بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 234

من مصلحة المستأجرين تخفيض الأجور ، ومن مصلحة الأجراء رفعها ، فهم مختلفون في مصالحهم كما قد تختلف مصالح الأجراء أو المستأجرين أنفسهم . وصحيح أنّ أيّ ارتفاع أو هبوط في الأجرة يعني إضراراً بالجانب الآخر في الوقت الذي يستفيد منه أحد الجانبين ، ولكنّ هذا يختلف عن المفهوم الماركسي للتناقض الطبقي الذي يجعل التناقض والابتزاز داخلاً في صميم العلاقة بين المستأجر والأجير مهما كان لونها وشكلها .

فالتناقض الطبقي في طابعه العلمي الموضوعي الصارم القائم على أسس الاقتصاد الماركسي هو الذي ينهار بانهيار تلك الأسس . وأمّا التناقض بمعنى اختلاف المصالح الذي يجعل أحد الفريقين يكافح في سبيل رفع الأجور والفريق الآخر يحاول الاحتفاظ بمستواها فهو تناقض ثابت ، ولا يرتبط بالأسس العلمية المزعومة للاقتصاد الماركسي ، بل هو نظير اختلاف مصالح البائعين والمشترين الذي يدفع بالبائعين إلى محاولة رفع الأثمان بينما يعمل المشترون لمقابلة ذلك .

وكذلك اختلاف مصالح العمال الفنّيين وغيرهم ، إذ أنّ من مصلحة الفنّي أن يحتفظ لعمله بمستوى عال من الأجر ، بينما يكون من مصلحة سائر العمال أن يطالبوا بمساواة كاملة في الأجور .

وأمّا التناقض الثاني بين ما يشريه المالك من العامل وما يسلّمه إليه ، فهو يتوقّف على الرأي الماركسي السابق ، القائل بأنّ السلعة التي يشتريها المالك من العامل ـ في مجتمع يسمح بالعمل المأجور ـ هي قوّة العمل لا العمل نفسه ، كما يردّد ذلك الاقتصاد الرأسمالي المبتذل على حدّ تعبير الماركسية ؛ لأنّ العمل في رأس ماركس هو جوهر القيمة ومقياسها ، فلا يمكن أن تكون له قيمة قابلة للقياس والتقدير حتى يباع بتلك القيمة ، وعلى العكس من ذلك قوّة العمل ، فإنّها


صفحه 235

تعبّر عن كمّية من العمل المنفق عليها ـ أو على إعاشة العامل بتعبير آخر ـ فتقاس قيمة قوّة العمل بالعمل المنفق في سبيلها ، وتصبح بذلك سلعة ذات قيمة يمكن أن يشتريها المالك من العامل بتلك القيمة .

ولكنّ الحقيقة التي يقرّرها الاقتصاد الإسلامي بهذا الصدد هي : أنّ المالك لا يتملّك ولا يشتري من العامل عمله كما يرى الاقتصاد الرأسمالي المبتذل على حد تعبير الماركسية ، ولا يشتري أيضاً قوّة العمل كما يقرّر الاقتصاد الماركسي ، فلا العمل ولا قوّة العمل هو السلعة أو المال الذي يشتريه المالك من العامل ويدفع الأجرة ثمناً له ، وإنّما يشتري المالك من العامل منفعة عمله ، أي الأثر المادّي الذي ينتجه العمل في المادة الطبيعية . فإذا استأجر مالك الخشب والأدوات عاملاً ، ليصنع من ذلك الخشب سريراً ، فهو يدفع له الأجرة ثمناً للهيئة أو التعديل الذي سوف يطرأ على الخشب فيجعله سريراً نتيجة لعمل العامل . فهذا التعديل الذي يصبح الخشب به سريراً هو الأثر المادّي للعمل وهو بالتالي منفعة العمل التي يشتريها المستأجر من العامل بالأجرة . فمنفعة العمل شيء مغاير للعمل ولطاقة العمل ، وهي كذلك ليست جزءاً من كيان الإنسان وإنّما هي بضاعة لها قيمة بمقدار ما لتلك المنفعة من أهمية ، وفقاً للمقياس السيكولوجي العام للقيمة ( مقياس الرغبة الاجتماعية ) . فالمالك إذن يشتري من العامل منفعة عمله ، ويتسلّم هذه المنفعة ضمن الخشب الذي أصبح بالتعديل سريراً في مثالنا السابق ، دون أي تناقض بين ما يشتريه وما يتسلّمه[1].

ولا يفوتنا أن نلاحظ الفرق بين منفعة العمل والمواد الطبيعية الخام النادرة نسبياً ، كالخشب والمادّة المعدنية ، فإنّها وإن كانت جميعاً ذات قيم تبادلية ، وفقاً

[1]راجع منية الطالب في حاشية المكاسب 1 : 61 .


صفحه 236

للمقياس العام في القيمة ، غير أنّ منفعة العمل ـ وهي حالة التعديل تحصل في المادة الطبيعية نتيجة للعمل ، كالخشب الذي يصبح سريراً ـ بوصفها ذات بضاعة ناتجة عن عمل إنساني تتمتّع بعنصر الإرادة والاختيار . فمن الممكن للإرادة الإنسانية أن تتدخّل في جعل هذه البضاعة نادرة ، وبالتالي في رفع ثمنها ، كما تقوم به نقابات العمال في البلدان الرأسمالية . ولهذا يبدو ـ لأوّل وهلة ـ كأن هذه البضاعة تحدّد أثمانها اعتباطاً ووفقاً لمدى القوى السياسية لتلك النقابات ، ولكنّ الواقع أنّها تخضع لنفس المقياس العام للقيمة ، غير أنّ الإدارة الإنسانية بإمكانها أن تتدخّل أحياناً فتجعل المقياس يرتفع وتزداد بذلك الأجور .

[ المراحل الأخرى من التحليل الماركسي للرأسمالية : ]

ولنواصل الآن ـ بعد أن درسنا نظرية القيمة الفائضة ـ استعراض المراحل الأخرى من تحليل الماركسية للمجتمع الرأسمالي . فقد عرفنا حتى الآن : أنّ ماركس وضع نظرية القيمة الفائضة على أساس قانونه الخاص في القيمة ، وفسّر في ضوئها طبيعة الربح الرأسمالي ، وانتهى من ذلك إلى أنّ التناقض الأساسي في الرأسمالية يكمن في الربح الرأسمالي بوصفه سرقة يقتطعها المالك من القيمة التي يخلقها العامل المأجور .

وحين فرغ ماركس من فكرتيه الأساسيتين المتشابكتين ( قانون القيمة ، ونظرية القيمة الفائضة ) ، واطمأن إلى كشفهما عن التناقض الأساسي في الرأسمالية ، بدأ يستنتج في ضوئها قوانين هذا التناقض التي تسوق الرأسمالية إلى حتفها المحتوم .

فأوّل هذه القوانين : قانون الصراع والكفاح الطبقي الذي يخوضه الأُجراء ضدّ الطبقة الرأسمالية . والفكرة في هذا القانون ترتكز على التناقض الأساسي


صفحه 237

ـ الذي كشفت عنه نظرية القيمة الفائضة ـ بين ما يدفعه الرأسمالي إلى العامل من أجور وما يتسلّمه من نتاج ، فحيث إنّ الرأسمالي يقتطع من العامل جزءاً من القيمة التي يخلقها ولا يدفع إليه إلاّ جزءاً منها ، فهو يقف من العامل موقف السارق ، وهذا يؤدّي ـ بطبيعة الحال ـ إلى قيام صراع عنيف بين الطبقة المسروقة والطبقة السارقة . ويجيء بعد ذلك دور قانون آخر ليعمل في تشديد هذا الصراع ومضاعفته ، وهو قانون : انخفاض الربح ، أو بكلمة أخرى : اتجاه معدّل الأرباح دائماً إلى الهبوط . وترتكز الفكرة في هذا القانون على الاعتقاد بأنّ التنافس بين مشاريع الإنتاج الذي يسود المراحل الأولى من الرأسمالية يؤدّي إلى المزاحمة والسباق بين المنتجين الرأسماليين أنفسهم ، ومن طبيعة هذا السباق أن يدفع الإنتاج الرأسمالي إلى الأمام ، ويجعل كلّ رأسمالي حريصاً على إنماء مشروعه وتحسينه سعياً وراء المزيد من الربح ، ولا يجدّ كلّ فرد من الطبقة المالكة ـ لأجل هذا ـ مناصاً عن تحويل جزء من أرباحه إلى رأس مال ، والاستفادة بصورة مستمرة من التقدّم العلمي والتكنيكي في تحسين الأدوات والآلات ، أو استبدالها بما هي أكثر كفاءة وأضخم إنتاجاً ؛ ليستطيع أن يواكب حركة الإنتاج الرأسمالي مع منافسيه الآخرين ، ويعصم نفسه من السقوط في منتصف الطريق . فهناك إذن في وضع المجتمع الرأسمالي قوّة ترغم الرأسمالي على تراكم رأس المال وتحسين الأدوات وتنميتها ، وهي قوّة المزاحمة بين الرأسماليين أنفسهم .

وينبثق عن هذه الضرورة لتراكم رأس المال قانون اتجاه معدّل الأرباح دائماً إلى الهبوط . لأنّ الإنتاج الرأسمالي ـ في نموّه ـ يتزايد اعتماده على الآلات والمعدّات تبعاً للتقدّم العلمي في هذا المضمار ، وتقلّ الكمّية التي يحتاجها من


صفحه 238

العمل بصورة متناسبة مع تقدّم الآلات وتكاملها . وهذا يعني انخفاض القيمة الجديدة التي يخلقها الإنتاج تبعاً لانخفاض كمّية العمل المنفق في هذا السبيل ، فينخفض الربح الذي يعبّر عن جزء من تلك القيمة الجديدة .

ولا يملك الرأسماليون إزاء هذه الضرورة ( ضرورة انخفاض الربح ) من علاج إلاّ مطالبة العمّال بكمّيات أكبر من العمل بنفس الأجرة السابقة ، أو تخفيض نصيبهم من القيمة الجديدة التي يخلقونها بالتقليل من أجورهم . وبذلك يشتدّ الصراع بين الطبقتين ويصبح تزايد البؤس والحاجة في أوساط العمال قانوناً حتمياً في المجتمع الرأسمالي .

ومن الطبيعي أن تنجم بعد ذلك أزمات شديدة ؛ لعدم تمكّن الرأسماليين من تصريف بضائعهم نتيجة لانخفاض مستوى القدرة الشرائية عند الجماهير ، ويصبح من الضروري التفتيش عن أسواق خارج الحدود ، فتبدأ الرأسمالية مرحلتها الاستعمارية والاحتكارية في سبيل ضمان أرباح الطبقة الحاكمة . ويتهاوى تحت نير الاحتكار الضعفاء نسبياً من الطبقة البورجوازية ، فيضيق نطاق هذه الطبقة تدريجياً ، بينما يتّسع نطاق الطبقة الكادحة ؛ إذ تتلقّى بكلّ حرارة أولئك البورجوازيين الضعفاء الذين يخرّون صرعى في معركة الاحتكار الرأسمالي . ومن ناحية أخرى : تبدأ الطبقة البورجوازية تفقد مستعمراتها بفضل الحركات التحرّرية في تلك المستعمرات ، وتتفاقم الأزمات شيئاً بعد شيء ، حتى يصل المنحنى التأريخي إلى النقطة الفاصلة ويتحطّم الكيان الرأسمالي كلّه في لحظة ثورية يشعل نارها الكادحون والعمال .

[ دراسة التحليل الماركسي للرأسمالية : ]

هذه صورة ملخّصة عن مراحل التحليل الماركسي للرأسمالية ، يمكننا الآن


صفحه 239

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 240

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 241

اجتماعية ، ولو لم تطلق على حالة التردّي النسبي اسم : البؤس .

وأخيراً ، فما هي أسباب الحاجة والفاقة التي كان يجدها ماركس مخيّمة على المجتمع الرأسمالي ؟

إنّ الحاجة والفاقة وألوان الفقر والتسكّع لم تنشأ عن السماح بالملكيّة الخاصّة لوسيلة الإنتاج ، وإنّما نشأت عن الإطار الرأسمالي لهذه الملكيّة ، عن اكتساح هذا الملكيّة الخاصة لكلّ وسائل الإنتاج وعدم الاعتراف بمبدأ الملكيّة العاملة إلى جانبه ، ولا بحقوق ثابتة في الأموال الخاصّة للضمان الاجتماعي ، ولا بحدود خاصة لتصرّفات المالكين في أموالهم . وأمّا إذا سمح المجتمع بالملكيّة الخاصة لوسيلة الإنتاج ، ووضع إلى جانب ذلك مبادئ الملكيّة العامّة لقسم كبير من وسائل الإنتاج ، والضمان الاجتماعي ، والحرية الاقتصادية المحدودة بحدود من المصلحة العامة تَحُول دون تمركز الأموال في أيدي فئة قليلة .. أمّا إذا قام المجتمع بذلك كلّه فلن يوجد في المجتمع ـ الذي يوفّق بين هذه المبادئ ـ ظِلّ للبؤس أو ظاهرةٌ من ظواهر الحاجة والشقاء التي نبعت من طبيعة النظام الرأسمالي في المجتمعات الأوروبية .

* * *

وأمّا الاستعمار فقد رأينا أنّ الماركسية تفسّره تفسيراً اقتصادياً خالصاً أيضاً ، فتعتبره نتيجة حتمية للمرحلة العليا من الرأسمالية حين تعود الأسواق والخيرات الداخلية غير كافية لتمشية مصالح الطبقة الرأسمالية ، فتضطرّ إلى امتلاك أسواق وخيرات البلاد الخارجية عن طريق الاستعمار .

ولكن الواقع أنّ الاستعمار ليس تعبيراً اقتصادياً عن المرحلة المتأخّرة من الرأسمالية ، وإنّما هو التعبير العملي بصورة أعمق عن العقلية المادّية بمقاييسها الخُلُقية ومفاهيمها عن الحياة وأهدافها وغاياتها ، فإنّ هذه العقلية هي التي