بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 164

في التأريخ، ومجرى الحوادث الاجتماعية فهل من الممكن أن نفسّر هذه الصفات على أساس القوى المنتجة والأوضاع الاقتصادية ، لننتهي مرّة أخرى إلى العامل الاقتصادي الذي تؤمن به الماركسية ؟

الحقيقة أنّ أحداً لا يشكّ في أنّ هذه الصفات لا يمكن تفسيرها على أساس العامل الاقتصادي وقوى الإنتاج ؛ فإنّ الوسائل المنتجة والظروف الاقتصادية ليست هي التي كوّنت المزاج الخاص للملك لويس الخامس عشر مثلاً ، بل كان من الممكن ـ لو ساعدت الشروط الطبيعية والسيكولوجية ـ أن يكون لويس الخامس عشر شخصاً صُلباً قويّ الإرادة نظير لويس الرابع عشر ، أو نابليون مثلاً ، وإنّما نبع مزاجه الخاص من الخصائص الفيزيائية والفيزيولوجية والنفسية التي يتكوّن منها وجوده الخاص ، وشخصيّته المتميّزة .

وقد تبتدر الماركسية هنا قائلة : أليست العلاقات الاجتماعية التي أنشأها العامل الاقتصادي في المجتمع الفرنسي هي التي سمحت للملك لويس أن يؤثّر على التأريخ ويعكس مُيوعته على الأحداث العسكرية والسياسية ، بما أقرّته تلك العلاقات من النظام الملكي الوراثي ؟! فالدور التأريخي الذي أدّاه هذا الملك ليس في الحقيقة إلاّ نتاجاً لهذا النظام الذي هو بدوره وليد الوضع الاقتصادي وقوى الإنتاج ، وإلا فمَن يستطيع أن يقول : إنّ لويس كان يمكنه أن يؤثّر في التأريخ لو لم يكن ملكاً ولم تكن فرنسا تعترف بنظام الملكية الوراثية في الحكم[1]؟!

وهذا صحيح ، فإنّ لويس لو لم يكن ملكاً لكان كمّية مهملة في حساب التأريخ ، ولكنّا نقول من ناحية أخرى : إنّه لو كان ملكاً يتمتّع بشخصية صُلبة وقوّة

[1]راجع : دور الفرد في التأريخ : 68 .


صفحه 165

تصميم لاختلف دوره التأريخي ، ولاختلفت بالتالي أحداث فرنسا السياسية والعسكرية ، فما الذي سلب منه صلابة الشخصية ، وحرمه من قوّة التصميم ؟ أهو النظام الملكي أو العوامل الطبيعية التي ساهمت في تركيبه العضوي وتكوينه الخاص ؟

وبكلمة أخرى : أنّ ثلاثة تقادير كان من الممكن أن يوجد أيّ واحد منها في فرنسا : السلطة السياسية الجمهورية ، والسلطة المَلَكيّة المتمثّلة في شخص مائع ، والسلطة المَلَكيّة المتمثّلة في مَلِكٍ قويّ حديدي .

ولكلّ من هذه التقادير الثلاثة أثره الخاص في مجرى الحوادث السياسية والعسكرية ، وبالتالي في تكوين فرنسا لفترة من الزمن .

فلنتبين فحوى قوانين التأريخ التي استكشفتها الماركسية وفسّرت على أساسها التأريخ بالعامل الاقتصادي .

إنّ هذه القوانين تشير إلى أنّ الوضع الاقتصادي لم يكن يسمح بقيام سلطة جمهورية في البلاد بل كان يفرض النظام الملكي في الحكم . ولنفترض أنّ هذا صحيح فليس هو إلا جانباً واحداً من المسألة ؛ لأنّنا نستطيع بذلك أن نستبعد التقدير الأوّل ويبقى التقديران الآخران . فهل هناك قانون علمي يحتّم وجود ملك مائع أو قوي في تلك الفترة من تأريخ فرنسا سوى القوانين العلمية : في الفيزياء والفيزيولوجيا والسيكولوجيا ، التي تفسّر شخصية لويس ومزاجه الخاص ؟!

وهكذا نعرف، أنّ للأفراد أدوارهم في التأريخ التي تحدّدها لهم العوامل الطبيعية والنفسية ، لا قوى الإنتاج السائدة في المجتمع .

وليست هذه الأدوار التأريخية ، التي يقوم بها الأفراد وفقاً لتكوينهم الخاص ، أدواراً ثانوية في عملية التأريخ دائماً ، كما زعم ( بليخانوف ) الكاتب الماركسي


صفحه 166

الكبير ، إذ أكّد على :

( أنّ الخصائص الفردية التي يتّصف بها الرجال العظام تحدّد السمة الخاصة للحوادث التأريخية ، وتحدّد عامل المصادفة ... وتلعب دوراً جزئياً في مجرى هذه الحوادث التي تحدّد اتجاهها في النهاية الأسباب الموصوفة بالعامة ، أي : بتطوّر القوى المنتجة ، وبالعلاقات التي تحدّدها هذه القوى بين الناس )[1].

ولا نريد أن نعلّق على تأكيد ( بليخانوف ) هذا إلاّ بمثالٍ واحدٍ نستطيع أن ندرك في ضوئه كيف يمكن أن يكون دور الفرد سبباً لتحوّل الاتجاه التأريخي بشكل حاسم ، فماذا كان يقدّر لوجهة التأريخ العالمي لو أنّ عالماً ذرياً في ألمانيا النازيّة قد سبق إلى اكتشاف سرّ الذرة بعدّة شهور فقط ؟ ألم يكن امتلاك هتلر لهذا السرّ كفيلاً بتغيير وجهة التأريخ وتقويض الديمقراطية الرأسمالية والاشتراكية الماركسية من أوروبا ؟! فلماذا لم يستطع هتلر أن يملك هذا السر ؟ ليس ذلك طبعاً بسبب من الوضع الاقتصادي ونوعيّة القوى المنتجة ، وإنّما هو لأنّ الفكر العلمي لم يستطع في تلك اللحظة أن يستكشف السرّ الذي اكتشفه بعد ذلك بعدّة شهور فقط ، تبعاً لظروفه الفسيولوجية والسيكولوجية .

بل ماذا كان يمكن أن يقع لو أنّ العلماء الروس لم يصلوا إلى سرّ الذرّة ؟ ألم يكن من الممكن أن يستغلّ المعسكر الرأسمالي في تلك اللحظة قوى الذرّة في القضاء على الحكومات الاشتراكية ؟! فيم نستطيع أن نفسّر اكتشاف العلماء الروس للسرّ ، الأمر الذي أنقذ العالم الاشتراكي من الدمار ؟ لا يمكننا أن نقول : إنّ

[1]دور الفرد في التأريخ : 93 .


صفحه 167

قوى الإنتاج هي التي أزاحت الستار عن هذا السرّ . وإلاّ فلماذا لم يدركه سوى نفرٌ خاص من العدد الكبير من العلماء الذريّين الذين كانوا يمارسون التجارب الذرية ؟! فإنّ هذا يوضح أن الاكتشاف مدين ـ بصورة خاصة ـ للتركيب العضوي الخاص وشروطه الذهنية ، ولو لم تتهيّأ هذا الشروط في شخصٍ أو أشخاص معدودين من علماء الروس ، ولم يوحد النبوغ العلمي الخاص المرتهن بذلك التركيب وتلك الشروط ، لمنيت الاشتراكية بالدمار والهزيمة الكبرى ، وبالرغم من قوانين المادّية التأريخية كلّها . وإذا كان من الممكن أن توجد لحظات في حياة الإنسان تقرّر مصير التأريخ أو نوعية الأحداث الاجتماعية ، فكيف يمكن أن تكون قوانين الوسائل المنتجة هي القوانين الحتمية للتأريخ ؟!

5 ـ الذوق الفني والماركسية :

والذوق الفني في الإنسان ـ بوصفه ظاهرة اجتماعية اشتركت فيها كلّ المجتمعات على اختلافها في النظم والعلاقات ووسائل الإنتاج ـ لون آخر من الحقائق الاجتماعية التي تضيق بها المادّية التأريخية كما سنرى . والحديث عن الذوق الفني له جوانب عديدة ، فالرسّام حين يبدع صورة رائعة لزعيم سياسي أو لمعركة حربية قد نسأل مرّةً عن : الطريقة التي اتبعها هذا الفنان في إبداع الصورة ، ونوعية الأدوات التي استعملها ، وقد نسأل مرّةً أخرى عن : الهدف الذي كان يرمي إليه من وراء هذه الصورة ، وقد نسأل ثالثةً : لماذا نعجب بها ونمتلئ أحساساً بروعتها والتذاذاً بمنظرها ؟

ويمكن للماركسية التي تجيب على السؤال الأوّل قائلة : إنّ الطريقة التي اتبعها الرسام خلال العملية هي الطريقة التي تفرضها درجة التطوّر في الأدوات


صفحه 168

وقوى الإنتاج . فالوسائل الطبيعية هي التي تقرّر طريقة الرسم .

وكذلك يمكن للماركسية أن تجيب على السؤال الثاني ، زاعمة : أنّ الفنّ استُخدم دائماً لخدمة الطبقة الحاكمة ، فالهدف الذي يدعو الفنان إلى التفنّن والإبداع هو تعزيز هذه الطبقة ومصلحتها ، ولما كانت هذه الطبقة وليدة القوى المنتجة فوسائل الإنتاج هي الجواب الأخير على هذا السؤال .

ولكن ماذا تصنع الماركسية بالسؤال الثالث : لماذا نعجب بالصورة ونستذوقها ؟ فهل قوى الإنتاج أو المصلحة الطبقية هي التي تخلق في نفوسنا هذا الإعجاب وهذا الذوق الفنّي ، أو هو شعور وجداني وذوق ينبع من صميم النفس وليس مستورداً من وسائل الإنتاج وظروفها الطبقية ؟

إنّ المادّية التأريخية تفرض على الماركسية أنّ تفسّر الذوق الفني بقوى الإنتاج والمصلحة الطبقية ؛ لأنّ العامل الاقتصادي هو الذي يفسّر كلّ الظواهر الاجتماعية في المادّية التأريخية ، ولكنّها لا تستطيع ذلك وإن حاولته ؛ إذ لو كانت القوى المنتجة أو المصلحة الطبقية هي التي تخلق هذا الذوق الفنّي لزال بزوالها ، ولتطوّر الذوق الفنّي تبعاً لتطوّر وسائل الإنتاج كما تتطوّر سائر الظواهر والعلاقات الاجتماعية ، مع أنّ الفنّ القديم بآياته الرائعة لا يزال في نظر الإنسانية حتى اليوم منبعاً من منابع اللذّة الجمالية ، ولا يزال يتحف الإنسان وهو في عصر الذرّة بما كان يتحفه به قبل آلاف السنين من انشراحٍ وسحرٍ ، فكيف ظلّت هذه المتعة النفسية حتى أخذ الإنسان الاشتراكي والرأسمالي يتمتّع بفنِّ مجتمعات الرقّ كما كان الأسياد والعبيد يتمتعون بها ؟! وبقدرة أيّ قادر استطاع الذوق الفنّي أن يتحرّر من قيود المادّية التأريخية ويخلد في وعي الإنسان ؟! أليس العنصر الإنساني الأصيل هو التفسير الوحيد الذي يجيب على هذه الأسئلة ؟!

ويقوم ماركس هنا بمحاولة للتوفيق بين قوانين المادّية التأريخية وإعجابنا


صفحه 169

بالفن الإنساني القديم ، زاعماً : أنّ الإنسان الحديث يلتذّ بروعة الفنّ القديم بوصفه ممثّلاً لطفولة النوع البشري ، كما يلذّ لكلّ إنسان أن يستعرض أحوال طفولته البريئة الخالية من التعقيد[1].

ولكنّ ماركس لا يقول لنا شيئاً عن سرور الإنسان بأحوال الطفولة ، فهل هو نزعة أصيلة في الإنسان ، أو ظاهرة خاضعة للعامل الاقتصادي ومتغيّرة تبعاً له ؟

ثمّ لماذا يجد الإنسان الحديث المتعةَ والسحر في روائع اليونان الفنّية مثلاً ، ولا يجد هذه المتعة والسحر في استعراض بقية ظواهر حياتهم من أفكار وعادات ومفاهيم بدائية ، مع أنّها جميعاً تمثّل طفولة النوع البشري ؟

وماذا يقول لنا ماركس عن المناظر الطبيعية الخالصة التي كانت منذ أبعد آماد التأريخ ولا تزال قادرة على إرضاء الحس الجمالي في الإنسان وبعث المتعة إلى نفسه ؟! فكيف نجد المتعةَ في هذه المناظر كما كان يجدها الأسياد والرقيق والإقطاعيون والأقنان مع أنّها مظاهر طبيعية لا تمثّل شيئاً من طفولة النوع البشري التي يفسّر ماركس على أساسها إعجابنا بالفنّ القديم ؟!

أفلسَنا نعرف من هذا أنّ المسألة ليست مسألة الإعجاب بصور الطفولة ، وإنّما هي مسألة الذوق الفنّي الأصيل العام الذي يجعل إنسان عصر الرقّ وإنسان عصر الحريّة يشعران بشعور واحد ؟!

* * *

وفي ختام دراستنا هذه للنظرية بما هي عامّة ألا نجد من الطبيعي أن يندم أنجلز المؤسّس الثاني للمادّية التأريخيّة على المبالغة بدور العامل الاقتصادي في التأريخ ، ويعترف بأنّه مع صديقه ماركس قد اندفعنا بروح مذهبية

[1]كارل ماركس : 243 .


صفحه 170

في مفهومهما المادّي عن التأريخ اندفاعاً خاطئاً ؟! فقد كتب أنجلز إلى يوسف بلوخ عام (1890م ) يقول :

( إنّ توجيه الكتّاب الناشئين الاهتمام إلى الجانب الاقتصادي بأكثر ممّا يستحق أمر يقع اللوم فيه على عاتقي وعاتق ماركس ؛ لقد كان علينا أن نؤكّد هذا المبدأ الرئيسي لنعارض خصومنا الذين كانوا ينكرونه ، ولم يكن لدينا الوقت أو المكان أو الفرصة لنضع العناصر الأخرى التي تتضمنّها العلاقة المتداخلة في مواضعها الحقيقية )[1].

[1]التفسير الاشتراكي للتأريخ : 116 .


صفحه 171

4 ـ النظـرية بتفاصيـلها

حين نأخذ تفاصيل النظرية بالدرس والتمحيص يجب أن نبدأ بالمرحلة الأولى من مراحل التأريخ في رأي الماركسية ، وهي الشيوعية البدائية .

[ 1 ـ الشيوعية البدائية ]

فلقد مرّت الإنسانية في عقيدة الماركسيين بدور الشيوعية البدائية في مطلع حياتها الاجتماعية ، وكان هذا الدور يحمل في طيّاته نقيضه وفقاً لقوانين الديالكتيك ، وبعد صراع طويل نما النقيض واشتدّ حتى حطّم الكيان الشيوعي للمجتمع وبرز النقيض منتصراً في ثوب جديد ، وهو النظام العبودي ومجتمع الرقّ ، بدلاً عن نظام الإشاعة ومجتمع المساواة .

هل وجد المجتمع الشيوعي؟

وقبل أن نستوعب تفاصيل هذه المرحلة ، يعترضُ البحثَ سؤالٌ أساسي : ما هو الدليل العلمي على أنّ البشرية مرّت بدور الشيوعية البدائية حقاً ؟ بل كيف يمكن الحصول على هذا الدليل العلمي ما دمنا نتكلّم عن الإنسانية قبل عصور