[ مقدّمة الطبعة الثانية ]
بسم الله الرحمن الرحيم
يسرّني أن أقدّم للطبعة الثانية لكتاب ( اقتصادنا ) وقد ازددت إيماناً واقتناعاً بأنّ الأمّة قد بدأت فعلاً تنفتح على رسالتها الحقيقية التي يمثلّها الإسلام ، وتدرك بالرغم من ألوان التَضليل الاستعماري أنّ الإسلام هو طريق الخلاص ، وأنّ النظام الإسلامي هو الإطار الطبيعي الذي يجب أن تحقّق حياتها و تفجّر طاقاتها ضمنه و تنشئ كيانها على أساسه.
وقد كان بودّي أن تتاح لي فرصة للتوسّع في بعض مواضيع الكتاب ، وتسليط المزيد من الأضواء على عدد من النقاط التي تناولها ، ولكنّي إذ لا أجد الآن مجالاً للحديث عن بحوث الكتاب فلن أدع هذه المناسبة دون كلمة عن موضوع الكتاب ذاته ، وصلة هذا الموضوع الخطير بحياة الأمّة ومشاكلها وأهمّيتها المتنامية على مرّ الزمن على الصعيد الإسلامي والصعيد البشري على السواء .
فالأمّة على الصعيد الإسلامي وهي تعيش جهادها الشامل ضدّ تخلّفها وانهيارها ، وتحاول التحرّك السياسي والاجتماعي نحو وجود أفضل وكيان أرسخ واقتصاد أغنى وأرفه ، سوف لن تجد أمامها عقيب سلسلة من محاولات الخطأ والصواب إلاّ طريقاً واحداً للتحرّك ، وهو التحرّك في الخط الإسلامي ، ولن تجد
إطاراً تضع ضمنه حلولها لمشاكل التخلّف الاقتصادي سوى إطار النظام الاقتصادي في الإسلام .
والإنسانية على الصعيد البشري ، وهي تقاسي أشدّ ألوان القلق والتذبذب بين تيّارين عالَميَّين ملغّمين بقنابل الذرّة والصواريخ ووسائل الدمار ، لن تجد لها خلاصاً إلاّ على الباب الوحيد الذي بقي مفتوحاً من أبواب السماء ، وهو الإسلام . ولنأخذ في هذه المقدّمة الصعيد الإسلامي بالحديث .
على الصعيد الإسلامي :
حينما أخذ العالم الإسلامي ينفتح على حياة الإنسان الأوروبي ويذعن لإمامته الفكرية وقيادته لموكب الحضارة بدلاً عن إيمانه برسالته الأصيلة وقيمومَتها على الحياة البشرية ، بدأ يدرك دوره في الحياة ضمن إطار التقسيم التقليدي لبلاد العالم الذي درج عليه الإنسان الأوروبي ، حين قسّم العالم على أساس المستوى الاقتصادي للبلد وقدرته المنتجة إلى : بلاد راقية اقتصادياً ، وبلاد فقيرة أو متخلّفة اقتصادياً . وكانت بلاد العالم الإسلامي كلّها من القسم الثاني ، الذي كان يجب عليه ، في منطق الإنسان الأوروبي ، أن يعترف بإمامة البلاد الراقية ويفسح المجال لها لكي تنفُث روحها فيه ، وتخطط له طريق الارتفاع .
وهكذا دشّن العالم الإسلامي حياته مع الحضارة الغربية بوصفه مجموعة من البلاد الفقيرة اقتصادياً ، ووعى مشكلته على أساس أنّها هي التخلّف الاقتصادي عن مستوي البلاد المتقدّمة الذي أتاح لها تقدّمها الاقتصادي زعامة العالم ، ولقّنته تلك البلاد المتقدمة أنّ الأسلوب الوحيد للتغلّب على هذه المشكلة والالتحاق بركب البلاد المتقدّمة ، هو اتّخاذ حياة الإنسان الأوروبي تجربة رائدة وقائدة وترسّم خطوات هذه التجربة لبناء اقتصاد كاملٍ شاملٍ قادرٍ على الارتفاع
بالبلاد الإسلامية المتخلّفة إلى مستوى الشعوب الأوروبية الحديثة .
وقد عبّرت التبعية في العالم الإسلامي لتجربة الإنسان الأوروبي الرائد للحضارة الحديثة عن نفسها بأشكالٍ ثلاثة مترتبة زمنياً ، ولا تزال ـ هذه الأشكال الثلاثة ـ متعاصرة في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي .
الأوّل : التبعية السياسية التي تمثّلت في ممارسة الشعوب الأوروبية الراقية اقتصادياً حكم الشعوب المتخلّفة بصورة مباشرة .
الثاني : التبعية الاقتصادية التي رافقت قيام كيانات حكومية مستقلّة من الناحية السياسية في البلاد المتخلّفة ، وعبّرت عن نفسها في فسح المجال للاقتصاد الأوروبي لكي يلعب على مسرح تلك البلاد بأشكال مختلفة ويستثمر موادها الأولية ويملأ فراغاتها برؤوس أموال أجنبية ، ويحتكر عدداً من مرافق الحياة الاقتصادية فيها بحجّة تمرين أبناء البلاد المتخلّفين على تحمّل أعباء التطوير الاقتصادي لبلادهم .
الثالث : التبعية في المنهج التي مارستها تجارب عديدة في داخل العالم الإسلامي ، حاولت أن تستقل سياسياً وتتخلّص من سيطرة الاقتصاد الأوروبي اقتصادياً وأخذت تفكّر في الاعتماد على قدرتها الذاتية في تطوير اقتصادها والتغلّب على تخلّفها ، غير أنّها لم تستطع أن تخرج في فهمها لطبيعة المشكلة التي يجسدها تخلّفها الاقتصادي عن إطار الفهم الأوروبي لها فوجدت نفسها مدعوة لاختيار نفس المنهج الذي سلكه الإنسان الأوروبي في بنائه الشامخ لاقتصاده الحديث .
وبالرغم من اختلافات نظرية كبيرة نشأت بين تلك التجارب خلال رسم المنهج و تطبيقه ، فإنّ هذه الاختلافات لم تكن دائماً إلاّ اختلافاً حول اختيار الشكل العام للمنهج من بين الأشكال المتعدّدة التي اتّخذها المنهج في تجربة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
يصطدم مع عواطف المعركة ضدّ الواقع الاستعماري المعاش ، فليؤخذ بالتخطيط الاشتراكي بوصفه الشكل الآخر للتجربة الرائدة .
ولكلّ من الاتجاهين أدلّته التي يبرّر بها وجهة نظره ؛ فالاتجاه الأوّل يبرّر عادة التقدّم العظيم الذي حصلت عليه الدول الأوروبية الرأسمالية ، وما أحرزته من مستويات في الإنتاج والتصنيع نتيجة لانتهاج الاقتصاد الحرّ كأُسلوب للتنمية ، و يضيف إلى ذلك : أنّ بإمكان البلاد المتخلفة إذا انتهجت نفس الأسلوب وعاشت نفس التجربة أن تختصر الطريق وتقفز في زمن أقصر إلى المستوى المطلوب من التنمية الاقتصادية ؛ لأنّها سوف تستفيد من خبرات التجربة الرأسمالية للإنسان الأوروبي وتستخدم كل القدرات العلمية الناجزة التي كلّفت الإنسان الأوروبي مئات السنين حتى ظفر بها .
والاتجاه الثاني يفسّر اختياره للاقتصاد المخطّط على أساس اشتراكي بدلاً عن الاقتصاد الحرّ بأنّ الاقتصاد الحرّ إن كان قد استطاع أن يحقّق للدول الأوروبية الرائدة في العالم الرأسمالي مكاسب كبيرة وتقدّماً مستمراً في التكنيك والإنتاج ونمواً متزايداً للثروة الداخلية للبلاد ، فليس بالإمكان أن يؤدّي دوراً مماثلاً للبلاد المتخلّفة اليوم ؛ لأنّ البلاد المتخلّفة تواجه اليوم تحدّياً اقتصادياً هائلاً يمثّله التقدّم العظيم الذي أحرزته دول الغرب ، وتقابل إمكانات هائلة منافسة لا حدّ لها على الصعيد الاقتصادي ، بينما لم تكن الدول المتقدّمة فعلاً تواجه هذا التحدّي الهائل ، وتقابل هذه الإمكانات المنافسة حين بدأت عملية التنمية الاقتصادية وشنّت حربها ضدّ أوضاع التخلّف الاقتصادي ، واتخذت من الاقتصاد الحرّ منهجاً وأسلوباً ، فلا بدّ للبلاد المتخلّفة اليوم من تعبئة كلّ القوى والطاقات لعملية التنمية الاقتصادية بصورة سريعة ومنظّمة في نفس الوقت ، وذلك عن طريق الاقتصاد المخطّط القائم على أساس اشتراكي .
ويعتمد كلّ من الاتجاهين في تفسيره لِما يمنى به من فشل في مجال التطبيق على الظروف المصطنعة التي يخلقها المستعمرون في المنطقة لكي يعرقلوا فيه عمليات النمو ، ولا يسمح لنفسه على أساس ذلك أن يفكّر حين الإحساس بالفشل في أيّ منهج بديلٍ للشكلين التقليديّين اللذين اتخذتهما التجربة الأوروبية الحديثة في الغرب والشرق ، بالرغم من وجود بديل جاهز لا يزال يعيش نظرياً وعقائدياً في حياة الأمّة وإن كان منعزلاً عن مجال التطبيق ، وهو المنهج الإسلامي والنظام الاقتصادي في الإسلام .
و أنا لا أريد هنا أن أقارن بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي من وجهة نظر اقتصادية مذهبية ؛ فإنّ هذا ما أتركه للكتاب نفسه ، فقد قام كتاب ( اقتصادنا ) بدراسة مقارنة بهذا الصدد ، وإنّما أريد أن أُقارن بين الاقتصاد الأوروبي بكلا جناحيه الرأسمالي والاشتراكي والاقتصاد الإسلامي من ناحية قدرة كل منهما على المساهمة في معركة العالم الإسلامي ضدّ التخلّف الاقتصادي ، ومدى قابلية كلّ واحد من هذه المناهج ليكون إطاراً لعملية التنمية الاقتصادية .
ونحن حين نخرج من نطاق المقارنة بين هذه المناهج الاقتصادية في محتواه الفكري والمذهبي إلى المقارنة بينها في قابليتها التطبيقية لإعطاء إطار للتنمية الاقتصادية ، يجب أن لا نقيم مقارنتنا على أساس المعطيات النظرية لكلّ واحد من تلك المناهج فحسب ، بل لا بدّ أن نلاحظ بدقّة الظروف الموضوعية للأمّة وتركيبها النفسي والتأريخي ؛ لأنّ الأمّة هي مجال التطبيق لتلك المناهج فمن الضروري أن يُدرس المجال المفروض للتطبيق وخصائصه وشروطه بعناية ليلاحظ ما يقدّر لكلّ منهج من فاعلية لدى التطبيق . كما أنّ فاعلية الاقتصاد الحرّ الرأسمالي أو التخطيط الاشتراكي في تجربة الإنسان الأوروبي لا تعني حتماً أنّ
هذه الفاعلية نتيجة للمنهج الاقتصادي فحسب لكي تتوفّر متى اتبع نفس المنهج ، بل قد تكون الفاعلية ناتجة عن المنهج باعتباره جزءاً من كلّ مترابط وحلقة من تأريخ ، فإذا عزل المنهج عن إطاره وتأريخه لم تكن له تلك الفاعلية ولا تلك الثمار .
ومن خلال دراسة مقارنة للمذاهب الاقتصادية المتعددة وإمكانات نجاحها عملياً في العالم الإسلامي يجب إبراز حقيقة أساسية يرتبط بها تقدير الموقف إلى درجة كبيرة ، وهي أنّ حاجة التنمية الاقتصادية إلى منهج اقتصادي ليست مجرّد حاجة إلى أطار من أطر التنظيم الاجتماعي تتبنّاه الدولة فحسب لكي يمكن أن توضع التنمية ضمن هذا الإطار أو ذاك بمجرد تبنّي الدولة له والتزامها به ، بل لا يمكن للتنمية الاقتصادية والمعركة ضدّ التخلّف أن تؤدّي دورها المطلوب إلاّ إذا اكتسبت إطاراً يستطيع أن يدمج الأمّة ضمنه ، وقامت على أساس يتفاعل معها . فحركة الأمّة كلّها شرط أساسي لإنجاح أيّ تنمية وأيّ معركة شاملة ضدّ التخلّف ؛ لأنّ حركتها تعبير عن نموّها ونموّ إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية ، وحيث لا تنمو الأمّة لا يمكن أن تُمارس عملية تنمية ، فالتنمية للثروة الخارجية والنموّ الداخلي للأمّة يجب أن يسيرا في خطّ واحد .
و تجربة الإنسان الأوروبي الحديث هي بالذات تعبير تأريخي واضح عن هذه الحقيقة ؛ فإنّ مناهج الاقتصاد الأوروبي كإطارات لعملية التنمية لم تسجّل نجاحها الباهر على المستوى المادّي في تأريخ أوروبا الحديث إلاّ بسبب تفاعل الشعوب الأوروبية مع تلك المناهج وحركتها في كلّ حقول الحياة وفقاً لاتجاه تلك المناهج ومتطلباتها واستعدادها النفسي المتناهي خلال تأريخ طويل لهذا الاندماج والتفاعل .
فحين نريد أن نختار منهجاً أو إطاراً عامّاً للتنمية الاقتصادية داخل العالم
الإسلامي يجب أن نأخذ هذه الحقيقة أساساً ونفتش في ضوئها عن مركّب حضاري قادر على تحريك الأمّة وتعبئة كل قواها وطاقاتها للمعركة ضدّ التخلّف ، ولا بدّ حينئذٍ أن نُدخل في هذا الحساب مشاعر الأمّة ونفسيتها وتأريخها وتعقيداتها المختلفة .
ومن الخطأ ما يرتكبه كثير من الاقتصاديين الذين يدرسون اقتصاد البلاد المتخلّفة وينقلون إليها المناهج الأوروبية للتنمية دون أن يأخذوا بعين الاعتبار درجة إمكان تفاعل شعوب تلك البلاد مع هذه المناهج ، ومدى قدرة هذه المناهج المنقولة على الالتحام مع الأمّة .
فهناك مثلاً الشعور النفسي الخاص الذي تعيشه الأمّة في العالم الإسلامي تجاه الاستعمار الذي يتّسم بالشكّ والاتهام والخوف نتيجة لتأريخ مرير طويل من الاستغلال والصراع ، فإنّ هذا الشعور خلق نوعاً من الانكماش لدى الأمّة عن المعطيات التنظيمية للإنسان الأوروبي ، وشيئاً من القلق تجاه الأنظمة المستمدّة من الأوضاع الاجتماعية في بلاد المستعمرين وحساسية شديدة ضدّه ، وهذه الحساسية تجعل تلك الأنظمة ، حتى لو كانت صالحة ومستقلّة عن الاستعمار من الناحية السياسية ، غير قادرة على تفجير طاقات الأمّة وقيادتها في معركة البناء . فلا بدّ للأمّة ـ إذن ـ بحكم ظروفها النفسية التي خلقها عصر الاستعمار وانكماشها تجاه ما يتّصل به أن تقيم نهضتها الحديثة على أساس نظام اجتماعيٍّ ومعالم حضارية لا تمتّ إلى بلاد المستعمرين بنسب .
وهذه الحقيقة الواضحة هي التي جعلت عدداً من التكتلات السياسية في العالم الإسلامي تفكّر في اتخاذ القومية فلسفة وقاعدة للحضارة وأساساً للتنظيم الاجتماعي ؛ حرصاً منها على تقديم شعارات منفصلة عن الكيان الفكري للاستعمار انفصالاً كاملاً ، غير أنّ القومية ليست إلاّ رابطة تأريخية ولغوية ، وليست