بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 243

المذهب الماركسي

تمهيد

ما هي الاشتراكية والشيوعية ؟

نقد المذهب بصورة عامة .

نقد تفصيلي للمذهب .


صفحه 244

صفحه 245

تمهيد :

قلنا في مستهلّ هذا الكتاب : إنّ المذهب الاقتصادي عبارة عن نهج خاص للحياة ، يطالب أنصاره بتطبيقه لتنظيم الوجود الاجتماعي على أساسه ، بوصفه المخطّط الأفضل الذي يحقّق للإنسانية ما تصبو إليه من رخاء وسعادة على الصعيد الاقتصادي . وأمّا العلوم الاقتصادية ، فهي دراسات منظمّة للقوانين الموضوعية التي تتحكّم في المجتمع كما تجري في حياته الاقتصادية .

فالمذهب : تصميم عمل ودعوة . والعلم : كشف أو محاولة كشف عن حقيقة وقانون . لهذا السبب كان المذهب عنصراً فعالاً وعاملاً من عوامل الخلق والتجديد . وأمّا العلم فهو يسجّل ما يقع في مجرى الحوادث الاقتصادية كما هو دون تصرّف أو تلاعب .

وعلى هذا الأساس فصلنا بين المادّية التأريخية والمذهب الماركسي في بحثنا هذا مع الماركسية ، فالمادّية التأريخية التي تناولناها في القسم الأوّل من البحث هي : علم قوانين الإنتاج في تطوّره ونموّه ونتائجه الاجتماعية في مختلف الحقول الاقتصادية والسياسية والفكرية ، وبكلمة أخرى : هي علم الاقتصاد الماركسي الذي يفسّر التأريخ كلّه تفسيراً اقتصادياً ، في ضوء القوى المنتجة . والمذهب الماركسي : هو النظام الاجتماعي الذي تتزّعم الماركسية الدعوة إليه ، وقيادة الإنسانية إلى تحقيقه . فالماركسية تقف في المادّية التأريخية موقف العالم الطبيعي من قوانين الطبيعة . وتقف بصفتها المذهبية موقف الدعوة والتبشير .


صفحه 246

وبالرغم من هذين الوجهين المختلفين للعلم والمذهب ، فإنّ الصلة وثيقة جداً بين المادّية التأريخية والماركسية المذهبية . لأنّ المذهب ـ الذي تتبنّى الماركسية الدعوة إليه ـ ليس في الحقيقة إلاّ تعبيراً قانونياً وشكلاً تشريعياً لمرحلة معيّنة من مراحل المادّية التأريخية ، وجزءاً محدوداً من المنحنى التأريخي العام ، الذي تفرضه حركة الإنتاج الصاعدة وقوانين تطوّره وتناقضاته . فالماركسية حين تتقمّص ثوب الداعية المذهبي إنّما تعبّر بذلك عن الحقيقة التأريخية لتلك القوانين . فهي لا تنظر الدعوة إلاّ بوصفها تنفيذاً لإرادة التأريخ وتحقيقاً لمقتضيات العامل الاقتصادي الذي يقود القافلة البشرية اليوم نحو مرحلة جديدة ، هي المرحلة التي تتجسّد فيها مخطّطات المذهب الماركسي .

ولهذا السبب كان يطلق ماركس على مذهبه اسم : ( الاشتراكية العلمية ) ، تمييزاً لها عن سائر الاشتراكيات التي عبّر أصحابها فيها عن اقتراحاتهم ومشاعرهم النفسية وليس عن الضرورة التأريخية وقوانينها ، فصاغوا مذاهبهم بعيدين عن الحساب العلمي ودراسة القوى المنتجة ونموّها .

وفي المذهب الماركسي مرحلتان تطالب الماركسية ـ من ناحية مذهبية ـ بتطبيقهما تباعاً ، وتؤكّد ـ من ناحية المادّية التأريخية ـ على ضرورتهما التأريخيّة كذلك ، وهما : المرحلة الاشتراكية ، ثمّ الشيوعية . فالشيوعية تعتبر من ـ وجهة رأي المادّية التأريخية ـ أعلى مرحلة من مراحل التطوّر البشري ؛ لأنّها المرحلة التي يحقّق فيها التأريخ معجزته الكبرى ، وتقول فيها وسائل الإنتاج كلمتها الفاصلة . وأمّا المرحلة الاشتراكية التي تقوم على أنقاض المجتمع الرأسمالي ، وتحتل موقع الرأسمالية مباشرة ، فهي : من ناحية تعبّر عن الثورة التأريخية المحتومة على الرأسمالية حين تأخذ بالاحتضار ، ومن ناحية أخرى تعتبر شرطاً ضرورياً لإيجاد المجتمع الشيوعي ، وقيادة السفينة إلى شاطئ التأريخ .


صفحه 247

ما هي الاشتراكية والشيوعية ؟

ولكلّ من المرحلتين ـ الاشتراكية والشيوعية ـ معالمها الرئيسية التي تميّزها عن المرحلة الأخرى . فإنّ المرحلة الاشتراكية تتلخّص معالمها الرئيسية وأركانها الأساسية فيما يلي :

أوّلاً : محو الطبقية وتصفية حسابها نهائياً بخلق المجتمع اللاطبقي .

وثانياً : استلام البروليتاريا للأداة السياسية ، بإنشاء حكومة دكتاتورية قادرة على تحقيق الرسالة التأريخية للمجتمع الاشتراكي .

وثالثاً : تأميم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج الرأسمالية في البلاد ـ وهي الوسائل التي يستثمرها مالكها عن طريق العمل المأجور ـ واعتبارها ملكاً للمجموع .

ورابعاً : قيام التوزيع على قاعدة : ( مِن كلٍّ حَسْبَ طاقته ، ولكلٍّ حَسْب عمله ) .

وعندما تصل القافلة البشرية إلى قمّة الهرم التأريخي ، أو إلى الشيوعية الحقيقة يحدث التطوّر والتغبير في أكثر تلك المعالم والأركان . فالشيوعية تحتفظ بالركن الأوّل من أركان الاشتراكية ، وهو محو الطبقية ، وتتصرّف في سائر مقوماتها وأركانها الأخرى . فبالنسبة إلى الركن الثاني تضع الشيوعية حداً نهائياً


صفحه 248

لقصّة الحكومة والسياسة على مسرح التأريخ ، حيث تقضي على حكومة البروليتاريا ، وتحرر المجتمع من نير الحكومة وقيودها . كما أنّها لا تكتفي بتأميم وسائل الإنتاج الرأسمالية فحسب ، كما تقرر الاشتراكية في الركن الثالث ، بل تذهب إلى أكثر من هذا ، فتلغي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الفردية أيضاً ( وهي التي يستثمرها المالك بنفسه لا عن طريق الأُجراء ) . وكذلك تحرّم الملكية الخاصة لبضائع الاستهلاك وأثمانها .

وبكلمة شاملة : تلغي الملكية الخاصة إلغاءً تاماً في الحقلين الإنتاجي والاستهلاكي معاً ، وكذلك تجري تعديلاً حاسماً في القاعدة التي يقوم على أساسها التوزيع في الركن الرابع ، إذ تركز التوزيع على قاعدة : ( من كلٍّ حَسْب طاقته ، ولكلٍّ على حَسْب حاجته ) .

* * *

هذا هو المذهب الماركسي بكلتا مرحلتيه : الاشتراكية والشيوعية . ومن الواضح أنّ لدراسة المذهب ـ أيّ مذهب ـ أساليب ثلاثة :

الأوّل : نقد المبادئ والأسس الفكرية التي يرتكز عليها المذهب .

والثاني : دراسة مدى انطباق تلك المبادئ والأسس على المذهب الذي أقيم عليها .

والثالث : بحث الفكرة الجوهرية في المذهب من ناحية إمكان تطبيقها ، ومدى ما تتمتّع به الفكرة من واقعية وإمكان ، أو استحالة وخيال من ناحية أخرى .

وسوف نأخذ في دراستنا للمذهب الماركسي بهذه الأساليب الثلاثة مجتمعة .


صفحه 249

نقد المذهب بصورة عامة

ونواجه منذ البدء في دراسة الماركسية المذهبية ـ على ضوء الأساليب السابقة ـ أهم وأخطر سؤال على صعيد البحث المذهبي ، وهو السؤال عن الدليل الأساسي الذي يرتكز عليه المذهب ، ويبرّر بصورة منطقية الدعوة إليه وتبنّيه ، وبالتالي تطبيقه وبناء الحياة على أساسه .

إنّ ماركس لا يستند في تبرير الاشتراكية والشيوعية إلى قِيم ومفاهيم خلقية معينة في المساواة ، كما يتّجه إلى ذلك غيره من الاشتراكيين الذين يصفهم ماركس بأنّهم : خياليون . وذلك لأنّ القيم والمفاهيم الخُلقية ليست في رأي الماركسية إلاّ وليدة العامل الاقتصادي ، والوضع الاجتماعي للقوى المنتجة . فلا معنى للدعوة إلى وضع اجتماعي على أساس خُلقي بحت .

وإنّما يستند ماركس إلى قوانين المادّية التأريخية ، التي تفسر حركة التأريخ في ضوء تطوّرات القوى المنتجة وأشكالها المختلفة . فهو يعتبر تلك القوانين الأساس العلمي للتأريخ ، والقوّة التي تصنع له مراحله المتعاقبة في نقاط زمنية محدّدة ، وفقاً لوضع القوى المنتجة وشكلها الاجتماعي السائد .

ويرى في هذا الضوء : أنّ الاشتراكية نتيجة محتومة لتلك القوانين التي تعمل عملها الصارم في سبيل تحويل المرحلة الأخيرة للطبقة ـ وهي المرحلة


صفحه 250

الرأسمالية ـ إلى مجتمع اشتراكي لا طبقي . أمّا كيف تعمل قوانين المادّية التأريخية الماركسية على أنقاض الرأسمالية ؟! فهذا ما يشرحه ماركس ـ كما مرّ بنا سابقاً ـ في بحوثه التحليلية للاقتصاد الرأسمالي ، التي حاول أن يكشف فيها عن التناقضات الجذرية التي تسوق الرأسمالية ـ وفقاً لقوانين المادّية التأريخية ـ إلى حتفها ، وتصل بالركب البشري إلى المرحلة الاشتراكية ، وبكلمات قلائل : إنّ قوانين المادّية التأريخية هي القاعدة العامة لكلّ مراحل التأريخ في رأي ماركس ، والأسس التحليلية في الاقتصاد الماركسي ـ كقانون القيمة ، ونظرية القيمة الفائضة ـ هي عبارة عن محاولة تطبيق تلك القوانين على المرحلة الرأسمالية ، والاشتراكية المذهبية هي النتيجة الضرورية لهذا التطبيق ، والتعبير المذهبي عن المجرى التأريخي المحتوم للرأسمالية ، كما تفرضه القوانين العامّة للتأريخ .

ونحن في بحثنا الموسّع عن المادّية التأريخية ـ بقوانينها ومراحلها ـ قد انتهينا إلى نتائج غير ماركسية . فقد عرفنا بوضوح أنّ الواقع التأريخي للإنسانية لا يسير في موكب المادّية التأريخية ، ولا يستند محتواه الاجتماعي من وضع القوى المنتجة وتناقضاتها وقوانينها . كما تبينّا ـ من خلال دراستنا لقوانين الاقتصاد الماركسي ـ خطأ الماركسية في الأسس التحليلية . التي فسّرت في ضوئها تناقض الرأسمالية من جهات شتى ، وزحفها المستمر نحو نهايتها المحتومة . فإنّ تلك التناقضات كانت ترتكز كلّها على القانون الماركسي للقيمة ونظرية القيمة الفائضة . فإذا انهارت هاتان الركيزتان تداعى البناء كلّه .

وحتى إذا افترضنا أنّ الماركسيّة كانت على صواب في دراستها التحليلية للاقتصاد الرأسمالي ، فإنّ تلك الأسس إنّما تكشف عن القوّة أو التناقضات التي تحكم على الرأسمالية بالموت البطيء حتى تلفظ آخر أنفاسها ، ولكنّها لا تبرهن