بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 173

اجتماعية بدائية ـ حتى عصرنا هذا ـ بين كثير من الشعوب ، كما هو الحال بالنسبة لبعض السكّان الملوّنين في أفريقيا وبولونيزيا وماليزيا واستراليا ، وهنود أمريكا قبل اكتشافها ، والأسكيمو واللاجئون ... وأغلب المعلومات الكثيرة التي وصلتنا من هذه المجتمعات البدائية قدّمها رجال البعثات التبشيرية الذين حرّفوا الحقائق عن قصد أو غير قصد )[1].

ولنسلّم أنّ المعلومات التي اعتمدت عليها الماركسية عن تلك المجتمعات المعاصرة هي وحدها المعلومات الصحيحة ، فمن حقّنا بعد ذلك أن نتساءل عن هذه المجتمعات : هل هي مجتمعات بدائية يمكن الاعتماد عليها في تصوير البدائية الاجتماعية ؟ وبالنسبة إلى هذا السؤال الجديد لا تملك الماركسية دليلاً واحداً على بدائية هذه المجتمعات المعاصرة ، بالمعنى العلمي للفظ ، بل إنّ قوانين التطوّر الحتمي للتأريخ التي تؤمن بها الماركسية تقضي بأنّ تلك المجتمعات قد شملتها عملية التطوّر الاجتماعي حتماً ، فالماركسية حين تزعم أنّ الحالة الحاضرة لتلك المجتمعات هي حالتها البدائية تُبطل قوانين التطوّر وتقرر الجمود عبر آلاف السنين !

كيف نفسّر الشيوعية البدائية ؟

ولنترك هذا لنرى الماركسية كيف تفسّر هذه المرحلة الشيوعية المزعومة ، وفقاً لقوانين المادّية التأريخية ؟

إنّ الماركسية تفسّر علاقات الملكيّة الشيوعية في المجتمع البدائي للبشريّة

[1]القوانين الأساسية للاقتصاد الرأسمالي : 10 .


صفحه 174

بالدرجة البدائية، التي كانت عليها قوى الإنتاج حينئذ، وظروف الإنتاج السائدة . فإنّ الناس كانوا مضطرّين إلى ممارسة الإنتاج بشكل اجتماعي مشترك والتكتّل في وجه الطبيعة ؛ نظراً إلى ما كان عليه الإنسان من ضعفٍ وقلّة حيلة . والاشتراك في الإنتاج يحتّم قيام علاقات الملكية الاشتراكية ولا يسمح بفكرة الملكيّة الخاصّة . فالملكية إنّما كانت اشتراكية لأنّ الإنتاج اشتراكي ، ويقوم التوزيع بين أفراد المجتمع على أساس المساواة بسبب من ظروف الإنتاج أيضاً ؛ لأنّ المستوى الشديد الانخفاض للقوى المنتجة فرض تقسيم الغذاء الضئيل والسلع البسيطة المنتَجة إلى أجزاء متساوية ، وكان من المستحيل قيام أيّ طريقة أخرى للتقسيم ، لأنّ حصول أحد الأفراد على نصيب يزيد على نصيب الآخرين يعني أن يموت شخص آخر جوعاً[1].

بهذه الطريقة تفسّر الماركسية شيوعية المجتمع البدائي ، وتشرح أسباب المساواة السائدة فيه ، التي تحدّث عنها( مورغان ) بصدد وصف القبائل البدائية التي شاهدها تعيش في سهول أمريكا الشمالية ، ورآها تقسّم لحوم الحيوانات إلى أجزاء متساوية توزّع على أفراد القبيلة كلّها .

تقول الماركسية هذا في نفس الوقت الذي تناقض ذلك عندما تتحدّث عن أخلاق المجتمع الشيوعي وتمجّد بفضائله ، فتنقل عن ( جيمس آديررز ) الذي درس هنود أمريكا في القرن الماضي : أنّ تلك الجماعات البدائية كانت تعتبر عدم تقديم المعونة لمن يحتاجها جريمة كبرى يُحتقر مرتكبها . وتنقل عن الباحث ( كاتلين ) : أنّ كلّ فرد في القرية الهندية ، رجلاً كان أو امرأة أو طفلاً ، كان له الحقّ في أن يدخل إلى أيّ مسكن من المساكن ويأكل إن كان جائعاً ، بل إنّ أولئك الذين

[1]تطوّر الملكية الفردية : 14 .


صفحه 175

كانوا يعجزون عن العمل ، أو يقعد بهم مجرّد الكسل عن الصيد ، كانوا يستطيعون رغم ذلك أن يدخلوا إلى أيّ منزلٍ يشاؤون ويقتسمون الطعام مع من فيه . وبذلك كان الفرد في تلك المجتمعات يحصل على الطعام مهما تهرّب من التزاماته في إنتاج هذا الطعام ، ودون أن يترتب على تهرّبه إلاّ إحساسه بفقدان ملحوظ لهيبته[1].

وهذه المعلومات التي تتحفنا بها الماركسية عن أخلاق المجتمعات الشيوعية البدائية ، وتقاليدها المتّبعة اجتماعياً ، توضّح أنّ مستوى القوى المنتجة لم يكن منخفضاً إلى الدرجة التي تعني أنّ زيادة نصيب أحد الأفراد من الإنتاج يؤدّي إلى موت شخص آخر جوعاً ، بل كانت توجد وفرة يحصل على شيء منها الضعيف والعاجز وغيرهما ، فلماذا إذن كانت المساواة في التوزيع هي الطريقة الوحيدة الممكنة ؟! وكيف لم يخطر على ذهن أحد فكرة الاستغلال والتلاعب في التوزيع ما دام في الإنتاج وفرة يمكن استغلالها ؟ وإذا كانت قوى الإنتاج تسمح بقيام الاستغلال في تلك المجتمعات فيجب أن نجد سبب عدم ظهوره فيها ماثلاً في درجة وعي الإنسان البدائي وفكره العملي . فقد جاءت فكرة الاستغلال عنده كظاهرة متأخّرة لهذا الوعي والفكر العملي ، وكنتيجة لنموّه وزيادة الخبرة الإنسانية بالحياة .

وإذا أمكن للماركسية أن تقول ـ أو أمكن لنا أن نقول من وجهة نظرنا ـ : أنّ طريقة المساواة في التوزيع أتت في بادئ الأمر تبعاً لقلّة الإنتاج ، ثمّ تأصّلت وأصبحت عادة . فهل نجد في ذلك تفسيراً معقولاً لموقف المجتمع البدائي من الأفراد الكسالى الذين يتركون العمل عن قصد واختيار فيجدون كفايتهم

[1]تطوّر الملكية الفردية : 18 .


صفحه 176

في إنتاج الآخرين، دون أن يتهدّدهم خطر الجوع، والحرمان ؟! فهل الاشتراك الاجتماعي في عمليات الإنتاج يفرض توزيع الإنتاج على غير المشتركين في الإنتاج أيضاً ! وإذا كان البدائيون قد حرصوا أوّل الأمر على طريقة المساواة لئلا يموت أحدهم جوعاً فيخسرون بذلك عوناً في عمليات الإنتاج الجماعي ، فلماذا حرصوا على إعالة الكسالى الذين لا يخسرون بفقدهم شيئاً !

ما هو نقيض المجتمع الشيوعي ؟

إنّ المجتمع الشيوعي البدائي منذ ولد كان في رأي الماركسية يخفى في أحشائه تناقضاً أخذ ينمو ويشتد حتى قضى عليه . وليس هذا التناقض طبقياً ؛ لأنّ المجتمع الشيوعي طبقة واحدة وليس فيه طبقتان متناقضتان ، وإنّما هو التناقض بين العلاقات الشيوعية في الملكية ، وقوى الإنتاج حين تأخذ بالنمو حتى تصبح العلاقات الشيوعية معيقة لها عن نموّها ، ويكون الإنتاج عندئذ بحاجة إلى علاقات جديدة ، يستطيع أن يواصل نموّه ضمنها .

أمّا كيف ولماذا تصبح العلاقات الشيوعية معيقة لقوى الإنتاج عن نموّها ؟ فهذا ما تشرحه الماركسية قائلة : إنّ ارتقاء القوى المنتجة جعل في إمكان الفرد أن ينال من عمله في تربية الماشية والزراعة من وسائل المعيشة ما يزيد عمّا يلزمه للمحافظة على حياته ، وبذلك أصبح الفرد قادراً على الاكتفاء بالعمل في جزء محدود من الوقت لإعاشة نفسه دون أن يبذل كلّ طاقاته العملية ، فكان لا بدّ ـ لكي تجنّد كلّ الطاقات العملية لصالح الإنتاج ، كما تتطلّبه القوى المنتجة في ارتقائها ونموّها ـ أن تُخلق قوّة اجتماعية جديدة تضطرّ المنتجين إلى بذل كلّ طاقاتهم ، وحيث إنّ العلاقات الشيوعية لا يوجد فيها هذه القوّة أصبح من الضروري استبدال تلك العلاقات بالنظام العبودي الذي يتيح للأسياد أن يرغموا


صفحه 177

العبيد على العمل المتواصل . وهكذا نشأ النظام العبودي .

وقد بدأ النظام العبودي أوّل ما بدأ باستعباد الأسرى الذين كانت القبيلة تربحهم في غاراتها ، وقد اعتادت قبلاً أن تقضي عليهم ؛ لأنّها لم تكن تجد مصلحة في إبقائهم وإعالتهم . وبعد تطوّر الإنتاج أصبح من المصلحة الاقتصادية للقبيلة استبقاؤهم واسترقاقهم ؛ لأنّهم ينتجون أكثر ممّا يأكلون ، وهكذا تحوّل أسرى الحرب إلى عبيد . ونتيجة لإثراء الذين استخدموا العبيد أخذ هؤلاء الأثرياء يستعبدون أعضاء قبيلتهم ، وانقسم المجتمع إلى سادة وعبيد ، واستطاع الإنتاج أن يواصل ارتقاءه خلال هذا الانقسام وبفضل النظام العبودي الجديد .

ونحن إذا دقّقنا في هذا استطعنا أن نتبيّن من خلال التفسير الماركسي نفسه أنّ المسألة هي مسألة الإنسان قبل أن تكون مسألة وسائل الإنتاج ؛ لأنّ نموّ القوى المنتجة لم يكن يتطلّب إلاّ مزيداً من العمل البشري ، وأمّا الطابع الاجتماعي للعمل فليس له علاقة بنموّها ، فكما أنّ العمل الكثير العبودي ينمّي الإنتاج كذلك العمل الكثير الحرّ . فلو أنّ أفراد المجتمع قرّروا جميعاً مضاعفة جهودهم في الإنتاج وتقسيم النتاج بعد ذلك بالتساوي ، لضمنوا بذلك للقوى المنتجة نموّها الذي حقّقه المجتمع العبودي ، بل لَنَما الإنتاج كيفيّاً ونوعيّاً أكثر ممّا نما بممارسة العبيد ؛ لأنّ العبد يعمل بيأس ولا يحاول أن يفكّر أو يكسب خبرة في سبيل تحسين الإنتاج ، على العكس من الأحرار المتضامنين في العمل .

فنموّ القوى المنتجة ـ إذن ـ لم يكن يتوقّف على الطابع العبودي للعمل ، وإنّما كان يتوقّف على مضاعفة العمل ، فلماذا إذن ضاعف الإنسان الاجتماعي العمل عن طريق تحويل نصف المجتمع إلى عبيد ، ولم يحقّق ذلك عن طريق الاتفاق الحر ـ بين الجميع ـ على مضاعفة العمل ؟! إنّ الجواب على هذا السؤال لا نجده إلاّ في الإنسان نفسه ، وفي ميوله الطبيعية فهو ميال بطبيعته إلى الاقتصاد في العمل ،


صفحه 178

وسلوك أوفر الطرق راحةً إلى غايته . فلا يواجه سبيلين أمامه إلى غاية واحدة إلاّ اختار أقلّهما جهداً . وليس هذا الميل الأصيل نتاجاً لوسائل الإنتاج وإنّما هو نَتاج تركيبه الخاص . ولذلك ظلّ هذا الميل ثابتاً بالرغم من تطوّر الإنتاج خلال آلاف السنين ، كما أنّه ليس نتاجاً للمجتمع ، بل إنّ تكوّن المجتمع إنّما كان بسبب هذا الميل الطبيعي في الإنسان ؛ إذ رأى أنّ التكتل أقلّ الأساليب جهداً لمقاومة الطبيعة واستثمارها .

وهذا الميل الطبيعي هو الذي أوحى إلى الإنسان بفكرة استعباد الآخرين ؛ بصفته أضمن الطرق لراحته وأقلها تكليفاً له . وعلى هذا فليست قوى الإنتاج هي التي صنعت للإنسان الاجتماعي النظام العبودي أو دفعته في هذا السبيل ، وإنّما هي التي هيأت له الظروف الملائمة للسير وفقاً لميله الطبيعي . فمَثلُها في ذلك نظير من يعطي شخصاً سيفاً فينفّس هذا الشخص عن حقده ويقتل به عدوه . فلا يمكننا أن نفسّر حادثة القتل هذه على أساس السيف فحسب ، وإنّما نفسّرها ـ قبل ذلك ـ في ضوء المشاعر الخاصة التي كانت تختلج في نفس القاتل ، إذ لم يكن تسليم السيف إليه يدفعه إلى ارتكاب الجريمة لولا تلك المشاعر التي ينطوي عليها .

ونلاحظ في هذا المجال ، أنّ الماركسية تلتزم الصمت إزاء سبب آخر كان من الطبيعي أن يكون له أثره الكبير في القضاء على الشيوعية وتطوير المجتمع إلى سادة وعبيد ، وهو ما أدّت إليه الشيوعية من ركون الكثرة الكاثرة من أفراد المجتمع إلى الدعة والكسل ، والانصراف عن مواصلة الإنتاج وتنميته ، حتى كتب( لوسكيل ) عن بعض القبائل الهندية يقول :

( إنّهم من الكسل بحيث لا يزرعون شيئاً بأنفسهم ، بل يعتمدون كلّ الاعتماد على احتمال : أنّ غيرهم لن يرفض أن


صفحه 179

يقاسموه في إنتاجه . ولمّا كان النشيط لا يتمتّع من ثمار الأرض بأكثر ممّا يتمتّع الخامل ، فإنّ إنتاجهم يقلّ عاماً بعد عام ) .

فالماركسية لا تشير إلى هذه المضاعفات للشيوعية البدائية ، بصفتها عاملاً في فشلها واختفائها عن مسرح التأريخ ، وقيام الأفراد النشيطين باستعباد الكسالى واستخدامهم في مجالات الإنتاج بالقوّة .

وهذا موقف مفهوم من الماركسية تماماً ، فإنّها لا تعترف بما نجم عن الشيوعية من كسل وخمول شامل ؛ لأنّ ذلك يضع يدنا على الداء الأصيل في الشيوعية الذي يجعلها لا تصلح للإنسان بتركيبه النفسي والعضوي الخاص الذي وجد في إطاره منذ فجر الحياة ، ويبرهن على أنّها لا تصلح للطبيعة الإنسانية ، ويقدّم الدليل على أنّ ما حصل من مضاعفات مشابهة لذلك خلال محاولة الثورة الحديثة في روسيا لتطبيق الشيوعية تطبيقاً كاملاً لم يكن نتيجة للأفكار الطبقية والذهنية الرأسمالية المسيطرة على المجتمع كما يدّعي الماركسيون ، وإنّما كانت تعبيراً عن واقع الإنسان ودوافعه ومشاعره الذاتية التي خلقت معه قبل أن تولد الطبقية وتناقضاتها وأفكارها .

[2 ـ ] المجتمع العبودي

وبتحوّل المجتمع من الشيوعية البدائية إلى مجتمع عبودي تبدأ المرحلة الثانية في المادّية التأريخية . وببدئها تولّد الطبقية في المجتمع ، وينشأ التناقض الطبقي بين طبقة السادة وطبقة العبيد ، الأمر الذي قذف المجتمع في أتون الصراع الطبقي لأوّل مرّة في التأريخ ، ولم يزل هذا الصراع قائماً حتى اليوم بأشكال


صفحه 180

مختلفة تبعاً لنوعية القوى المنتجة ومتطلّباتها .

ومن الضروري أن نثير هنا سؤالاً ـ في وجه الماركسية ـ عن هذه الانقسامية الفاصلة في حياة البشرية ، التي قسّمت المجتمع إلى طبقتين : سادة وعبيد ، كيف أعطيت فيها السيادة لأولئك وكتب على هؤلاء الرقّ والعبودية ؟

ولماذا لم يقم السادة بدور العبيد والعبيد بدور السادة ؟ وللماركسية جوابها الجاهز على هذا السؤال ، فهي تقول: إنّ كلاً من السادة والعبيد قد مثّل الدور المحتوم الذي يفرضه العامل الاقتصادي ومنطق الإنتاج ؛ لأنّ الجماعة التي مثّلت دور السيادة في المجتمع كانت على مستوى عالٍ من الثروة نسبياً ، وكانت تملك بسبب ذلك القدرة على ربط الآخرين بها برباط الرقّ والعبودية . ولكنّ اللّغز يبقى ـ بالرغم من هذا الجواب ـ كما هو لم يتغيّر ؛ لأنّنا نعلم أنّ هذه الثروات الضخمة نسبياً لم تهبط على الأسياد من السماء ، فكيف حصل عليها هؤلاء دون غيرهم واستطاعوا أن يفرضوا سيادتهم على الآخرين مع أنّ الجميع كانوا يعيشون في مجتمع شيوعي واحد ؟!

وتجيب الماركسية على هذا السؤال من جديد بأمرين :

أحدهما : أنّ الأفراد الذين كانوا يزاولون مهامّ الرؤساء والقادة الحربيين ورجال الدين في المجتمع الشيوعي البدائي أخذوا يستغلّون مركزهم لكي يحصلوا على الثروة ، فامتلكوا جزاءاً من الملكية الشائعة ، وبدأوا ينفصلون شيئاً فشيئاً عن أعضاء جماعاتهم ليكوّنوا أرستقراطية ، بينما كان أعضاء الجماعة يسقطون شيئاً فشيئاً تحت تبعيتهم الاقتصادية[1].

والآخر : أنّ ممّا ساعد على إيجاد التفاوت والتناقض في مستويات الإنتاج

[1]تطوّر الملكية الفردية : 32 .