بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 252

صفحه 253

[ نقد تفصيلي للمذهب ]

الاشتراكية :

ولنأخذ الآن بدراسة الأركان والمعالم الرئيسية للاشتراكية بشيءٍ من التفصيل .

[ 1 ـ محو الطبقية : ]

فالركن الأوّل : هو محو الطبقية الذي يضع حداً فاصلاً لما زخر به تأريخ البشرية ـ على مرّ الزمن ـ من ألوان الصراع ؛ لأنّ مردّ تلك الألوان إلى التناقض الطبقي الذي نتج عن انقسام المجتمع إلى مالكين ومعدمين ، فإذا قامت الاشتراكية وحوّلت المجتمع إلى طبقة واحدة زال التناقض الطبقي ، واختفت كلّ ألوان الصراع ، وساد الوئام والسلام إلى الأبد .

وتقوم الفكرة في هذا على أساس رأي المادّية التأريخية القائل : إنّ العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي الوحيد في حياة المجتمع . فقد أدّى هذا الرأي بالماركسية إلى القول : بأنّ حالة الملكية الخاصة التي قسّمت المجتمع إلى مالكين ومعدمين ، هي الأساس الواقعي للتركيب الطبقي في المجتمع ، ولكل ما يتمخّض عنه هذا التركيب من تناقض وصراع . وما دام المجتمع الاشتراكي يلغى الملكية


صفحه 254

الخاصة ، ويؤمّم وسائل الإنتاج فهو ينسف الأساس التأريخي للطبقية ، ويصبح من المستحيل أن يواصل التركيب الطبقي وجوده بعد زوال الشروط الاقتصادية التي كان يرتكز عليها .

وقد عرفنا في دراستنا للمادّية التأريخية : أنّ العامل الاقتصادي ، ووضع الملكية الخاصة ، ليس هو الأساس الوحيد لكلّ التركيبات الطبقية على مسرح التأريخ . فكم من تركيب طبقي كان يقوم على أسس عسكرية أو سياسية أو دينية ؟! كما رأينا فيما سبق . فليس من الضروري تأريخياً أن تختفي الطبقية بإزالة الملكية الخاصة ، بل من الممكن أن يحدث للمجتمع الاشتراكي تركيب طبقي على أساس آخر .

ونحن إذا حلّلنا المرحلة الاشتراكية وجدنا أنّها تؤدّي ـ بطبيعتها الاقتصادية والسياسية ـ إلى خلق لون جديد من التناقض الطبقي بعد القضاء على الأشكال الطبقية السابقة .

أمّا الطبيعة الاقتصادية للمرحلة الاشتراكية ، فتمثّل في مبدأ التوزيع القائل : ( من كلٍّ حسب طاقته ، ولكلٍّ حسب عمله ) وسوف نرى عند دراسة هذا المبدأ : كيف أنّه يؤدّي إلى خلق التفاوت من جديد ؟! فلنأخذ الآن الطبيعة السياسية للمرحلة الاشتراكية بالبحث والتمحيص .

إنّ الشرط الأساسي للتجربة الثورة الاشتراكية أن تتحقّق على أيدي ثوريين محترفين يتسلّمون قيادتها . إذ ليس من المعقول أن تباشر البروليتاريا بجميع عناصرها قيادة الثورة وتوجيه التجربة ، وإنّما يجب أن تمارس نشاطها الثوري في ظلّ القيادة والتوجيه . لذلك أكّد لينين ـ بعد فشل ثورة ( 1905م ) ـ على : أنّ الثوريين المحترفين هم وحدهم الذين يستطيعون أن يؤلّفوا حزباً جديداً


صفحه 255

بلشفيِّ الطراز[1]... وهكذا نجد أنّ القيادة الثورية للطبقة العاملة كانت ملكاً طبيعياً لمن يدعون أنفسهم بالثوريين المحترفين ، كما كانت القيادة الثورية للفلاحين والعمّال في ثورات سابقة ملكاً لأشخاص ليسوا من الفلاحين والعمّال ، مع فارق واحد بين الحالين ، وهو أنّ الامتياز القيادي للأشخاص في المرحلة الاشتراكية لا يعبّر عن نفوذ اقتصادي ، وإنّما ينشأ عن خصائص فكرية وثورية وحزبية خاصة .

وقد كان هذا اللون الثوري والحزبي ستاراً على واقع التجربة الاشتراكية التي مرّت بها أوروبا الشرقية حَجَبَ الحقيقة عن الناس ، فلم يستطيعوا أن يتبيّنوا ـ بادئ الأمر ـ في تلك القيادة الثورية للتجربة الاشتراكية ، بذرة لأفظع ما تصف الماركسية من ألوان الطبقية في التأريخ ؛ لأنّ هذه القيادة يجب أن تستلم السلطة بشكل مطلق لطبيعة المرحلة الاشتراكية في رأي الماركسية القائل : بضرورة قيام دكتاتورية وسلطة مركزية مطلقة ؛ لتصفية حسابات الرأسمالية نهائياً . فقد وصف ( لينين ) طبيعة السلطة في جهاز الحزب التي تمتلك السلطة الحقيقة في البلاد خلال الثورة قائلاً :

( في المرحلة الراهنة من الحرب الأهلية الحادّة ، لا يمكن لحزب شيوعي أن يقدر على أداء واجبه إلاّ إذا كان منظّماً بأقصى نمط مركزي ، وإلاّ إذا سيطر عليه نظام حديدي يوازي النظام العسكري ، وإلا إذا كان جهازه المركزي جهازاً قوياً متسلّطاً يتمتّع بصلاحيات واسعة وبثقة أعضاء الحزب الكلّية ) .

[1]قيود الملكية الخاصة : 89 ، نقله عن القانون الدستوري والنظم السياسية ، القسم الثالث : 116 .


صفحه 256

وأضاف ستالين إلى ما تقدّم :

( هذا هو الوضع فيما يتعلّق بالنظام في الحزب أثناء فترة الكفاح التي تسبق تحقيق الديكتاتورية ، ويجب ـ بل حتى إلى درجة أعظم ـ أن يقال الشيء ذاته عن النظام في الحزب بعد أن يكون قد تمّ تحقيق الدكتاتورية ) .

فالتجربة الاشتراكية إذن تتميّز بصورة خاصة عن سائر التجارب الثورية بأنّها مضطرّة ـ كما يرى أقطابها ـ إلى الاستمرار في النهج الثوري والأسلوب المطلق في الحكم داخل نطاق الحزب وخارجه ؛ من أجل خلق الإنسان الاشتراكي الجديد ، البريء من أمراض المجتمعات الطبقية وميولها الاستغلالية التي عاشتها الإنسانية آلاف السنين .

وهكذا يصبح من الضروري أن يباشر الثوريون القادّة ، ومن يدور في فلكهم الحزبي السلطة بشكلٍ غير محدود ، ليتأتى لهم تحقيق المعجزة وصنع الإنسان الجديد .

وحين نصل إلى هذه المرحلة من تسلسل التجربة الاشتراكية نجد أنّ هؤلاء القادة في الجهاز الحزبي والسياسي وأنصارهم ، يتمتّعون بإمكانات لم تتمتّع بها أكثر الطبقات على مرّ التأريخ ، ولا يفقدون من خصائص الطبقة شيئاً ، فهم قد كسبوا سلطة مطلقة على جميع الممتلكات ووسائل الإنتاج المؤمّمة في البلاد ، ومركزاً سياسياً يتيح لهم الانتفاع بتلك الممتلكات ، والتصرّف بها طبقاً لمصالحهم الخاصة ، وإيماناً راسخاً بأنّ سيطرتهم المطلقة تكفل السعادة والرخاء لجميع الناس كما كانت تؤمن بذلك الفئات السابقة التي مارست الحكم في العهود الإقطاعية والرأسمالية.

والفرق الوحيد بين طبقة هؤلاء الثوريين الحاكمين وسائر الطبقات التي


صفحه 257

حدثتنا الماركسية عنها : أنّ تلك الطبقات كانت توجد وتنمو ـ في رأي الماركسيّين ـ تبعاً لعلاقات الملكية القائمة بين الناس ، وطبيعة هذه العلاقات هي التي كانت تحدّد اندراج هذا الشخص ضمن هذه الطبقة أو تلك ، وأمّا هؤلاء المالكون الجدد في المرحلة الاشتراكية فليست طبيعة الملكية هي التي تحدّد اندراجهم في الطبقة الحاكمة ، فلا يندرج هذا الشخص أو ذاك في الطبقة الحاكمة ؛ لأنّ له ملكية خاصة بدرجة معينة في المجتمع كما كانت تفترض الماركسية بالنسبة إلى المجتمعات الطبقية السابقة ، بل العكس هو الذي يصدق على المجتمع الاشتراكي الماركسي ، فإنّ هذا أو ذلك يتمتّع بامتيازات خاصة أو المحتوى الحقيقي للملكيّة ؛ لأنّه مندرج في الطبقة الحاكمة .

وتفسير هذا الفرق بين الطبقة في المجتمع الاشتراكي وغيرها من الطبقات واضح ، فإنّ هذه الطبقة لم تولد على الصعيد الاقتصادي الذي ولدت عليه سائر الطبقات في زعم الماركسية ، وإنّما نشأت ونمت على الصعيد السياسي ضمن تنظيم ذي طراز معيّن ، قائم على أسس فلسفية وعقائدية وفكرية خاصة ، أي : ضمن الحزب الثوري الذي يتزعّم التجربة . فالحزب بنظامه وحدوده الخاصة هو مصنع هذه الطبقة الحاكمة .

وتنحصر مظاهر هذه الطبقة الحزبية فيما يتمتّع به أفراد هذه الطبقة من امتيازات الإدارة غير المحدودة ، التي تمتد من إدارة الدولة وإدارة المؤسسات الصناعية ومشاريع الإنتاج .. إلى كلّ مناحي الحياة ، كما تنعكس أيضاً في التناقضات الشديدة بين أجور العمّال ورواتب موظّفي الحزب .

وفي ضوء الظروف الطبقية التي تؤدّي إليها المرحلة الاشتراكية الماركسية يمكن أن نفسّر ألوان التناقض والصراع على الصعيد السياسي في العالم الاشتراكي ، التي تتمثّل أحياناً في عمليات تطهير هائلة . فإنّ الطبقة الممتازة في


صفحه 258

ظل التجربة الاشتراكية وإن نشأت في داخل الحزب كما رأينا ، إلاّ أنّها من ناحية لا تشمل الحزب كلّه ، ومن ناحية أخرى يمكن أن تمتدّ إلى خارج نطاق الحزب ، طبقاً للظروف التي تكتنف القيادة ومتطلّباتها .

ولذلك كان من الطبيعي أن تواجه الطبقة المتفرّدة بالامتياز معارضة شديدة في داخل الحزب من الأشخاص الذين لم تستوعبهم تلك الطبقة بالرغم من حزبيّتهم ، أو طردتهم من حضيرتها ، فأخذوا يعتبرون هذا التركيب الطبقي الجديد خيانة للمبادئ التي ينادون بها .

وكذلك تواجه الطبقة الممتازة معارضة هائلة في خارج الحزب ممّن أتاح الواقع السياسي للفئة الممتازة أن تستثمرهم ، على شكل امتيازات خاصة ، وحقوق معيّنة ، واحتكارات للأجهزة الإدارية والمرافق الحيوية في البلاد .

ويبدو من المنطقي بعد ذلك أن تحدث عمليات تطهير واسعة النطاق ـ كما يسمّيها الشيوعيون ـ بوصفها انعكاساً لتلك الظروف والتناقضات الطبقية . ومن الطبيعي أيضاً أن تكون تلك العمليات هائلة في صرامتها وشمولها ؛ تبعاً لقوّة المركز الطبقي الذي تتمتّع به الفئة الحاكمة في الحزب والدولة .

ويكفينا لكي نتبيّن مدى الصرامة وقوّة الشمول التي تتّسم بها تلك العمليات أن تعلم أنّها كانت تجري في الذروة العليا في كيان الحزب ، كما تجري في القاعدة باستمرار وعنف قد يفوق كثيراً العنف الذي تعرضه الماركسية كطابع عام لأشكال التناقض الطبقي المختلفة في التأريخ . فقد شملت عمليات التطهير في مرّة تسعة وزراء من أعضاء الوزارة الأحد عشر ، الذين كانوا يديرون دفّة الحكومة السوفييتية عام ( 1936م ) ، وشملت أيضاً خمسة رؤساء من الرؤساء السبعة للجنة السوفييت التنفيذية المركزية التي وضعت دستور ( 1936م ) ، واكتسحت ثلاثة وأربعين أميناً من أمناء سر منظمة الحزب المركزية ، الذين كان يبلغ مجموعهم


صفحه 259

ثلاثة وخميسين أميناً ، وكذلك سبعين عضواً من أعضاء مجلس الحزب الثمانين ، وثلاثة من مارشالات الجيش السوفييتي الخمسة ، و60% تقريباً من مجموع جنرالات السوفييت ، وجميع أعضاء المكتب السياسي الأوّل الذي أنشأه لينين بعد الثورة ، باستثناء ستالين . كما أدّت عمليات التطهير إلى طرد ما يزيد على مليونين من أعضاء الحزب[1]، وما حل عام ( 1939م ) حتى كان عدد أعضاء الحزب الرسمي مليونين ونصف المليون عضو وعدد المطرودين مليونين عضو ، وبذلك كاد الحزب الشيوعي المطرود أن يوازي الحزب الشيوعي نفسه .

ولا نرمي من وراء هذا إلى التشهير بالجهاز الحاكم في المجتمع الاشتراكي ـ وليس التشهير من شأن هذا الكتاب ـ وإنّما نرمي إلى تحليل المرحلة الاشتراكية تحليلاً علمياً ؛ لنجد : كيف تؤدّي ـ بطبيعتها ـ المادّية الدكتاتورية إلى ظروف طبقية تتمخّض عن ألوان رهيبة من الصراع ؟! وإذا بالتجربة التي جاءت لتمحو الطبقية قد أنشأتها من جديد .

[ 2 ـ السلطة الدكتاتورية ] :

والسلطة الدكتاتورية ـ التي هي الركن الثاني في المرحلة الاشتراكية ـ ليست ضرورية لأجل تصفية حساب الرأسمالية فحسب كما تزعم الماركسية ، إذ تعتبرها ضرورة مؤقّتة تستمرّ حتى يقضى على كلّ خصائص الرأسمالية الروحية والفكرية والاجتماعية ... وإنّما تعبّر عن ضرورة أعمق في طبيعة الاشتراكية الماركسية المؤمنة بضرورة التخطيط الاقتصادي الموجّه لكلّ شُعب النشاط الاقتصادي في الحياة . فإنّ وضع مثل هذا التخطيط وتنفيذه يتطلّب سلطة قويّة

[1]قيود الملكية الخاصة : 90 ، نقله عن القانون الدستوري والنظم السياسية ، القسم الثالث : 72 ـ 75 .