هو الذي دعا الإقطاعيين الإنجليز إلى الاستفادة من هذه الفرصة وتحويل مزارعهم إلى مراعٍ ؛ ليتمكّنوا من تصدير الصوف إلى المدن الصناعية ، واحتلال السوق التجارية للصوف ، باعتبار ما يتمتّع به الصوف الإنجليزي من ميزات جعلته أساسياً في نسج الأقمشة الصوفية الرفيعة[1].
وواضح من سياق هذه الأحداث وتتابعها أنّ السبب الذي اعتبره ماركس الدعامة التأريخية لتكوّن المجتمع الرأسمال في إنكلترا ( طرد الفلاحين ) لم ينبع من النظام الإقطاعي نفسه ، كما يفرضه المنطق الجدلي للمادّية التأريخية . فليس النظام الإقطاعي هو الذي ولّد التناقض الذي قضى عليه ، ولا العلاقات الإقطاعية هي التي أوجدت ذلك السبب الذي عني به ماركس ، وإنّما وجد بسبب ازدهار مصانع الصوف من الخارج ، ورواج التجارة الرأسمالية بالأصواف .
فالرأسمالية التجارية هي التي دفعت الإقطاعيين إلى الإلقاء بجماهير الفلاحين في أسواق المدينة ، لا العلاقات الإقطاعية . وهكذا نرى ـ حتى في الصورة التي قدّمها لنا ماركس بالذات ـ أنّ النقيض للعلاقات الاجتماعية قد تكوّنت أسبابه وشروطه خارج حدود تلك العلاقات ، ولم تنبع من نفس تلك العلاقات التي لم تكن لتحقّق تلك الشروط لو عزلت عن العوامل والمؤثّرات الخارجية .
اعتراف ماركس :
وقد أدرك ماركس بعد ذلك أنّ عمليات اغتصاب الطبقة الإقطاعية لا يمكن أن يُفسّر على أساسها التراكم الأوّلي لرأس المال الصناعي ، وإنّما تفسّر تلك العمليات فقط : كيف وجد السوق الرأسمالي العمال القادرين على العمل لأجرة
[1]التأريخ الإنكليزي : 56 .
في أشخاص أولئك الفلاحين الذين لفظهم الريف فنزحوا إلى المدينة .
ولهذا حاول أن يعالج المشكلة من جديد في الفصل الحادي والثلاثين من رأس المال . فلم يكتفِ في تفسير التراكم بظروف الرأسمالية التجارية أو الرَّبَويّة التي أدّت إلى تجمّع ثروات ضخمة لدى التجار والربويّين ، لأنّه لا يزال مصراً على أن أساس التراكم هو اغتصاب وسائل الإنتاج والشروط المادّية من المنتجين ، ولأجل هذا اتّجه في تفسير التراكم الرأسمالي إلى القول :
( إن اكتشاف مناطق الذهب والفضّة في أميركا ، وتحويل سكان البلاد الأصليين إلى حياة الرقّ ، ودفنهم في المناجم أو إبادتهم ، وبدايات الفتح والنهب لجزر الهند الشرقية ، وتحويل إفريقيا إلى نوع من الجحور التجارية لاصطياد الزنوج ، هذه هي الطرائق ( الغزلية البريئة ) للتراكم الأوّلي التي تبشّر بالعهد الرأسمالي في فجره )[1].
ومرّة أخرى نجد ماركس يفسر ظهور المجتمع الرأسمالي بعامل القوّة ، بالغزو والنهب والاستعمار ، بالرغم من أنّها عناصر ليست ماركسية بطبيعتها ؛ لأنّها لا تعبّر عن قيم اقتصادية ، وإنّما تعبّر عن القوّة السياسية والعسكرية . ومن الطريف أنّ تتناقض الماركسية في هذه النقطة، تبعاً لما يتفتق ذهنها عنه من أسلوب للتخلّص من المأزق ، فنجد رجل الماركسية الأوّل بعد أن اضطر إلى تفسير نشوء الكيان الرأسمالي في المجتمع بعامل القوّة ، يقول :
( فالقوّة هي المولّد لكلّ مجتمع قديم آخذ في العمل ، إنّ القوّة هي عامل اقتصادي )[2].
[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1118 .
[2]نفس المصدر : 1119 .
وهو يريد بهذا التمديد في مفاهيم الأوضاع والتوسع فيها ، إعطاء العامل الاقتصادي مدلولاً لا يضيق عن استيعاب كلّ العوامل التي يضطر إلى الاستناد إليها في تحليله .
ونقرأ للماركسية من ناحية أخرى نصاً آخر عن عامل القوّة على النقيض من ذلك ، في كتب أنجلز عَلَمُها الفكري الثاني . فقد كتب يقول عن التطوّرات الرأسمالية :
( يمكن تفسير هذه العملية بأجمعها بعوامل اقتصادية بحتة ، وما من حاجة قط في هذا التفسير إلى اللصوصية ( القوّة ، التدخّل الحكومي أو السياسي ، بأيّ نوعٍ كان ) لا يبرهن تعبير : ( الملكية المؤسّسة على القوّة ) في هذا الصدد كذلك ، إلاّ على أنّه عبارة يجترّها مغرور ليغطّي على حرمانه من فهم مجرى الأمور الواقعي )[1].
ونحن حين نقرأ لـ ( ماركس ) وصفه التحليلي المثير لظروف الرأسمالية الإنكليزية وواقعها التأريخي ، لا نجد أيّ مبرر لرفضه أو الاعتراض عليه ؛ لأنّنا لا نفكر بطبيعة الحال في الدفاع عن التأريخ الأسود الذي سجّلته أوروبا في مطلع نهضتها المادّية الطاغية ، التي نشأت الرأسمالية في ظلالها . ولكنّ الأمر يختلف حين نأخذ تحليله للرأسمالية ونشوئها بوصفه معبّراً عن الضرورة التأريخية التي لا يمكن علمياً للإنتاج الرأسمالي في الصناعة أن يشيد صرحه بدونها ، فـ ( ماركس ) حين ينطلق من الواقع الرأسمالي الذي عاشته إنكلترا مثلاً ، له كلّ الحقّ في أن يفسّر ثروتها الرأسمالية المتنامية في فجر تأريخها الحديث بالنشاطات
[1]ضد دوهرنك 2 : 32 .
الاستعمارية المسعورة ، التي ارتُكبت فيها ألوان الجرائم في مختلف بقاع الأرض ، وبعمليات تجريد الصنّاع من وسائل إنتاجهم بالقوّة ، غير أنّ هذا لا يبرهن علمياً على أنّ الرأسمالية لا يمكن أن توجد دون تلك النشاطات والعمليات ، وأنّها تحمل في أعماقها الضرورة التأريخية لهذه النشاطات ، الأمر الذي يعني أن إنكلترا كان من الضروري أن تشهد تلك النشاطات والعمليات في مطلع الرأسمالية ولو كانت تعيش في إطار فكري آخر ، بل إنّ التأريخ يبرهن على عكس ذلك ؛ فقد قام الإنتاج الرأسمالي في ( فلاندرز ) وإيطاليا في القرن الثالث عشر ، ونشأت فيها مؤسّسات رأسمالية ينتج فيها آلاف من الأُجراء سلعاً تغزو الأسواق العالمية لحساب الملاّك الرأسماليين ، ولم تظهر خلال ذلك الأعراض التي ظهرت في إنكلترا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي درسها ماركس في تحليله التأريخي للرأسمالية .
ولنأخذ مثلاً آخر : الإنتاج الرأسمالي في اليابان ، التي بدأت في القرن التاسع عشر تتحوّل من الأوضاع الإقطاعية إلى الرأسمالية الصناعية . ونختار هذا المثال بالذات ؛ لأنّ ماركس أشار في كلامه إشارة عابرة إلى :
( إنّ اليابان بتنظيمها الإقطاعي البحت للملكية العقارية وللزراعة الصغيرة فيها ، تقدّم لنا من وجهات عديدة صورة أكثر أمانة عن العصور الوسطى الأوروبية من تلك التي تقدّمها كتب التأريخ عندنا ، المشبعة بأفكار بورجوازية مسبقة )[1].
فلنفحص هذه الصورة الأمينة للإقطاع : كيف تحولّت إلى الرأسمالية الصناعية ؟ وهل يتّفق تحوّلها مع مفاهيم المادّية التأريخية وتفاسير ماركس لنشوء
[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1058 .
الرأسمالية الصناعية ؟
إنّ اليابان كانت غارقة في العلاقات الإقطاعية حين استيقظت مذعورة على أجراس الخطر التي كانت تنذر اليابان بخطر خارجي محقّق ، وذلك سنة ( 1853م ) لمّا اقتحم الأسطول الأمريكي خليج ( أوراجا ) وبدأ يفاوض الحاكم العسكري الذي كان يتولّى السلطة بدلاً عن الإمبراطور حول عقد معاهدات ، فقد بدا لليابان بوضوح أنّها بداية غزو اقتصادي يجر إلى دمار البلاد واستعمارها ، وآمن المفكّرون فيها أنّ السبيل الوحيد لإنقاذ اليابان هو تصنيعها ، وجعلها تسير في طريق الإنتاج الرأسمالي الذي سارت فيه أوروبا من قبلها ، واستطاعوا أن يستخدموا سادة الإقطاع أنفسهم في تحقيق هذه الفكرة ، فقام الإقطاعيون بإقصاء الحاكم العسكري عن السلطة وإعادتها إلى الإمبراطور سنة ( 1868م ) ، وجنّدت السلطة الإمبراطورية كلّ إمكاناتها لإيجاد ثورة صناعية في البلاد ترتفع بها إلى مصافّ الدول الرأسمالية الكبرى ، وبذلت الطبقة الارستقراطية من رجال الإقطاع خدماتها للسلطة الحاكمة عن ولاء ورضى ، ومكّنتها من التعجيل بتحويل البلاد إلى بلاد صناعية ، ونمت بسرعة خلال ذلك طبقة من التجّار والصنّاع ، الذين كانوا يوضعون سابقاً في أسفل درجات السلّم الاجتماعي ، فأخذوا يستخدمون ـ في هدوء ـ ما أتيح لهم من مال وقوّة نفوذ في تحطيم النظام الإقطاعي تحطيما سلمياً . حتى نزل أشراف الإقطاع سنة ( 1871م ) عن امتيازاتهم القديمة ، وعوّضتهم الحكومة عن أراضيهم بسندات أصدرتها لذلك ، وتمّ كلّ شيء بسلام ووجدت اليابان الصناعية وأخذت مركزها في التأريخ[1].
[1]الموسوعة العربية الميسّرة 2 : 1975 .
فهل ينطبق هذا الوصف على مفاهيم المادّية التأريخية ، وتفاسير ماركس ؟!
إنّ الماركسية تؤكّد أنّ الانقلاب من مرحلة تأريخية إلى أخرى لا يتمّ إلاّ بشكل ثوري ؛ لأنّ التغيرات الكمّية التدريجية تؤدّي إلى تحوّل دفعي آني . مع أنّ تحوّل اليابان من الإقطاع إلى الرأسمالية تمّ بشكل سلمي وتنازل سادة الإقطاع عن حقوقهم ، فلم يضطرّوا اليابان ـ وهي في طريقها الرأسمالي ـ إلى ثورة كالثورة الفرنسية عام ( 1789م ) .
كما أنّ الماركسية تعتبر أنّ كلّ تطوّر لا يتمّ إلاّ من خلال الصراع الطبقي : بين طبقة تقف إلى صفّ التطوّر ، وأخرى تحاول الوقوف في وجهه . بينما نرى أن المجتمع الياباني قد وقف بمجموعه إلى جانب حركة التطوّر الصناعي والرأسمالي ، ولم يشذّ عن ذلك حتى سادة الإقطاع أنفسهم . فقد آمنوا جميعاً بأنّ حياة البلاد رهن هذه الحركة وتنميتها .
والماركسية ترى ـ كما قرأنا نصوص رأس المال السابقة ـ أنّ التراكم الرأسمالي الذي تقوم الرأسمالية الصناعية على أساسه ، لا يمكن أن يفسّر بطرائق ( العزل البريء ) ـ على حدّ تعبير ماركس ـ وإنّما يفسّر بأعمال العنف والغزو وعمليات التجريد والاغتصاب ، مع أنّ الواقع التأريخي لليابان يدلّل على العكس ؛ فلم يحدث التراكم الرأسمالي ولم تنشأ الرأسمالية الصناعية في اليابان نتيجة للغزو والاستعمار أو عمليات تجريد المنتجين من وسائل إنتاجهم ، وإنّما وجدت هذه الحركة بفضل نشاط ساهمت فيه اليابان كلّها ، واستخدمت في تنمية السلطة الحاكمة كلّ نفوذها السياسي ، فظهرت البورجوازية على المسرح الاجتماعي كنتيجة لتلك النشاطات السياسية والفكرية وغيرها ، وليس كقوّة خالقة للجوّ السياسي والفكري الذي يلائمها .
قوانين المجتمع الرأسمالي :
حين نعرض لقوانين المجتمع الرأسمالي من وجهة نظر المادّية التأريخية نكون بحاجة إلى إبراز الوجه الاقتصادي للماركسية ، الذي لا يتجلّى بملامحه الاقتصادية الكاملة عند تحليل الماركسية لأيّ مرحلة من مراحل التأريخ كما يتجلّى عند دراستها للمرحلة الرأسمالية . فقد قامت الماركسية بتحليل المجتمع الرأسمالي وشروطه الاقتصادية ، ودرست قوانينه العامة على أسس المادّية التأريخية ، وانتهت من ذلك إلى التأكيد على ما يكمن في أعماق الرأسمالية من تناقضات ، تتراكم وفقاً للقوانين المادّية التأريخية ، حتى تدفع بالنظام الرأسمالي في النهاية إلى قبره المحتوم في لحظة حاسمة من لحظات التأريخ .
القيمة أساس العمل :
وقد بدأ ( ماركس ) دراسته لجوهر المجتمع الرأسمالي وقوانين الاقتصاد السياسي البورجوازي بتحليل القيمة التبادلية ، بوصفها عصب الحياة في المجتمع الرأسمالي ـ كما بدأ غيره من الاقتصاديين الذين عاصروه وسبقوه ـ وجعل من نظريته التحليلية في القيمة حجر الزاوية في بنائه النظري العام . ولم يصنع ماركس شيئاً أساسياً في مجال تحليل القيمة التبادلية ، وإنّما أخذ بالنظرية التقليدية التي شادها قبله ( ريكاردو ) وهي النظرية القائلة : إنّ العمل البشري هو جوهر القيمة التبادلية . فالقيمة التبادلية لكلّ منتوج إنساني ، تقدّر على أساس كمية العمل المتجسّد فيه ، وتتفاوت قيم الأشياء بتفاوت العمل المهراق فيها . فقيمة السلعة التي يتطلّب إنتاجها ساعة واحدة من العمل تساوي نصف قيمة السلعة التي ينفق عليها في العادة ساعتان من العمل .
وتعتبر هذه النظرية نقطة البدء عند ( ريكاردو ) و( ماركس ) معاً في دراستهما التحليلية لهيكل الاقتصاد الرأسمالي . فقد جعل كلّ منهما منها القاعدة التي يقوم عليها بناؤه العلمي . ولئن كان ( ريكاردو ) قد سبق ( ماركس ) إلى وضع هذه النظرية في صيغة علمية محدّدة ، فقد سبقهما معاً عدّة مفكرين اقتصاديين وفلسفيين إلى التنويه بها ، كالفيلسوف الإنكليزي ( جون لوك ) الذي أشار إلى هذه النظرية في بحوثه ، ثمّ أخذ بها ( آدم سميث ) ـ الاقتصادي الكلاسيكي المعروف ـ في حدود ضيّقة ، فاعتبر العمل أساساً للقيمة التبادلية بين الجماعات البدائية ، غير أن ( ريكاردو ) كان بحقّ هو الذي أعطى النظرية معنى الشمول والاستيعاب ، وآمن بأنّ العمل هو المصدر العام للقيمة التبادلية ، ثمّ جاء ( ماركس ) يسير في طريقه بأسلوبه الخاص .
وهذا لا يعني ـ بطبيعة الحال ـ أنّ ماركس لم يصنع شيئاً في حقل هذه النظرية سوى ترديد الصدى الذي تركه( ريكاردو ) ، بل إنّه ـ حين أخذ النظرية منه ـ صاغها في إطاره الفكري الخاص ، فادخل على بعض جوانبها إيضاحات جديدة وضمّنها عناصر ماركسيّة ، وقبل بعض جوانبها الأخرى كما تركها سلفه .
فـ ( ريكاردو ) حين آمن بهذه النظرية : ( العمل أساس القيمة ) ، أدرك أنّ العمل لا يحدّد القيمة في حالات الاحتكار التي تنعدم فيها المنافسة ؛ إذ إنّ من الممكن في هذه الحالات أن تتضاعف قيمة السلعة المحتكرة وفقاً لقوانين العرض والطلب ، دون أن تزيد كميات العمل المنفقة عليها . ولأجل هذا اعتبر المنافسة الكاملة شرطاً أساسياً لتشكل القيمة التبادلية على أساس العمل . وهذا ما قاله ماركس أيضاً ، معترفاً بأنّ النظرية لا تنطبق على حالات الاحتكار .
ولاحظ ( ريكاردو ) أيضاً أنّ العمل البشري يتفاوت في كفايته ، فساعة من عمل الصانع الذكي النشيط لا يمكن أن تساوي ساعة من عمل الصانع البليد