الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر ، بيد أنّ هذا التطابق لم يكن مجرّد تطابق

[1]المادّية الديالكتيكية : 40 .


صفحه 134

فحسب ، بل كان يعبّر عن علاقة سببية ... لا تعيش البورجوازية إلاّ إذا أدخلت تغييرات ثورية مستمرّة على أدوات الإنتاج ... كانت هذه هي الشروط التي أدّت إلى ظهور مفهوم التطوّر العام في الطبيعة والمجتمع ، ولذلك فإنّ مهمّة الفلسفة في تعميم قوانين التغيّر والتطوّر لا تنتج من مكتشفات العلوم فحسب ، بل ومن الكلّ المعقّد لحركة المجتمع الحديث بكلّيته )[1].

وهكذا فإنّ أدوات الإنتاج كانت تتطوّر وتتجدّد ، فتقذف إلى عقل الفلاسفة مفاهيم التطوّر التي قضت على النظرة الفلسفية الجامدة إلى الكون وحوّلتها إلى نظرة ثورية تطابق التطوّرات المتواصلة في أدوات الإنتاج .

ونكتفي هنا بالقول : بأنّ التطوّرات الثورية في أدوات الإنتاج بدأت في أواخر القرن الثامن عشر ، كما أشار إلى ذلك (كونفورث ) نفسه ، أي : بعد اختراع الآلة البخارية سنة 1764 ، التي تعتبر أوّل ثورة حقيقية في وسائل الإنتاج ، ومفهوم التطوّر ـ على أساس مادّي ـ سبق هذا التأريخ على يد إمام من كبار أئمّة الفلسفة المادّية الذي تشيد الماركسية بمجدهم وآرائهم وهو ( ديدرو )[2]الذي طلع على دنيا الفلسفة في النصف الأوّل من القرن الثامن عشر بمادّية صبّها في إطار من التطوّر الذاتي ، فقال : بأنّ المادة تتطوّر بنفسها وفسّر الحياة على أساس التطوّر . فالأحياء عنده تتطوّر ابتداءً من خليّة تحدثها المادة الحيّة ، بحيث تحدث

[1]ملخّصات من المصدر السابق : 8 ـ 9 .

[2]ولد سنة 1713 ، ونشر خواطره الفلسفية سنة 1754م ، واستمر في التأليف والنشر حتى مات سنة 1784. (المؤلّف(قدّس سرّه)) . انظر المورد 3 : 192 .