بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 161

تضم عمّال المناجم وأجراء الزراعة والصناعة ؛ لأنّهم جميعاً يعيشون على الأجور ! بينما يلزمنا أن نضع حداً طبقياً فاصلاً بين هؤلاء الأجراء وبين مالكي وسائل الإنتاج مهما كانت أجور أولئك ومهما كانت نوعية الوسائل المنتجة المتوفّرة عند هؤلاء .

وحيث إنّ الصراع بين الطبقات ضريبة ماركسية لا محيد للطبقات عن القيام بها فسوف ينتهي بنا ذلك إلى تصوّر أنّ صغار مالكي الوسائل المنتجة سوف يقفون في صراعهم الطبقي إلى صف الطبقة المستثمرة من المالكين ، بينما يقف كبار الأجراء من المهندسين والأطبّاء الأخصائيين إلى صف الكادحين المستثمرين ، وهكذا ينقلب مدير المؤسّسة التجارية الكبرى عاملاً كادحاً يخوض المعركة ضدّ المالكين المستثمرين ، نتيجة لدمج الحقائق الاجتماعية بالقيم الاقتصادية ، واتخاذ الجهاز الاقتصادي في توزيع الدخل أساساً للطبقات الاجتماعية .

ونستنتج من دراستنا هذه للتحليل الماركسي للطبقة نتيجتين خطيرتين :

إحداهما : أنّ من الممكن قيام الطبقات في المجتمع حتى ولو انعدمت فيه الملكية الخاصة بصورة قانونية ؛ لأنّ حالة الملكية ـ كما عرفنا ـ ليست هي الأساس الوحيد للتكوين الطبقي ، وهذه هي النتيجة التي كانت الماركسية تخشاها حين أكّدت على حالة الملكيّة بوصفها السبب الوحيد لوجود الطبقات ، كي تبرهن عن هذا الطريق على ضرورة زوال الطبقية واستحالة وجودها في المجتمع الاشتراكي الذي تلغي فيه الملكية الخاصة . وما دمنا قد تبينّا أن الملكية الخاصة بصيغتها القانونية ليست هي العامل الوحيد في وجود المجتمع الطبقي فمن الطبيعي أن ينهار هذا البرهان ويصبح من الممكن أن توجد الطبقيّة بشكل من الأشكال في المجتمع الاشتراكي بالذات ، كما وجدت في غيره من المجتمعات . وهذا


صفحه 162

ما سندرسه ـ إن شاء الله ـ باستيعاب أكثر عند نقد المرحلة الاشتراكية من مراحل المادّية التأريخية .

والنتيجة الأخرى هي : أنّ الصراع في المجتمع ـ حيث يوجد ـ لا يجب أن يعكس القيم الاقتصادية التي يقرّرها جهاز التوزيع في المجتمع ، فليست نوعية الدخل الناحية الاقتصادية ـ ككون الدخل أجراً أو ربحاً ـ هي التي تفرض الصراع ، ولا جبهات الصراع مقسّمة على أساس تلك الدخول والقيم الاقتصادية .

4 ـ العوامل الطبيعية والماركسية :

ومن مظاهر النقصان البارزة في الفرضية الماركسية تناسي العوامل الفيزيولوجّية والسيكولوجية والفيزيائية وإهمال دورها في التأريخ ، مع أنّها قد تكون في بعض الأحايين ذات تأثير كبير في حياة المجتمع وكيانه العام ؛ لأنّها هي التي تحدّد للفرد اتّجاهاته العلمية وعواطفه وكفاءاته الخاصة ، تبعاً لِما تتحفه به من تركيب عضوي خاص ، وهذه الاتجاهات والعواطف والكفاءات ، التي تختلف في الأفراد وفقاً لتلك العوامل ، تساهم في صنع التأريخ وتقوم بأدوار إيجابية متفاوتة في حياة المجتمع .

فكلّنا نعلم بالدور التأريخي الذي لعبته مواهب نابليون العسكرية وشجاعته الفريدة في حياة أوروبا[1].

وكلّنا نعلم بمُيوعة لويس الخامس عشر وآثارها التأريخية خلال حرب السنوات السبع ، التي خاضتها فرنسا إلى جانب النمسا . فقد استطاعت امرأة واحدة كـ ( مدام بومبادور ) أن تملك إرادة الملك ، وبالتالي أن تدفع فرنسا للاشتراك مع

[1]الموسوعة العربية الميسّرة 2 : 1812 .


صفحه 163

النمسا في حربها ، وتحمّل العواقب الوخيمة التي أسفرت عنها[1].

وكلّنا نعلم بالدور التأريخي الذي نجم عن حادثة غرام خاصة في حياة ملك انجليزي كهنري ، إذ أدّت تلك الحادثة إلى انفصال العائلة المالكة ، وبالتالي إنكلترا كلّها ، عن المذهب الكاثوليكي[2].

وكلّنا نعلم ما فعلته عاطفة الأبوّة التي دفعت بمعاوية بن أبي سفيان إلى اتّخاذ كلّ الأساليب الممكنة لأخذ البيعة لابنه يزيد ، الأمر الذي عبّر في وقته عن تحوّل حاسم في المجرى السياسي العام[3].

فهل كان التأريخ سيتم بنفس الصورة التي وجدت فعلاً لو لم يكن نابليون رجلاً عسكرياً حديدياً ، ولم يكن لويس ذائباً مستسلماً لمحظّياته ، ولم يعشق هنري ( آن بولين ) ، ولم تسيطر عاطفة خاصّة على معاوية بن أبي سفيان . وليس أحد يدري ماذا كان يحدث لو لم تسمح الشروط الطبيعية للوباء باكتساح أرجاء الإمبراطورية الرومانية ، وامتصاص مئات الآلاف من سكّانها ممّا ساعد على انهيارها وتغيّر الوجه التأريخي العام ؟

ولا يدري أحدٌ أيضاً أيّ اتّجاه كان يتّجه التأريخ القديم لو أنّ جندياً مقدونياً لم ينقذ حياة الإسكندر في اللحظة المناسبة ، فيقطع اليد التي أهوت عليه بالسيف من خلفه وهو في طريقه إلى فتح عسكري خطير امتدّت آثاره عبر الأجيال والقرون .

وإذا كانت تلك الصفات : من الصلابة ، والميوعة ، والغرام ، والعاطفة ، ذات تأثير

[1]قصّة الحضارة 36 : 41 ـ 61 .

[2]المصدر السابق 25 : 82 وما بعدها .

[3]الكامل في التأريخ 4 : 5 ـ 6 .


صفحه 164

في التأريخ، ومجرى الحوادث الاجتماعية فهل من الممكن أن نفسّر هذه الصفات على أساس القوى المنتجة والأوضاع الاقتصادية ، لننتهي مرّة أخرى إلى العامل الاقتصادي الذي تؤمن به الماركسية ؟

الحقيقة أنّ أحداً لا يشكّ في أنّ هذه الصفات لا يمكن تفسيرها على أساس العامل الاقتصادي وقوى الإنتاج ؛ فإنّ الوسائل المنتجة والظروف الاقتصادية ليست هي التي كوّنت المزاج الخاص للملك لويس الخامس عشر مثلاً ، بل كان من الممكن ـ لو ساعدت الشروط الطبيعية والسيكولوجية ـ أن يكون لويس الخامس عشر شخصاً صُلباً قويّ الإرادة نظير لويس الرابع عشر ، أو نابليون مثلاً ، وإنّما نبع مزاجه الخاص من الخصائص الفيزيائية والفيزيولوجية والنفسية التي يتكوّن منها وجوده الخاص ، وشخصيّته المتميّزة .

وقد تبتدر الماركسية هنا قائلة : أليست العلاقات الاجتماعية التي أنشأها العامل الاقتصادي في المجتمع الفرنسي هي التي سمحت للملك لويس أن يؤثّر على التأريخ ويعكس مُيوعته على الأحداث العسكرية والسياسية ، بما أقرّته تلك العلاقات من النظام الملكي الوراثي ؟! فالدور التأريخي الذي أدّاه هذا الملك ليس في الحقيقة إلاّ نتاجاً لهذا النظام الذي هو بدوره وليد الوضع الاقتصادي وقوى الإنتاج ، وإلا فمَن يستطيع أن يقول : إنّ لويس كان يمكنه أن يؤثّر في التأريخ لو لم يكن ملكاً ولم تكن فرنسا تعترف بنظام الملكية الوراثية في الحكم[1]؟!

وهذا صحيح ، فإنّ لويس لو لم يكن ملكاً لكان كمّية مهملة في حساب التأريخ ، ولكنّا نقول من ناحية أخرى : إنّه لو كان ملكاً يتمتّع بشخصية صُلبة وقوّة

[1]راجع : دور الفرد في التأريخ : 68 .


صفحه 165

تصميم لاختلف دوره التأريخي ، ولاختلفت بالتالي أحداث فرنسا السياسية والعسكرية ، فما الذي سلب منه صلابة الشخصية ، وحرمه من قوّة التصميم ؟ أهو النظام الملكي أو العوامل الطبيعية التي ساهمت في تركيبه العضوي وتكوينه الخاص ؟

وبكلمة أخرى : أنّ ثلاثة تقادير كان من الممكن أن يوجد أيّ واحد منها في فرنسا : السلطة السياسية الجمهورية ، والسلطة المَلَكيّة المتمثّلة في شخص مائع ، والسلطة المَلَكيّة المتمثّلة في مَلِكٍ قويّ حديدي .

ولكلّ من هذه التقادير الثلاثة أثره الخاص في مجرى الحوادث السياسية والعسكرية ، وبالتالي في تكوين فرنسا لفترة من الزمن .

فلنتبين فحوى قوانين التأريخ التي استكشفتها الماركسية وفسّرت على أساسها التأريخ بالعامل الاقتصادي .

إنّ هذه القوانين تشير إلى أنّ الوضع الاقتصادي لم يكن يسمح بقيام سلطة جمهورية في البلاد بل كان يفرض النظام الملكي في الحكم . ولنفترض أنّ هذا صحيح فليس هو إلا جانباً واحداً من المسألة ؛ لأنّنا نستطيع بذلك أن نستبعد التقدير الأوّل ويبقى التقديران الآخران . فهل هناك قانون علمي يحتّم وجود ملك مائع أو قوي في تلك الفترة من تأريخ فرنسا سوى القوانين العلمية : في الفيزياء والفيزيولوجيا والسيكولوجيا ، التي تفسّر شخصية لويس ومزاجه الخاص ؟!

وهكذا نعرف، أنّ للأفراد أدوارهم في التأريخ التي تحدّدها لهم العوامل الطبيعية والنفسية ، لا قوى الإنتاج السائدة في المجتمع .

وليست هذه الأدوار التأريخية ، التي يقوم بها الأفراد وفقاً لتكوينهم الخاص ، أدواراً ثانوية في عملية التأريخ دائماً ، كما زعم ( بليخانوف ) الكاتب الماركسي


صفحه 166

الكبير ، إذ أكّد على :

( أنّ الخصائص الفردية التي يتّصف بها الرجال العظام تحدّد السمة الخاصة للحوادث التأريخية ، وتحدّد عامل المصادفة ... وتلعب دوراً جزئياً في مجرى هذه الحوادث التي تحدّد اتجاهها في النهاية الأسباب الموصوفة بالعامة ، أي : بتطوّر القوى المنتجة ، وبالعلاقات التي تحدّدها هذه القوى بين الناس )[1].

ولا نريد أن نعلّق على تأكيد ( بليخانوف ) هذا إلاّ بمثالٍ واحدٍ نستطيع أن ندرك في ضوئه كيف يمكن أن يكون دور الفرد سبباً لتحوّل الاتجاه التأريخي بشكل حاسم ، فماذا كان يقدّر لوجهة التأريخ العالمي لو أنّ عالماً ذرياً في ألمانيا النازيّة قد سبق إلى اكتشاف سرّ الذرة بعدّة شهور فقط ؟ ألم يكن امتلاك هتلر لهذا السرّ كفيلاً بتغيير وجهة التأريخ وتقويض الديمقراطية الرأسمالية والاشتراكية الماركسية من أوروبا ؟! فلماذا لم يستطع هتلر أن يملك هذا السر ؟ ليس ذلك طبعاً بسبب من الوضع الاقتصادي ونوعيّة القوى المنتجة ، وإنّما هو لأنّ الفكر العلمي لم يستطع في تلك اللحظة أن يستكشف السرّ الذي اكتشفه بعد ذلك بعدّة شهور فقط ، تبعاً لظروفه الفسيولوجية والسيكولوجية .

بل ماذا كان يمكن أن يقع لو أنّ العلماء الروس لم يصلوا إلى سرّ الذرّة ؟ ألم يكن من الممكن أن يستغلّ المعسكر الرأسمالي في تلك اللحظة قوى الذرّة في القضاء على الحكومات الاشتراكية ؟! فيم نستطيع أن نفسّر اكتشاف العلماء الروس للسرّ ، الأمر الذي أنقذ العالم الاشتراكي من الدمار ؟ لا يمكننا أن نقول : إنّ

[1]دور الفرد في التأريخ : 93 .


صفحه 167

قوى الإنتاج هي التي أزاحت الستار عن هذا السرّ . وإلاّ فلماذا لم يدركه سوى نفرٌ خاص من العدد الكبير من العلماء الذريّين الذين كانوا يمارسون التجارب الذرية ؟! فإنّ هذا يوضح أن الاكتشاف مدين ـ بصورة خاصة ـ للتركيب العضوي الخاص وشروطه الذهنية ، ولو لم تتهيّأ هذا الشروط في شخصٍ أو أشخاص معدودين من علماء الروس ، ولم يوحد النبوغ العلمي الخاص المرتهن بذلك التركيب وتلك الشروط ، لمنيت الاشتراكية بالدمار والهزيمة الكبرى ، وبالرغم من قوانين المادّية التأريخية كلّها . وإذا كان من الممكن أن توجد لحظات في حياة الإنسان تقرّر مصير التأريخ أو نوعية الأحداث الاجتماعية ، فكيف يمكن أن تكون قوانين الوسائل المنتجة هي القوانين الحتمية للتأريخ ؟!

5 ـ الذوق الفني والماركسية :

والذوق الفني في الإنسان ـ بوصفه ظاهرة اجتماعية اشتركت فيها كلّ المجتمعات على اختلافها في النظم والعلاقات ووسائل الإنتاج ـ لون آخر من الحقائق الاجتماعية التي تضيق بها المادّية التأريخية كما سنرى . والحديث عن الذوق الفني له جوانب عديدة ، فالرسّام حين يبدع صورة رائعة لزعيم سياسي أو لمعركة حربية قد نسأل مرّةً عن : الطريقة التي اتبعها هذا الفنان في إبداع الصورة ، ونوعية الأدوات التي استعملها ، وقد نسأل مرّةً أخرى عن : الهدف الذي كان يرمي إليه من وراء هذه الصورة ، وقد نسأل ثالثةً : لماذا نعجب بها ونمتلئ أحساساً بروعتها والتذاذاً بمنظرها ؟

ويمكن للماركسية التي تجيب على السؤال الأوّل قائلة : إنّ الطريقة التي اتبعها الرسام خلال العملية هي الطريقة التي تفرضها درجة التطوّر في الأدوات


صفحه 168

وقوى الإنتاج . فالوسائل الطبيعية هي التي تقرّر طريقة الرسم .

وكذلك يمكن للماركسية أن تجيب على السؤال الثاني ، زاعمة : أنّ الفنّ استُخدم دائماً لخدمة الطبقة الحاكمة ، فالهدف الذي يدعو الفنان إلى التفنّن والإبداع هو تعزيز هذه الطبقة ومصلحتها ، ولما كانت هذه الطبقة وليدة القوى المنتجة فوسائل الإنتاج هي الجواب الأخير على هذا السؤال .

ولكن ماذا تصنع الماركسية بالسؤال الثالث : لماذا نعجب بالصورة ونستذوقها ؟ فهل قوى الإنتاج أو المصلحة الطبقية هي التي تخلق في نفوسنا هذا الإعجاب وهذا الذوق الفنّي ، أو هو شعور وجداني وذوق ينبع من صميم النفس وليس مستورداً من وسائل الإنتاج وظروفها الطبقية ؟

إنّ المادّية التأريخية تفرض على الماركسية أنّ تفسّر الذوق الفني بقوى الإنتاج والمصلحة الطبقية ؛ لأنّ العامل الاقتصادي هو الذي يفسّر كلّ الظواهر الاجتماعية في المادّية التأريخية ، ولكنّها لا تستطيع ذلك وإن حاولته ؛ إذ لو كانت القوى المنتجة أو المصلحة الطبقية هي التي تخلق هذا الذوق الفنّي لزال بزوالها ، ولتطوّر الذوق الفنّي تبعاً لتطوّر وسائل الإنتاج كما تتطوّر سائر الظواهر والعلاقات الاجتماعية ، مع أنّ الفنّ القديم بآياته الرائعة لا يزال في نظر الإنسانية حتى اليوم منبعاً من منابع اللذّة الجمالية ، ولا يزال يتحف الإنسان وهو في عصر الذرّة بما كان يتحفه به قبل آلاف السنين من انشراحٍ وسحرٍ ، فكيف ظلّت هذه المتعة النفسية حتى أخذ الإنسان الاشتراكي والرأسمالي يتمتّع بفنِّ مجتمعات الرقّ كما كان الأسياد والعبيد يتمتعون بها ؟! وبقدرة أيّ قادر استطاع الذوق الفنّي أن يتحرّر من قيود المادّية التأريخية ويخلد في وعي الإنسان ؟! أليس العنصر الإنساني الأصيل هو التفسير الوحيد الذي يجيب على هذه الأسئلة ؟!

ويقوم ماركس هنا بمحاولة للتوفيق بين قوانين المادّية التأريخية وإعجابنا