بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 134

فحسب ، بل كان يعبّر عن علاقة سببية ... لا تعيش البورجوازية إلاّ إذا أدخلت تغييرات ثورية مستمرّة على أدوات الإنتاج ... كانت هذه هي الشروط التي أدّت إلى ظهور مفهوم التطوّر العام في الطبيعة والمجتمع ، ولذلك فإنّ مهمّة الفلسفة في تعميم قوانين التغيّر والتطوّر لا تنتج من مكتشفات العلوم فحسب ، بل ومن الكلّ المعقّد لحركة المجتمع الحديث بكلّيته )[1].

وهكذا فإنّ أدوات الإنتاج كانت تتطوّر وتتجدّد ، فتقذف إلى عقل الفلاسفة مفاهيم التطوّر التي قضت على النظرة الفلسفية الجامدة إلى الكون وحوّلتها إلى نظرة ثورية تطابق التطوّرات المتواصلة في أدوات الإنتاج .

ونكتفي هنا بالقول : بأنّ التطوّرات الثورية في أدوات الإنتاج بدأت في أواخر القرن الثامن عشر ، كما أشار إلى ذلك (كونفورث ) نفسه ، أي : بعد اختراع الآلة البخارية سنة 1764 ، التي تعتبر أوّل ثورة حقيقية في وسائل الإنتاج ، ومفهوم التطوّر ـ على أساس مادّي ـ سبق هذا التأريخ على يد إمام من كبار أئمّة الفلسفة المادّية الذي تشيد الماركسية بمجدهم وآرائهم وهو ( ديدرو )[2]الذي طلع على دنيا الفلسفة في النصف الأوّل من القرن الثامن عشر بمادّية صبّها في إطار من التطوّر الذاتي ، فقال : بأنّ المادة تتطوّر بنفسها وفسّر الحياة على أساس التطوّر . فالأحياء عنده تتطوّر ابتداءً من خليّة تحدثها المادة الحيّة ، بحيث تحدث

[1]ملخّصات من المصدر السابق : 8 ـ 9 .

[2]ولد سنة 1713 ، ونشر خواطره الفلسفية سنة 1754م ، واستمر في التأليف والنشر حتى مات سنة 1784. (المؤلّف(قدّس سرّه)) . انظر المورد 3 : 192 .


صفحه 135

الأعضاء الحاجات ، وتحدث الحاجات الأعضاء ... فهل استقى ( ديدرو ) هذا المفهوم الفلسفي للتطوّر من الانقلابات الثورية في الأدوات المنتجة التي لم تكن قد تعاقبت بعد على مسرح الإنتاج ؟!

صحيح أنّ التغييرات الجذرية على الصعيد الإنتاجي ، كانت تهيّئ الأذهان إلى حدٍّ ما لقبول فكرة التطوّر الفلسفي ، وتطبيقها على كلّ مرافق الكون ، ولكنّ هذا لا يعني السببية الضرورية ، وربط التطوّر الفلسفي بتطوّر الإنتاج ربطاً حتمياً لا يأذن له بالتقدّم أو التأخّر ، وإلا فكيف سمحت هذه الحتمية المزعومة لـ ( ديدرو ) أن يسبق تطوّر الإنتاج ؟! بل كيف سمحت لفلاسفة عاشوا قبل ذلك بأكثر من ألفي سنة أن يجعلوا من التطوّر قاعدة فلسفية لهم ؟!

فهذا هو الفيلسوف اليوناني( أناكسِمَنْدَر ) ـ الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد[1]ـ جاء بمفهوم فلسفي عن التطوّر لا يختلف في جوهره عن مفاهيم التطوّر في عصر الإنتاج الرأسمالي . فقد قال : إنّ الكائنات كانت أوّل أمرها منحطّة، ثمّ سارت في طريق التطوّر درجات أعلى فأعلى ، بما فطر فيها من دافع غريزي يدفعها إلى الملاءمة بين أنفسها والبيئة الخارجية . فالإنسان ـ مثلاً ـ كان حيواناً يعيش في الماء ، فلما انحسر الماء اضطر هذا الحيوان المائي إلى ملاءمة البيئة ، فاكتسب على مر الزمن أعضاء صالحة للحركة على الأرض اليابسة . وهكذا حتى أصبح إنساناً[2].

وفيلسوف آخر كانت له مساهمة كبيرة في مفاهيم التطوّر الفلسفي ، حتى اعتبرته الماركسية شارحاً رائعاً لجوهر الديالكتيك ورأيه في التطوّر، وهو

[1]ولد سنة 611 ق.م ، وتوفّي سنة 547 ق.م تقريباً ( المؤلّف(قدّس سرّه)) . انظر المورد 1 : 105 .

[2]قصّة الحضارة 6 : 253 ـ 255 .


صفحه 136

( هرقليطس ) الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد[1]. وجاء في دنيا الفلسفة بمفهوم للتطوّر يقوم على أساس التناقض والديالكتيك . فهو يؤكّد أنّ الكون ليس على صورة واحدة ، فهو متغيّر متحوّل دائماً ، وهذه الصيرورة والحركة من صورة إلى صورة هي حقيقة الكون ، فلا تفتأ الأشياء تتقلّب من حال لحال إلى آخر الأبد . ويفسّر هذه الحركة بأنّها تناقض ؛ لأنّ الشيء المتحرّك يكون موجوداً ومتغيّراً في نفس الوقت ، أي : موجوداً وغير موجود في آنٍ واحد ، وهذا الاتحاد الآني بين الوجود واللاوجود هو معنى الحركة التي هي جوهر الكون وحقيقة[2].

إنّ فلسفة ( هرقليطس ) هذه لئن برهنت على شيء ، فإنّما تبرهن بوجودها التأريخي على خطأ الماركسية في تفسيرها للفلسفة وتأكيدها على مسايرتها حتماً لوسائل الإنتاج والمكتشفات التكنيكية ، لا سيّما إذا عرفنا أنّ ( هرقليطس ) كان متأخراً تأخراً فاضحاً عن موكب العلم ومكتشفاته الطبيعية والفلكية في عصره ، فضلاً عن مواكبه الحديثة ، حتى كان يعتقد أنّ قطر الشمس قدم واحد كما يبدو للبصر ، ويفسّر غروبها بانطفائها في الماء[3].

ولماذا نذهب بعيداً وبين أيدينا الفيلسوف الإسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي الذي أحدث ثورة جبّارة في الفلسفة الإسلامية ، إذ أتحف الفكر الإسلامي في مطلع القرن السابع عشر بأعمق فلسفة شهدها تأريخ هذا الفكر ، وأثبت في فلسفته هذه الحركة الجوهرية في الطبيعة ، والتطوّر المستمر في جوهر

[1]ولد سنة 535 ق. م. ، وتوفّي سنة 475 ق. م. (المؤلّف(قدّس سرّه)) .

[2]قصّة الفلسفة اليونانية : 38 ـ 41 ، وقصّة الحضارة 6 : 264 ـ 268 ، والموسوعة العربية الميسّرة 2 : 1895 .

[3]هيراقليطس فيلسوف التغيّر : 50 .


صفحه 137

الكون على أسس فلسفية تجريّدية[1]، وقد أثبت ذلك يوم كانت وسائل الإنتاج ثابتة بشكلها التقليدي على مرّ الزمن ، وكان كلّ شيء في الحياة الاجتماعية ساكناً ثابتاً ، غير أنّ الدليل الفلسفي دفع فيلسوفنا الشيرازي إلى التأكيد على قانون التطوّر في الطبيعة بالرغم من ذلك كلّه .

فلا علاقة حتمية ـ إذن ـ بين المفاهيم الفلسفية والوضع الاقتصادي للقوى المنتجة .

وهناك شيء آخر له مغزاه الخاص بهذا الصدد ، وهو أنّ الوضع الاقتصادي لقوى الإنتاج وعلاقاته لو كان هو الأساس الحقيقي الوحيد لتفسير الحياة العقلية للمجتمع بما فيها الأفكار الفلسفية ، لكانت النتيجة الطبيعية لذلك أنّ التطوّرات الفلسفية تواكب في حركتها التقدّمية تطوّر الوضع الاقتصادي ، وتجري وفقاً لحركة التكامل في علاقات الإنتاج وقواه ، ويصبح من الضروري ـ بموجب ذلك ـ أن تنبع الاتجاهات التقدّمية في الفلسفة ، وأن تتوّلد الثورات الفلسفية الكبرى في أرقى المجتمعات من الناحية الاقتصادية ، فيكون نصيب كلّ مجتمع من التفكير التقدّمي والفلسفة الثورية بمقدار حظّه من التطوّر الاقتصادي والسبق في ظروف الإنتاج وعلاقاته . فهل تنسجم هذه النتيجة مع الواقع التأريخي للفلسفة ؟ هذا ما نريد معرفته الآن .

ولنأخذ حالة أوروبا عندما لاحت في الأفق الأوروبي تباشير الثورة الفكرية الجديدة . فقد كانت إنكلترا تتمتّع بدرجة عالية نسبياً من التطوّر الاقتصادي لم تظفر بنظيرها فرنسا ولا ألمانيا ، وكان الشعب الإنكليزي قد ظفر بمكاسب سياسية خطيرة لم يكن قد حصل على شيء منها الشعب الفرنسي

[1]الأسفار الأربعة 3 : 61 ـ 67 ، الفصل 19 و 20 .


صفحه 138

والألماني ، وكانت القوى الاقتصادية الفنّية في إنكلترا ( = قوى البورجوازية ) في نموٍّ مستمر لا يشبهه وضعها في البلدان الأخرى . وبكلمة مختصرة : إنّ الوضع الاجتماعي لإنكلترا بشروطه الاقتصادية والسياسية كان أعلى درجة ـ في سلّم التطوّر التأريخي الذي تؤمن به الماركسية ـ من فرنسا وألمانيا ؛ بدليل أنّ إنكلترا بدأت ثورتها التحررية سنة ( 1215م )، وخاضت في منتصف القرن السابع عشر ( 1648م ) ، ثورتها الكبرى بقيادة ( كرومويل )[1]، بينما لم تتهيّأ في فرنسا ظروف الثورة الحاسمة إلاّ سنة ( 1789م ) ، ولا في ألمانيا إلاّ عام ( 1848م ) ، وهذه الثورات بوصفها ثورات بورجوازية منبثقة عن درجة التطوّر الاقتصادي في رأي الماركسية تبرهن بما تشير إليه من تفاوت زمني بينها إلى سبق إنكلترا في المجال الاقتصادي .

وإذا كانت إنكلترا هي الدولة المتطوّرة اقتصادياً أكثر من غيرها فمن الطبيعي ـ على أساس النظرية الماركسية ـ أن تسبق غيرها من البلدان في المضمار الفلسفي ، وتصبح أكثر تقدّمية منها في اتجاهها الفلسفي . والاتجاه التقدّمي في الفلسفة ـ عند الماركسية ـ هو الاتجاه المادّي وأكثر ما يكون الاتجاه المادّي تقدّمياً حين يقوم على أساس التطوّر والحركة .

وهنا نتساءل : أين ولدت المادّية وشبّت ؟ وفي أي مجتمع ظهرت تباشيرها ، ثمّ اندلعت عاصفتها ؟ وتبدو لنا الماركسية هنا في موقف حرج ؛ لأنّ نظريّتها في تفسير الفلسفة على أساس العامل الاقتصادي تدعوها إلى القول : بأنّ تقدّم إنكلترا الاقتصادي كان يفرض عليها أن تظهر على المسرح الفلسفي بالاتجاه التقدّمي ، أو الاتجاه المادّي بتعبيرٍ آخر . ولهذا حاول ماركس القول : بأنّ المادّية ولدت في إنكلترا على يد

[1]راجع قصّة الحضارة 32 : 5 ـ 44 .


صفحه 139

( فرنسيس بيكون ) ، وعلى يد ( الاسميّين )[1].

ولكنّا نعلم جميعاً أنّ ( بيكون ) لم يكن فيلسوفاً مادّياً ، بل كان غارقاً في المثالية ، وإنّما دعا إلى التجربة فقط وشجّع الطريقة التجريبية في البحث . وأمّا ( الاسميّون ) الانجليز فلئن كانت ( الاسميّة ) لوناً فكرياً من الإعداد للمادّية ، فقد سبق إلى هذا اللون من التفكير الفلسفي اثنان من الفلاسفة الفرنسيين في مطلع القرن الرابع عشر : أحدهما ( دوران دي سان بورسان ) ، والآخر : ( بيير أوريول )

وإذا أردنا أن نفتّش بصورة أعمق عن المقدّمات الفكرية التي مهّدت للاتجاه المادّي ، فسوف نجد قبل ( الاسميّة ) الحركة ( الرشديّة اللاتينية ) في الفلسفة التي ظهرت في القرن الثالث عشر في فرنسا ، وتشيّع لها معظم أساتذة كلّية الفنون بباريس ، وعلى يدهم فصلت الفلسفة عن الدين ، وبدأت تتّجة إلى إنكار المسلّمات الدينية[2].

وأمّا الاتجاه المادّي في شكله الصريح فهو وإن كشف عن نفسه في شخص أو أشخاص معدودين في إنكلترا نظير( هوبز ) ، ولكنّ هذا الاتجاه لم يستطع أن يسيطر على الموقف الفلسفي في إنكلترا أو يستلم الزمام من الفلسفة المثالية ، بينما أثار أكبر عاصفة مادّية على المسرح الفلسفي في فرنسا حتى غرقت فرنسا في الاتجاهات المادّية ، وبينما كانت فرنسا الفكرية تحتفل بـ ( فولتير ) و ( ديدرو ) وأمثالها من أئمّة المادّية في القرن الثامن عشر .. نجد إنكلترا زاخرة بأعمق وأفظع مثالية فلسفية على يد ( جورج باركلي ) و ( ديفيد هيوم ) المبشّرَين الأساسيَّين

[1]التفسير الاشتراكي للتأريخ : 76 .

[2]راجع ابن رشد والرشديّة : 271 ـ 287 .


صفحه 140

بالمثاليّة في تأريخ الفلسفة الحديثة .

وهكذا تجيء النتائج على عكس ما ترتقبه الماركسية في التأريخ ؛ إذ تزدهر الفلسفة المثالية ، وبتعبير آخر : أشدّ الفلسفات رجعية عند الماركسية ، في أرقى المجتمعات وأكثرها تطوّراً من الناحية الاقتصادية والتكنيكية . بينما تختار العاصفة المادّية لها مكاناً في مجتمعات متأخّرة اقتصادياً واجتماعياً كفرنسا ، بل إنّ المادّية التطوّرية والديالكتيك نفسهما ، لم يظهرا إلاّ في ألمانيا يوم كانت متأخّرة في شروطها المادّية على إنكلترا بعدّة درجات .

ومع هذا تريدنا الماركسية أن نصدّق تفسيرها للتفكير الفلسفي وتطوّراته على أساس الوضع الاقتصادي ونموّه .

وإذا حاولت الماركسية أن تجد لهذه المفارقات مبرّراً لتعتبرها استثناءً عن القانون فماذا يبقي عندها من دليل على صحة القانون نفسه لتكون هذه المفارقات استثنائية ؟ ولماذا لا تكون دليلاً على خطأ القانون نفسه بدلاً من أن نلتمس المعاذير لها من هنا وهناك ؟!

وهكذا نستنتج ممّا سبق أن لا علاقة حتمية بين المفاهيم الفلسفية للمجتمع والوضع الاقتصادي للقوى المنتجة فيه .

* * *

وأما العلاقة بين الفلسفة والعلوم الطبيعية فتتوقف دراستها ـ بصورة مفصّلة ـ على تحديد مفهوم الفلسفة ومفهوم العلم ، والأسس التي يرتكز عليها التفكير الفلسفي والتفكير العلمي ؛ لنستطيع أن نعرف ما يكمن من تفاعل وارتباط بين الحلقتين . وهذا ما سنتركه إلى ( فلسفتنا ) ولكنّنا لا نترك هذه المناسبة دون أن نشير بإجمال إلى شكّنا في التبعية المفروضة على الفلسفة للعلوم الطبيعية ، فإنّ الفلسفة قد تسبق العلم أحياناً إلى بعض الاتجاهات في تفسير الكون ، ثمّ يجري


صفحه 141

العلم بعد ذلك في اتجاهها بطريقته الخاصة . وأوضح مثل على ذلك التفسير الذرّي للكون الذي قال به الفيلسوف اليوناني ديمقراطيس ، وقامت على أساسه عدّة مدارس فلسفية على مرّ التأريخ قبل أن تصل العلوم الطبيعية إلى مستوى تتمكّن فيه من التدليل على هذا التفسير . واستمرّ التفسير يحمل الطابع الفلسفي الخالص حتى حاول أن يدخل الحقل العلمي ـ لأوّل مرّة ـ على يد ( دالتن ) عام ( 1805م ) ، حيث استخدم الفرضية الذرية لتفسير النسب الثابتة في الكيمياء .

ولم يبقَ علينا بعد هذا إلاّ أن نفحص الطابع الطبقي للفلسفة ، فإنّ الماركسية تؤكّد أنّ الفلسفة لا يمكن أن تتجرّد عن إطارها الطبقي ، بل هي دائماً تعبير عقلي رفيع عن مصالح طبقة معيّنة . قال موريس كونفورث :

( كانت الفلسفة دوماً تعبّر ـ ولا تستطيع إلاّ أن تعبّر ـ عن وجهة نظر طبقيّة . فكلّ فلسفة عبارة عن وجهة نظر طبقة ما عن العالم ، طريقة تدرك بها الطبقة مركزها وأهدافها التأريخية . فكانت المدارس الفلسفية تعبّر عن نظرة الطبقة ذات الامتيازات إلى العالم ، أو عن وجهة نظر الطبقة التي كانت تكافح لتصبح طبقة ذات امتيازات )[1].

ولا تكتفي الماركسية بمجمل من القول كهذا ، بل تضع النقاط على الحروف فتؤكّد أنّ الفلسفة المثالية ـ وتعني بها كلّ فلسفة ترفض التفسير المادّي البحت للعالم ـ هي فلسفة الطبقات الحاكمة ، والأقليات المستغِلّة التي تتبنّي المثالية على مرّ التأريخ ـ بوصفها فلسفة محافظة ـ لتستعين بها على إبقاء القديم على قدمه . وأمّا المادّية فهي على نقيض ذلك ؛ لأنّها كانت تعبّر دائماً عن المفهوم

[1]المادّية الديالكتيكية : 32 .