بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 199

وهو يريد بهذا التمديد في مفاهيم الأوضاع والتوسع فيها ، إعطاء العامل الاقتصادي مدلولاً لا يضيق عن استيعاب كلّ العوامل التي يضطر إلى الاستناد إليها في تحليله .

ونقرأ للماركسية من ناحية أخرى نصاً آخر عن عامل القوّة على النقيض من ذلك ، في كتب أنجلز عَلَمُها الفكري الثاني . فقد كتب يقول عن التطوّرات الرأسمالية :

( يمكن تفسير هذه العملية بأجمعها بعوامل اقتصادية بحتة ، وما من حاجة قط في هذا التفسير إلى اللصوصية ( القوّة ، التدخّل الحكومي أو السياسي ، بأيّ نوعٍ كان ) لا يبرهن تعبير : ( الملكية المؤسّسة على القوّة ) في هذا الصدد كذلك ، إلاّ على أنّه عبارة يجترّها مغرور ليغطّي على حرمانه من فهم مجرى الأمور الواقعي )[1].

ونحن حين نقرأ لـ ( ماركس ) وصفه التحليلي المثير لظروف الرأسمالية الإنكليزية وواقعها التأريخي ، لا نجد أيّ مبرر لرفضه أو الاعتراض عليه ؛ لأنّنا لا نفكر بطبيعة الحال في الدفاع عن التأريخ الأسود الذي سجّلته أوروبا في مطلع نهضتها المادّية الطاغية ، التي نشأت الرأسمالية في ظلالها . ولكنّ الأمر يختلف حين نأخذ تحليله للرأسمالية ونشوئها بوصفه معبّراً عن الضرورة التأريخية التي لا يمكن علمياً للإنتاج الرأسمالي في الصناعة أن يشيد صرحه بدونها ، فـ ( ماركس ) حين ينطلق من الواقع الرأسمالي الذي عاشته إنكلترا مثلاً ، له كلّ الحقّ في أن يفسّر ثروتها الرأسمالية المتنامية في فجر تأريخها الحديث بالنشاطات

[1]ضد دوهرنك 2 : 32 .


صفحه 200

الاستعمارية المسعورة ، التي ارتُكبت فيها ألوان الجرائم في مختلف بقاع الأرض ، وبعمليات تجريد الصنّاع من وسائل إنتاجهم بالقوّة ، غير أنّ هذا لا يبرهن علمياً على أنّ الرأسمالية لا يمكن أن توجد دون تلك النشاطات والعمليات ، وأنّها تحمل في أعماقها الضرورة التأريخية لهذه النشاطات ، الأمر الذي يعني أن إنكلترا كان من الضروري أن تشهد تلك النشاطات والعمليات في مطلع الرأسمالية ولو كانت تعيش في إطار فكري آخر ، بل إنّ التأريخ يبرهن على عكس ذلك ؛ فقد قام الإنتاج الرأسمالي في ( فلاندرز ) وإيطاليا في القرن الثالث عشر ، ونشأت فيها مؤسّسات رأسمالية ينتج فيها آلاف من الأُجراء سلعاً تغزو الأسواق العالمية لحساب الملاّك الرأسماليين ، ولم تظهر خلال ذلك الأعراض التي ظهرت في إنكلترا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر التي درسها ماركس في تحليله التأريخي للرأسمالية .

ولنأخذ مثلاً آخر : الإنتاج الرأسمالي في اليابان ، التي بدأت في القرن التاسع عشر تتحوّل من الأوضاع الإقطاعية إلى الرأسمالية الصناعية . ونختار هذا المثال بالذات ؛ لأنّ ماركس أشار في كلامه إشارة عابرة إلى :

( إنّ اليابان بتنظيمها الإقطاعي البحت للملكية العقارية وللزراعة الصغيرة فيها ، تقدّم لنا من وجهات عديدة صورة أكثر أمانة عن العصور الوسطى الأوروبية من تلك التي تقدّمها كتب التأريخ عندنا ، المشبعة بأفكار بورجوازية مسبقة )[1].

فلنفحص هذه الصورة الأمينة للإقطاع : كيف تحولّت إلى الرأسمالية الصناعية ؟ وهل يتّفق تحوّلها مع مفاهيم المادّية التأريخية وتفاسير ماركس لنشوء

[1]رأس المال 3 ، القسم الثاني : 1058 .


صفحه 201

الرأسمالية الصناعية ؟

إنّ اليابان كانت غارقة في العلاقات الإقطاعية حين استيقظت مذعورة على أجراس الخطر التي كانت تنذر اليابان بخطر خارجي محقّق ، وذلك سنة ( 1853م ) لمّا اقتحم الأسطول الأمريكي خليج ( أوراجا ) وبدأ يفاوض الحاكم العسكري الذي كان يتولّى السلطة بدلاً عن الإمبراطور حول عقد معاهدات ، فقد بدا لليابان بوضوح أنّها بداية غزو اقتصادي يجر إلى دمار البلاد واستعمارها ، وآمن المفكّرون فيها أنّ السبيل الوحيد لإنقاذ اليابان هو تصنيعها ، وجعلها تسير في طريق الإنتاج الرأسمالي الذي سارت فيه أوروبا من قبلها ، واستطاعوا أن يستخدموا سادة الإقطاع أنفسهم في تحقيق هذه الفكرة ، فقام الإقطاعيون بإقصاء الحاكم العسكري عن السلطة وإعادتها إلى الإمبراطور سنة ( 1868م ) ، وجنّدت السلطة الإمبراطورية كلّ إمكاناتها لإيجاد ثورة صناعية في البلاد ترتفع بها إلى مصافّ الدول الرأسمالية الكبرى ، وبذلت الطبقة الارستقراطية من رجال الإقطاع خدماتها للسلطة الحاكمة عن ولاء ورضى ، ومكّنتها من التعجيل بتحويل البلاد إلى بلاد صناعية ، ونمت بسرعة خلال ذلك طبقة من التجّار والصنّاع ، الذين كانوا يوضعون سابقاً في أسفل درجات السلّم الاجتماعي ، فأخذوا يستخدمون ـ في هدوء ـ ما أتيح لهم من مال وقوّة نفوذ في تحطيم النظام الإقطاعي تحطيما سلمياً . حتى نزل أشراف الإقطاع سنة ( 1871م ) عن امتيازاتهم القديمة ، وعوّضتهم الحكومة عن أراضيهم بسندات أصدرتها لذلك ، وتمّ كلّ شيء بسلام ووجدت اليابان الصناعية وأخذت مركزها في التأريخ[1].

[1]الموسوعة العربية الميسّرة 2 : 1975 .


صفحه 202

فهل ينطبق هذا الوصف على مفاهيم المادّية التأريخية ، وتفاسير ماركس ؟!

إنّ الماركسية تؤكّد أنّ الانقلاب من مرحلة تأريخية إلى أخرى لا يتمّ إلاّ بشكل ثوري ؛ لأنّ التغيرات الكمّية التدريجية تؤدّي إلى تحوّل دفعي آني . مع أنّ تحوّل اليابان من الإقطاع إلى الرأسمالية تمّ بشكل سلمي وتنازل سادة الإقطاع عن حقوقهم ، فلم يضطرّوا اليابان ـ وهي في طريقها الرأسمالي ـ إلى ثورة كالثورة الفرنسية عام ( 1789م ) .

كما أنّ الماركسية تعتبر أنّ كلّ تطوّر لا يتمّ إلاّ من خلال الصراع الطبقي : بين طبقة تقف إلى صفّ التطوّر ، وأخرى تحاول الوقوف في وجهه . بينما نرى أن المجتمع الياباني قد وقف بمجموعه إلى جانب حركة التطوّر الصناعي والرأسمالي ، ولم يشذّ عن ذلك حتى سادة الإقطاع أنفسهم . فقد آمنوا جميعاً بأنّ حياة البلاد رهن هذه الحركة وتنميتها .

والماركسية ترى ـ كما قرأنا نصوص رأس المال السابقة ـ أنّ التراكم الرأسمالي الذي تقوم الرأسمالية الصناعية على أساسه ، لا يمكن أن يفسّر بطرائق ( العزل البريء ) ـ على حدّ تعبير ماركس ـ وإنّما يفسّر بأعمال العنف والغزو وعمليات التجريد والاغتصاب ، مع أنّ الواقع التأريخي لليابان يدلّل على العكس ؛ فلم يحدث التراكم الرأسمالي ولم تنشأ الرأسمالية الصناعية في اليابان نتيجة للغزو والاستعمار أو عمليات تجريد المنتجين من وسائل إنتاجهم ، وإنّما وجدت هذه الحركة بفضل نشاط ساهمت فيه اليابان كلّها ، واستخدمت في تنمية السلطة الحاكمة كلّ نفوذها السياسي ، فظهرت البورجوازية على المسرح الاجتماعي كنتيجة لتلك النشاطات السياسية والفكرية وغيرها ، وليس كقوّة خالقة للجوّ السياسي والفكري الذي يلائمها .


صفحه 203

قوانين المجتمع الرأسمالي :

حين نعرض لقوانين المجتمع الرأسمالي من وجهة نظر المادّية التأريخية نكون بحاجة إلى إبراز الوجه الاقتصادي للماركسية ، الذي لا يتجلّى بملامحه الاقتصادية الكاملة عند تحليل الماركسية لأيّ مرحلة من مراحل التأريخ كما يتجلّى عند دراستها للمرحلة الرأسمالية . فقد قامت الماركسية بتحليل المجتمع الرأسمالي وشروطه الاقتصادية ، ودرست قوانينه العامة على أسس المادّية التأريخية ، وانتهت من ذلك إلى التأكيد على ما يكمن في أعماق الرأسمالية من تناقضات ، تتراكم وفقاً للقوانين المادّية التأريخية ، حتى تدفع بالنظام الرأسمالي في النهاية إلى قبره المحتوم في لحظة حاسمة من لحظات التأريخ .

القيمة أساس العمل :

وقد بدأ ( ماركس ) دراسته لجوهر المجتمع الرأسمالي وقوانين الاقتصاد السياسي البورجوازي بتحليل القيمة التبادلية ، بوصفها عصب الحياة في المجتمع الرأسمالي ـ كما بدأ غيره من الاقتصاديين الذين عاصروه وسبقوه ـ وجعل من نظريته التحليلية في القيمة حجر الزاوية في بنائه النظري العام . ولم يصنع ماركس شيئاً أساسياً في مجال تحليل القيمة التبادلية ، وإنّما أخذ بالنظرية التقليدية التي شادها قبله ( ريكاردو ) وهي النظرية القائلة : إنّ العمل البشري هو جوهر القيمة التبادلية . فالقيمة التبادلية لكلّ منتوج إنساني ، تقدّر على أساس كمية العمل المتجسّد فيه ، وتتفاوت قيم الأشياء بتفاوت العمل المهراق فيها . فقيمة السلعة التي يتطلّب إنتاجها ساعة واحدة من العمل تساوي نصف قيمة السلعة التي ينفق عليها في العادة ساعتان من العمل .


صفحه 204

وتعتبر هذه النظرية نقطة البدء عند ( ريكاردو ) و( ماركس ) معاً في دراستهما التحليلية لهيكل الاقتصاد الرأسمالي . فقد جعل كلّ منهما منها القاعدة التي يقوم عليها بناؤه العلمي . ولئن كان ( ريكاردو ) قد سبق ( ماركس ) إلى وضع هذه النظرية في صيغة علمية محدّدة ، فقد سبقهما معاً عدّة مفكرين اقتصاديين وفلسفيين إلى التنويه بها ، كالفيلسوف الإنكليزي ( جون لوك ) الذي أشار إلى هذه النظرية في بحوثه ، ثمّ أخذ بها ( آدم سميث ) ـ الاقتصادي الكلاسيكي المعروف ـ في حدود ضيّقة ، فاعتبر العمل أساساً للقيمة التبادلية بين الجماعات البدائية ، غير أن ( ريكاردو ) كان بحقّ هو الذي أعطى النظرية معنى الشمول والاستيعاب ، وآمن بأنّ العمل هو المصدر العام للقيمة التبادلية ، ثمّ جاء ( ماركس ) يسير في طريقه بأسلوبه الخاص .

وهذا لا يعني ـ بطبيعة الحال ـ أنّ ماركس لم يصنع شيئاً في حقل هذه النظرية سوى ترديد الصدى الذي تركه( ريكاردو ) ، بل إنّه ـ حين أخذ النظرية منه ـ صاغها في إطاره الفكري الخاص ، فادخل على بعض جوانبها إيضاحات جديدة وضمّنها عناصر ماركسيّة ، وقبل بعض جوانبها الأخرى كما تركها سلفه .

فـ ( ريكاردو ) حين آمن بهذه النظرية : ( العمل أساس القيمة ) ، أدرك أنّ العمل لا يحدّد القيمة في حالات الاحتكار التي تنعدم فيها المنافسة ؛ إذ إنّ من الممكن في هذه الحالات أن تتضاعف قيمة السلعة المحتكرة وفقاً لقوانين العرض والطلب ، دون أن تزيد كميات العمل المنفقة عليها . ولأجل هذا اعتبر المنافسة الكاملة شرطاً أساسياً لتشكل القيمة التبادلية على أساس العمل . وهذا ما قاله ماركس أيضاً ، معترفاً بأنّ النظرية لا تنطبق على حالات الاحتكار .

ولاحظ ( ريكاردو ) أيضاً أنّ العمل البشري يتفاوت في كفايته ، فساعة من عمل الصانع الذكي النشيط لا يمكن أن تساوي ساعة من عمل الصانع البليد


صفحه 205

البطيء . وقد عالج ذلك بافتراض مقياس عام للكفاية الإنتاجية في كلّ مجتمع ، فكلّ كمّية من العمل إنّما تخلق القيمة التي تتناسب معها إذا كانت تتوافق مع ذلك المقياس العام . وهذا المقياس نفسه هو الذي عبّر عنه ماركس : بكمّية العمل الضرورية اجتماعياً ، إذ قال : إنّ كلّ عمل إنتاجي يخلق قيمة تناسبه إذا أنفق بالطريقة المتعارفة اجتماعياً .

ووجد ( ريكاردو ) نفسه ـ بعد وضع النظرية ـ مضطراً إلى إبعاد غير العمل من عناصر الإنتاج ـ كالأرض ورأس المال ـ عن عملية تكوين القيمة ، ما دام هو الأساس الوحيد لها ، فجاء لأجل ذلك بنظريته الجديدة في تفسير الريع[1]العقاري ، التي قلب بها المفهوم الاقتصادي السائد عن الريع ، كي يبرهن على أنّ الأرض لا تساهم في تكوين القيمة التبادلية في حالة المنافسة الكاملة . فقد كان من عادة الاقتصاديين قبل ( ريكاردو ) أن يفسّروا ريع الأرض بأنّه : هبة من الطبيعة تنشأ من اشتراك الأرض مع الجهود الإنسانية في الإنتاج الزراعي ، وبالتالي في تكوين القيمة التبادلية المنتجة . وهذا يعني ضمناً : أنّ العمل ليس هو الأساس الوحيد للقيمة . فكان من الضروري لريكاردو أن يرفض هذا التفسير للريع وفقاً لنظريته عن القيمة ويأتي بالتفسير الذي ينسجم مع النظرية ، وهذا ما قام به فعلاً ، فقرّر أنّ الريع نتيجة للاحتكار ، ولا يمكن أن يظهر في حالة المنافسة الكاملة . فالأشخاص الذين سيطروا على الجزء الأكثر خصباً من الأرض يحصلون على ريع نتيجة لاحتكارهم واضطرار الآخرين إلى استثمار الأراضي الأقل خصباً .

وأمّا فيما يتّصل برأس المال فقد ذكر ( ريكاردو ) أنّ رأس المال ليس إلاّ

[1]راجع ـ لنظرية ( ريكاردو ) في الريع ـ : كتاب أُسس الاقتصاد الحديث : 303 ـ 306 .


صفحه 206

عملاً متجمّعاً قد ادّخر مجسّداً في أداة أو مادة لينفق من جديد في سبيل الإنتاج ، فلا مبرر لاعتباره عاملاً مستقلاً في تكوين القيمة التبادلية . فالمادة التي بذلت في إنتاجها ساعة من العمل ، ثمّ استهلكت في عملية إنتاج جديدة تعبّر عن عمل ساعة يضاف إلى الكمية الجديدة من العمل التي يتطلّبها الإنتاج الجديد ، وهكذا ينتهي ريكاردو إلى أنّ العمل هو الأساس الوحيد للقيمة .

وكان من المنتظر أن يشجب ( ريكاردو ) الربح الرأسمالي ما دام رأس المال لا يخلق قيمة تبادلية جديدة ، وما دامت السلعة مدينة في قيمتها التبادلية لعمل العامل فحسب ، غير أنّ ريكاردو لم يفعل شيئاً من هذا واعتبر من المنطقي أن تباع السلعة بسعر يعود بعائد صاف لمن يملك رأس المال ، وفسّر ذلك بفترة الوقت التي تمضي بين الاستثمار وظهور المنتجات للبيع . وبهذا اعترف بالزمن بوصفه عاملاً آخر لتكوين القيمة التبادلية . ومن الواضح أنّ هذا يعتبر من ريكاردو تراجعاً عن نظريته القائلة : بأنّ العمل هو الأساس الوحيد للقيمة . وعجزاً عن الاحتفاظ بالنظرية حتى النهاية[1].

وأمّا ماركس فهو حين عالج عناصر الإنتاج التي تشترك مع العمل في العملية الإنتاجية ، والتي عالجها ريكاردو من قبله .. أدخل على أفكار سلفه من ناحية شيئاً من التعديل ، وجاء من ناحية أخرى بأفكار جوهرية لها خطرها .

فمن الناحية الأولى : درس الريع العقاري فأقرّ تفسير ( ريكاردو ) له ، واستطاع أن يميّز بين الريع التفاضلي الذي تحدّث عنه ريكاردو ، والريع المطلق الذي أثبت عن طريقه : أنّ للأرض بمجموعها ريعاً قائماً على أساس الاحتكار

[1]راجع : المشكلة الاقتصادية : 93 .