بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 193

يمكننا قبل كلّ شيء أن نلاحظ بهذا الصدد ما أصابه ماركس من التوفيق وما أتقنه بذكاء وبراعة من التصرّف البارع بالألفاظ . ذلك أنّه لاحظ لدى تحليل النظام الرأسمالي أنّ هذا النظام يتضمّن في أعماقه علاقة معيّنة بين رأسمالي يملك وسائل الإنتاج وأجير لا يملك شيئاً منها ، وهو لذلك يتنازل عن منتوجه إلى الرأسمالي . واستخلص من ذلك : أنّ النظام الرأسمالي يتوقّف على عدم وجود القوى المنتجة عند الفئات العاملة القادرة على ممارسة الإنتاج وانحصارها لدى التجاريّين ، لتضطرّ تلك الفئات إلى العمل بأجرة عند هؤلاء . وهذه الحقيقة تعتبر واضحة دون مراء ، غير أنّ ماركس كان بحاجة إلى لعبة لفظيّة ليصل عن طريق هذه الحقيقة إلى ما يعينه ، ولذلك غيّر من تعبيره، وانتقل من قوله ذاك إلى التأكيد على : أنّ سر التراكم الأوّل يمكن في فصل وسائل الإنتاج عن المنتجين وتجريدهم منها بالقوّة ، واختصاص التجاريين بها .

وهكذا بدأ هذا المفكر الكبير ، وكأنّه لم يدرك الفرق المعنوي بين المقدمات التي ساقها، والنتيجة التي انتهى إلى التأكيد عليها . فإنّ تلك المقدّمات كانت تعني : أنّ عدم وجود الوسائل المنتجة عند جماعات من القادرين على العمل ، ووجودها عند التجاريين ، هو الشرط الأساسي لوجود الرأسمالية . وهذا يختلف عن النتيجة التي انتهى إليها أخيراً، والتي فسّرت عدم وجود الوسائل لدى الأجراء : بتجريدهم منها وانتزاعها منهم بالقوة .

فهذا التجريد والانتزاع إذن إضافة جديدة تماماً لا تتضمّنها المقدّمات التحليلية التي ساقها ، ولا يمكن أن يستنتج منطقياً من تحليل جوهر النظام الرأسمالي ، والعلاقات المحددة فيه بين المالك والأجير .

وقد تقول الماركسية تعليقاً على ما قلناه : صحيح أنّ النظام الرأسمالي إنّما يتوقّف فقط على عدم وجود الوسائل المنتجة عند العمال ، وتوفّرها عند التجاريّين . ولكن كيف نفسّر ذلك ؟ ولماذا لم توجد الوسائل المنتجة عند العمال


صفحه 194

ووجدت عند التجاريين ، لو لم تقم حركة تجريد العمال من وسائلهم المنتجة ، واغتصابها لحساب التجاريين ؟!

وردّنا على هذا القول يتلخّص في وجوه :

فأوّلاً : إنّ هذا الوصف لا ينطبق على المجتمعات التي قامت فيها الرأسمالية على أكتاف الطبقة الإقطاعية ، كما اتفق في ألمانيا مثلاً ، إذ قام عدد كبير من الإقطاعيين بتشييد المصانع ومباشرة إدارتها وتمويلها بما كانوا يحصلون عليه من ريع إقطاعي . فليس من الضروري أن يحدث التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية على إثر حركة اغتصاب جديد ، ما دام يمكن للإقطاعيين أنفسهم أن يباشروا الإنتاج الرأسمالي على أساس ما يملكون من ثروات إقطاعية ، تمّ لهم استملاكها في مطلع التأريخ الإقطاعي .

وكما لا ينطبق الوصف الماركسي على الرأسمالية الصناعية التي نشأت على أكتاف الطبقة الإقطاعية ، كذلك لا ينطبق على الرأسمالية الصناعية التي تكوّنت من الرِّباح التجارية ، كما وقع في الجمهوريّات التجارية الإيطـالية كـ ( البندقية ) ، و( جنوا ) و( فلورنسة ) وغيرها . فإنّ طبقة من التجاريين وجدت في هذه المدن قبل أن يخلق أجراء الصناعة ، أي قبل أن يوجد النظام الرأسمالي بمعناه الصناعي الذي يفتّش ماركس عن جذوره ، فكان الصنّاع يعملون لحسابهم الخاص ، وكان أولئك التجّار يشترون منهم منتوجاتهم للاتّجار بها ، فيجنون الرِّباح الطائلة عن طريق التجارة مع الشرق ، التي ازدهرت في أعقاب الحروب الصليبية . وازداد مركزهم التجاري نجاحاً بتمكّنهم من احتكار التجارة مع الشرق عن طريق التفاهم مع سلاطين المماليك أصحاب السيادة على مصر والشام ، فتضاعفت أرباحهم ، واستطاعوا عن هذا الطريق أن يتخلّصوا من سلطة الإقطاع ، وبالتالي أن يشيّدوا المصانع الكبيرة التي اكتسحت ـ بالمنافسة ـ الصناعات


صفحه 195

اليدوية الصغيرة . فقام على هذا الأساس الإنتاج الرأسمالي أو الرأسمالية الصناعية .

وثانياً : أنّ وجهة النظر الماركسية لا تكفي لحلّ المشكلة ؛ لأنّها لا تزيد على القول : بأنّ الحركة التأريخية التي جرّدت العمال المنتجين من وسائلهم وحصرتها في أيدي التجاريين ، هي التي خلقت التراكم الرأسمالي الأوّل ، ولكنّها لا تفسّر لنا : كيف أنّ فئة معيّنة استطاعت أن تكتسب سلطة الإخضاع والعنف ، وتجرّد المنتجين من وسائل إنتاجهم بالقوّة ؟

وثالثاً : هب أنّ سلطة الإخضاع والعنف هذه ليست بحاجة إلى تفسير ، ولكنّها لا تصلح أداة ماركسية لتفسير التراكم الرأسمالي الأوّل ، وبالتالي للنظام الرأسمالي كلّه ؛ لأنّها ليست تفسيراً اقتصاديا ً، فهي لا تنسجم مع جوهر المادّية التأريخية . فكيف سمح ماركس لنفسه ، أو سمح له مفهومه العام عن التأريخ ، أن يعلّل التراكم الرأسمالي الأوّل ووجود الطبقة الرأسمالية تأريخياً بسلطة الاغتصاب والإخضاع ، وهي علّة ليست اقتصادية بطبيعتها ؟!

والحقيقة أنّ ماركس بهذا التحليل يهدم منطقه التأريخي بنفسه ، ويعترف ضمناً بأنّ التكوين الطبقي لا يقوم على أساس اقتصادي بحت .

وقد كان جديراً به ـ وفقاً لأسس المادّية التأريخية ـ أن يأخذ بوجهة النظر التقليدية في تفسير ظهور الطبقة الرأسمالية ، تلك النظرة التي سخر منها بالرغم من أنّها تقدّم تفسيراً أقرب إلى الطبيعة الاقتصادية من التفسير الماركسي .

وأخيراً : فإنّ كلّ ما يعرضه لنا ماركس بعد ذلك في فصول كتابه من شواهد تأريخية على حركة الاغتصاب والتجريد التي فسّر فيها التراكم الأوّل قد استخرجها من تأريخ انكلترا فحسب ، وهي تعرض الاغتصاب التي قام بها الإقطاعيون في إنكلترا ، إذ جرّدوا الفلاحين من أراضيهم وحوّلوها إلى مراعٍ


صفحه 196

وألقوا بأولئك المطرودين في أسواق البورجوازية الفتية . فهي عمليات تجريد الفلاح من أرضه لحساب الإقطاعي وليست حركة تجريد للصنّاع من وسائل الإنتاج لحساب التجاريين .

وقبل أن نتجاوز عن هذه النقطة ، نودّ أن نلقي نظرة عابرة على عشرات الصفحات التي ملأها ماركس من كتاب رأس المال بوصف تلك العمليات العنيفة ، التي جرّد فيها الإقطاعيون الفلاحين من أراضيهم ، ومهدوا بذلك لقيام النظام الرأسمالي .

إنّ ماركس في وصفه المثير يقتصر على الأحداث التي وقعت في إنكلترا خاصة ، ويوضح لدى استعراضه لتلك الأحداث : أنّ السبب الحقيقي الذي دعا الإقطاعيين إلى استعمال ألوان العنف في طرد الفلاحين من أراضيهم ، هو أنّهم أرادوا تحويل مزارعهم إلى مراعٍ للحيوانات فلم يعد لهم حاجة بهذا الجيش الكبير من الفلاحين . ولكن لماذا وجد ـ هكذا وفجأة ـ هذا الاتّجاه العام إلى تحويل المزارع إلى مراعٍ ؟ إنّ ماركس يجيب على ذلك قائلاً :

( إنّ الذي فسح المجال بصورة خاصة في إنكلترا لأعمال العنف هذا هو ازدهار مصانع الصوف في ( الفلاندر ) ، وما نتج عنه من ارتفاع أسعار الصوف )[1].

ولهذا الجواب مغزاه التأريخي الخاص ، وإن لم يعره ماركس اهتماماً ؛ لأنّه يقرّر أنّ ازدهار الإنتاجي الصناعي في المدن ( الفلمنكية ) الصناعية، وفي الجزء الجنوبي من بلجيكا خاصة ( الفلاندرز ) ، ورواج التجارة الرأسمالية بالصوف وسائر المنتجات على وجه العموم ، وظهور أسواق كبيرة لتلك البضائع التجارية

[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1059 .


صفحه 197

هو الذي دعا الإقطاعيين الإنجليز إلى الاستفادة من هذه الفرصة وتحويل مزارعهم إلى مراعٍ ؛ ليتمكّنوا من تصدير الصوف إلى المدن الصناعية ، واحتلال السوق التجارية للصوف ، باعتبار ما يتمتّع به الصوف الإنجليزي من ميزات جعلته أساسياً في نسج الأقمشة الصوفية الرفيعة[1].

وواضح من سياق هذه الأحداث وتتابعها أنّ السبب الذي اعتبره ماركس الدعامة التأريخية لتكوّن المجتمع الرأسمال في إنكلترا ( طرد الفلاحين ) لم ينبع من النظام الإقطاعي نفسه ، كما يفرضه المنطق الجدلي للمادّية التأريخية . فليس النظام الإقطاعي هو الذي ولّد التناقض الذي قضى عليه ، ولا العلاقات الإقطاعية هي التي أوجدت ذلك السبب الذي عني به ماركس ، وإنّما وجد بسبب ازدهار مصانع الصوف من الخارج ، ورواج التجارة الرأسمالية بالأصواف .

فالرأسمالية التجارية هي التي دفعت الإقطاعيين إلى الإلقاء بجماهير الفلاحين في أسواق المدينة ، لا العلاقات الإقطاعية . وهكذا نرى ـ حتى في الصورة التي قدّمها لنا ماركس بالذات ـ أنّ النقيض للعلاقات الاجتماعية قد تكوّنت أسبابه وشروطه خارج حدود تلك العلاقات ، ولم تنبع من نفس تلك العلاقات التي لم تكن لتحقّق تلك الشروط لو عزلت عن العوامل والمؤثّرات الخارجية .

اعتراف ماركس :

وقد أدرك ماركس بعد ذلك أنّ عمليات اغتصاب الطبقة الإقطاعية لا يمكن أن يُفسّر على أساسها التراكم الأوّلي لرأس المال الصناعي ، وإنّما تفسّر تلك العمليات فقط : كيف وجد السوق الرأسمالي العمال القادرين على العمل لأجرة

[1]التأريخ الإنكليزي : 56 .


صفحه 198

في أشخاص أولئك الفلاحين الذين لفظهم الريف فنزحوا إلى المدينة .

ولهذا حاول أن يعالج المشكلة من جديد في الفصل الحادي والثلاثين من رأس المال . فلم يكتفِ في تفسير التراكم بظروف الرأسمالية التجارية أو الرَّبَويّة التي أدّت إلى تجمّع ثروات ضخمة لدى التجار والربويّين ، لأنّه لا يزال مصراً على أن أساس التراكم هو اغتصاب وسائل الإنتاج والشروط المادّية من المنتجين ، ولأجل هذا اتّجه في تفسير التراكم الرأسمالي إلى القول :

( إن اكتشاف مناطق الذهب والفضّة في أميركا ، وتحويل سكان البلاد الأصليين إلى حياة الرقّ ، ودفنهم في المناجم أو إبادتهم ، وبدايات الفتح والنهب لجزر الهند الشرقية ، وتحويل إفريقيا إلى نوع من الجحور التجارية لاصطياد الزنوج ، هذه هي الطرائق ( الغزلية البريئة ) للتراكم الأوّلي التي تبشّر بالعهد الرأسمالي في فجره )[1].

ومرّة أخرى نجد ماركس يفسر ظهور المجتمع الرأسمالي بعامل القوّة ، بالغزو والنهب والاستعمار ، بالرغم من أنّها عناصر ليست ماركسية بطبيعتها ؛ لأنّها لا تعبّر عن قيم اقتصادية ، وإنّما تعبّر عن القوّة السياسية والعسكرية . ومن الطريف أنّ تتناقض الماركسية في هذه النقطة، تبعاً لما يتفتق ذهنها عنه من أسلوب للتخلّص من المأزق ، فنجد رجل الماركسية الأوّل بعد أن اضطر إلى تفسير نشوء الكيان الرأسمالي في المجتمع بعامل القوّة ، يقول :

( فالقوّة هي المولّد لكلّ مجتمع قديم آخذ في العمل ، إنّ القوّة هي عامل اقتصادي )[2].

[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1118 .

[2]نفس المصدر : 1119 .


صفحه 199

وهو يريد بهذا التمديد في مفاهيم الأوضاع والتوسع فيها ، إعطاء العامل الاقتصادي مدلولاً لا يضيق عن استيعاب كلّ العوامل التي يضطر إلى الاستناد إليها في تحليله .

ونقرأ للماركسية من ناحية أخرى نصاً آخر عن عامل القوّة على النقيض من ذلك ، في كتب أنجلز عَلَمُها الفكري الثاني . فقد كتب يقول عن التطوّرات الرأسمالية :

( يمكن تفسير هذه العملية بأجمعها بعوامل اقتصادية بحتة ، وما من حاجة قط في هذا التفسير إلى اللصوصية ( القوّة ، التدخّل الحكومي أو السياسي ، بأيّ نوعٍ كان ) لا يبرهن تعبير : ( الملكية المؤسّسة على القوّة ) في هذا الصدد كذلك ، إلاّ على أنّه عبارة يجترّها مغرور ليغطّي على حرمانه من فهم مجرى الأمور الواقعي )[1].

ونحن حين نقرأ لـ ( ماركس ) وصفه التحليلي المثير لظروف الرأسمالية الإنكليزية وواقعها التأريخي ، لا نجد أيّ مبرر لرفضه أو الاعتراض عليه ؛ لأنّنا لا نفكر بطبيعة الحال في الدفاع عن التأريخ الأسود الذي سجّلته أوروبا في مطلع نهضتها المادّية الطاغية ، التي نشأت الرأسمالية في ظلالها . ولكنّ الأمر يختلف حين نأخذ تحليله للرأسمالية ونشوئها بوصفه معبّراً عن الضرورة التأريخية التي لا يمكن علمياً للإنتاج الرأسمالي في الصناعة أن يشيد صرحه بدونها ، فـ ( ماركس ) حين ينطلق من الواقع الرأسمالي الذي عاشته إنكلترا مثلاً ، له كلّ الحقّ في أن يفسّر ثروتها الرأسمالية المتنامية في فجر تأريخها الحديث بالنشاطات

[1]ضد دوهرنك 2 : 32 .


صفحه 200

الاستعمارية المسعورة ، التي ارتُكبت فيها ألوان الجرائم في مختلف بقاع الأرض ، وبعمليات تجريد الصنّاع من وسائل إنتاجهم بالقوّة ، غير أنّ هذا لا يبرهن علمياً على أنّ الرأسمالية لا يمكن أن توجد دون تلك النشاطات والعمليات ، وأنّها تحمل في أعماقها الضرورة التأريخية لهذه النشاطات ، الأمر الذي يعني أن إنكلترا كان من الضروري أن تشهد تلك النشاطات والعمليات في مطلع الرأسمالية ولو كانت تعيش في إطار فكري آخر ، بل إنّ التأريخ يبرهن على عكس ذلك ؛ فقد قام الإنتاج الرأسمالي في ( فلاندرز ) وإيطاليا في القرن الثالث عشر ، ونشأت فيها مؤسّسات رأسمالية ينتج فيها آلاف من الأُجراء سلعاً تغزو الأسواق العالمية لحساب الملاّك الرأسماليين ، ولم تظهر خلال ذلك الأعراض التي ظهرت في إنكلترا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي درسها ماركس في تحليله التأريخي للرأسمالية .

ولنأخذ مثلاً آخر : الإنتاج الرأسمالي في اليابان ، التي بدأت في القرن التاسع عشر تتحوّل من الأوضاع الإقطاعية إلى الرأسمالية الصناعية . ونختار هذا المثال بالذات ؛ لأنّ ماركس أشار في كلامه إشارة عابرة إلى :

( إنّ اليابان بتنظيمها الإقطاعي البحت للملكية العقارية وللزراعة الصغيرة فيها ، تقدّم لنا من وجهات عديدة صورة أكثر أمانة عن العصور الوسطى الأوروبية من تلك التي تقدّمها كتب التأريخ عندنا ، المشبعة بأفكار بورجوازية مسبقة )[1].

فلنفحص هذه الصورة الأمينة للإقطاع : كيف تحولّت إلى الرأسمالية الصناعية ؟ وهل يتّفق تحوّلها مع مفاهيم المادّية التأريخية وتفاسير ماركس لنشوء

[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1058 .