بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 262

وسائل الإنتاج ، وحصلت بسبب ذلك على مكاسب تشابه تماماً المكاسب التي حصلت عليها الاشتراكية الماركسية في تجربتها . ففي بعض الممالك الهيلينستية وفي مصر خاصة اتّبعت الدولة مبدأ التأميم ، وأخضعت الإنتاج والمبادلة لإشرافها ، وتولّت بنفسها إدارة معظم فروع الإنتاج ، فجلب هذا النظام للدولة فوائد كبيرة ، ولكنّه حيث كان ينفّذ في إطار سلطة فرعونية مطلقة لم يستطع بعد ذلك أن يخفي جوهره ، فإنّ التأميم في ظلّ سلطة مطلقة تنشئ الملكية الجماعية لتوسعة الإنتاج لا يمكن أن يؤدي واقعياً إلاّ إلى تملك السلطة نفسها وتحكّمها في الممتلكات المؤمّمة ... ولهذا ظهرت في التجربة القديمة خيانة الموظفين واستبداد السلطة التي كانت تتجسد في شخص الملك ، حتى قفز الملك إلى درجة ( إله ) وأصبحت القوى الهائلة تنفق كلّها لحساب هذا الإله الحاكم وتحقيق رغباته من بناء المعابد والقصور والقبور .

ولم يكن من الصدفة أن تقترن تجربة التأميم في أقدم العهود الفرعونية بنفس الظواهر التي اقترنت بها تجربة التأميم الماركسية في العصر الحديث ، من التقدّم السريع في حركة الإنتاج ، وتمتّع السلطة بقوّة تشتدّ وتنمو بشكل هائل ، وانحرافها واستبدادها بعد ذلك بالثروة المؤمّمة . فقد تقدمت حركة الإنتاج في ظل التجربة الحديثة للتأميم كما تقدّمت في ظلّ التأميم الفرعوني ؛ لأنّ التسخير غير الحرّ في الإنتاج يثمر دائماً التقدم السريع المؤقّت في حركة الإنتاج . ونشأ التأميم في كلّ من التجربتين في ظلّ سلطة عليا لا تعترف لنفسها بحدود ؛ لأنّ التأميم حينما يقصد منه تنمية الإنتاج فحسب يتطلّب مثل هذه السلطة الحديدية .

ونتج عن ذلك في كلّ من التجربتين أيضاً استفحال أمر السلطة وتمتّعها بالجوهر الحقيقي للملكيّة ؛ لأنّ التأميم لم يقم على أساس روحي أو قناعة بقيم خُلُيقة للإنسان ، وإنّما قام على أساس مادّي لتحقيق أكبر نصيب من الإنتاج


صفحه 263

فمن الطبيعي أن لا تجد السلطة تعارضاً بين هذا الهدف المادّي وبين ما تحيط به نفسها من امتيازات ومتعة . ومن الطبيعي أيضاً أن لا يقرّ الجهاز الحاكم الملكيّة العامة عملياً إلاّ في حدود الدافع المادّي الذي يدفعه إلى مضاعفة الإنتاج وتنميته .

ولا يبدو غريباً بعد ذلك أن نجد جهاز الدولة في التجربة القديمة وهو يضج بخيانات الموظفين وإثرائهم على حساب الممتلكات العامة ، ونجد ستالين في التجربة الحديثة وهو يضطر إلى الاعتراف بأنّ كبار رجال الدولة والحزب قد استغلّوا فرصة انشغال دولتهم بالحرب الأخيرة فجمعوا الأموال والثروات ، حتى أنّه أذاع ذلك في منشور عمّمه على جميع أبناء الشعب .

فالتشابه بين التجربتين الاشتراكيتين واضح كلّ الوضوح في الظواهر والنتائج ، وبالرغم من اختلاف ظروفهما المدنية وأشكال الإنتاج فيهما . وهذا يشير إلى أنّ الجوهر في كلتا التجربتين واحد مهما اختلفت الألوان والإطارات .

وهكذا نعرف أنّ كلّ تجربة للتأميم تُمنى بنفس النتائج إذا كانت في نفس الإطار السياسي للتجربة الماركسية ، إطار السلطة المطلقة ، وكان المبرّر الموضوعي لها في رأي قادة التجربة هو نفس المبرّر الذي يباشر قادة الماركسية تجربتهم على أساسه ، وهو تنمية الإنتاج ، التي هي القوّة الدافعة للتأريخ على مرّ الزمن في مفاهيم المادّية التأريخية .

[ 4 ـ مِن كلٍّ حَسْبَ طاقته ولكلٍّ حَسْبَ عمله ]

وأمّا الركن الأخير من المرحلة الاشتراكية فهو ـ كما سبق ـ مبدأ التوزيع ، القائل : مِن كلٍّ حَسْبَ طاقته ، ولكلّ حسب عمله .

ويرتكز هذا المبدأ ـ من الناحية العلمية ـ على قوانين المادّية التأريخية ؛ فإنّ المجتمع بعد أن يصبح طبقة واحدة ـ بموجب قانون الاشتراكية الحديثة ـ


صفحه 264

ولا تبقى طبقة عاملة وأخرى مالكة ، يكون من الضروري لكلّ فردٍ أن يعمل ليعيش . كما أنّ القانون الماركسي للقيمة القائل : أنّ العمل هو أساس القيمة ، يجعل لكلّ عامل نصيباً من الإنتاج بالقدر الذي يتّفق مع كمّية عمله . وهكذا يسير التوزيع على أن : ( مِن كلٍّ حسب طاقته ، ولكلٍّ حسب عمله ) .

وهذا المبدأ يأخذ بالتناقض مع الطبيعة اللاطبقية للمرحلة الاشتراكية منذ أن يوضع موضع التنفيذ ، فإنّ الأفراد يختلفون في أعمالهم تبعاً لاختلاف كفاءاتهم ، ولنوعية العمل ودرجة تعقيده . فهذا عامل لا يطيق من العمل ست ساعات ، وذلك عامل أقوى منه بُنية يستطيع أن يعمل عشر ساعات في كلّ يوم ، وهذا عامل موهوب يملك من القريحة والنباهة ما يجعله يدخل تحسينات على طريقة الإنتاج وينتج ضعف ما ينتجه الآخرون ، وذلك عامل لم يؤاتِهِ الحظ قد خلق للتقليد لا للابتكار ، وهذا عامل فنّي مدرّب يمارس إنتاج الأجهزة الكهربائية الدقيقة ، وذاك عامل بسيط لا يمكن أن يستخدم إلاّ في حمل الأثقال ، وثالث يعمل في الحقل السياسي ويتوقّف على عمله مصير البلاد كلّها .

واختلاف هذه الأعمال يؤدّي إلى تفاوت القيم التي تخلقها تلك الأعمال . وليست هذا الألوان الصارخة من التفاوت بين نفس الأعمال أو القيم الناتجة عنها مستمدّة من واقع اجتماعي معيّن ، بل إنّ الماركسية نفسها تعترف بذلك إذ تقسّم العمل إلى : بسيطٍ ومركّب ، وترى أنّ قيمة ساعة عمل مركب شديد التعقيد قد تفوق بأضعاف قيمة ساعة من العمل البسيط .

والمجتمع الاشتراكي إذ يواجه هذه المشكلة لا يوجد أمامه إلاّ سبيلان للحلّ :

أحدهما : أن يحتفظ بمبدأ التوزيع القائل : ( لكلٍّ حسب عمله ) ، فيوزّع الناتج على الأفراد بدرجات مختلفة ، وبذلك ينشئ الفروق الطبقية مرّة أخرى فيمنى


صفحه 265

المجتمع الاشتراكي بالتركيب الطبقي بأسلوب جديد .

والآخر : أن يستعير المجتمع الاشتراكي من الرأسمالي طريقته في اقتطاع القيمة الفائضة على رأي ماركس ، فيساوي بين جميع الأفراد في الأجور .

وللنظرية والتطبيق اتجاهان مختلفان في حلّ هذه المشكلة .

فالتطبيق ـ أو واقع المجتمع الاشتراكي القائم اليوم ـ يتجه إلى حلّ المشكلة بسلوك السبيل الأوّل ، الذي يدفع المجتمع إلى التناقضات الطبقية من جديد ، ولذلك نجد أنّ النسبة بين الدخل المنخفض والدخل الراقي في روسيا تبلغ ـ على ما قيل ـ 5% و1.5% تبعاً لاختلاف التقديرات ، فقد وجد القادة الاشتراكيون أنّ من المستحيل عملياً تنفيذ المساواة المطلقة ، والنزول بأعمال العلماء والسياسيين والعسكريين إلى مستوى العمل البسيط ؛ لأنّ ذلك يجمّد النموّ الفكري ، ويعطّل الحياة الفنّية والعقلية ، ويجعل أكثر الأفراد ينصرفون إلى أتفه الأعمال ما دام الأجر هو الأجر مهما اختلف العمل وتعقّد . ولهذا السبب نشأت الفوارق والتناقضات في ظلّ التجربة الاشتراكية ، وقامت بعد ذلك السلطة الحاكمة بتعميق هذه الفوارق والتناقضات وفقاً لطبيعتها السياسية ، فأنشأت طبقة البوليس السرّي ، وميّزت عملها الجاسوسي بامتيازات ضخمة ، وسخرّتها لتدعيم كيانها الدكتاتوري ، ولم يستيقظ المجتمع بعد أن أسفر الصبح إلاّ عن نفس الواقع الذي كانت تمنّيه الاشتراكية بالخلاص منه .

وأمّا اتجاه النظرية في حلّ المشكلة : فقد جاءت إشارة إلى تجديد هذا الاتّجاه في كتاب ( ضد دوهرنك ) ، إذ عرض أنجلز المشكلة وكتب في الجواب عليها :

( كيف سنحلّ إذن مسألة دفع أعلى الأجور عن العمل المركب ، وهي مسألة هامّة برمّتها ؟ يدفع الأفراد أو عائلاتهم


صفحه 266

في مجتمع المنتجين الخاصّين تكاليف تدريب العامل الكفوء ، لذا فإنّ الثمن العالي الذي يدفع عن القوّة العاملة الكفوءة ناجم عن الأفراد أنفسهم . فالرقيق الماهر يباع بثمن عال ، وكاسب الأجر الماهر تدفع له أجور عالية . إنّ المجتمع إذ يكون منظماً تنظيماً اشتراكياً فإنّه هو الذي يتحمّل هذه التكاليف . فإليه إذن تعود ثمراتها وهي القيم العالية التي ينتجها العمل المركب ، ولا تكون زيادة الأجور مطلباً من مطالب العامل )[1].

وهذا الحلّ النظري للمشكلة الذي يقدّمه أنجلز يفترض أنّ القيم العالية التي يمتاز بها العمل المركب عن العمل البسيط تعادل تكاليف تدريب العامل الكفوء على العمل المركّب . ونظراً إلى أنّ الفرد في المجتمع الرأسمالي يتحمّل بنفسه تكاليف تدريبه فيستحقّ تلك القيم التي نجمت عن تدريبه . وأمّا في المجتمع الاشتراكي فالدولة هي التي تنفق على تدريبه فتكون وحدها صاحبة الحقّ في القيم العالية للعمل المركب ، وليس للعامل الفنّي حينئذ أن يطالب بأجرٍ يزيدُ على أجر العامل البسيط !

ولكن هذا الافتراض يناقض الواقع فإنّ القيم العالية التي يحصل عليها العامل السياسي العسكري في مجتمع المنتجين الخاصين ـ في المجتمع الرأسمالي ـ تزيد كثيراً عن تكاليف دراسته للعلوم السياسية والعسكرية ، كما مرّ سابقاً .

أضف إلى ذلك أنّ أنجلز لم يضع معالجته للمشكلة في صيغة دقيقة تنّفق مع

[1]ضد دوهرنك 2 : 96 .


صفحه 267

الأسس العلمية المزعومة في الاقتصاد الماركسي ؛ فقد غاب عن ذهن أنجلز أنّ السلعة التي ينتجها العامل الفنّي المدرّب لا يدخل في قيمتها ـ التي يخلقها العامل ـ ثمن تدريبه وأجور دراسته ، وإنّما الذي يحدّد قيمتها كمّية العمل المنفقة على إنتاجها فعلاً ، مع كمّية العمل التي أنفقها العامل خلال الدراسة والتدريب . فمن الممكن أن ينفق العامل عشر سنوات من العمل في التدريب ويكلّفه ذلك ألف دينار ، ويكون ثمن التدريب هذا ـ وهو ألف دينار ـ معبّراً عن كمّية من العمل المختزن فيه تقلّ عن عمل عشر سنوات . فأجرة التدريب ـ في هذا الفرض ـ تصبح أقل من القيمة التي ساهم عمل العامل خلال تدريبه في إيجادها ، نظير تكاليف تجديد قوّة العمل التي تقلّ عن القيمة التي يخلقها العمل نفسه ، كما تزعم نظرية القيمة الفائضة .

فما يصنع أنجلز إذا أصبحت كمّية العمل الماثلة في تكاليف تدريب العامل ... أقلّ من كمّية العمل التي ينفقها العامل خلال التدريب ؟! إنّ الدولة ليس من حقّها في هذه الحال ـ على أساس الاقتصاد الماركسي ـ أن تقتطف ثمرات التدريب ، وتسلب من العامل القيمة التي خلقها بعمله في السلعة خلال التدريب بوصفها قد دفعت أجرة التدريب ؛ لأنّ القيمة الزائدة التي يتمتّع بها منتوج العامل الفنّي لا تعبّر عن تكاليف تدريبه وأجرة دراسته ، بل عن العمل الذي قضاه العامل خلال الدراسة . فإذا زاد هذا العمل على كمّية العمل المتمثّلة في نفقات التدريب كان للعامل الحقّ في زيادة الأجر على إنتاجه الفنّي .

وشيء آخر فات أنجلز أيضاً ، وهو : أنّ تعقيد العمل لا ينشأ دائماً من التدريب ، بل قد يحصل بسبب مواهب طبيعية في العامل تجعله ينتج في ساعة من العمل ما لا ينتج اجتماعياً إلاّ خلال ساعتين . فهو يخلق في الساعة القيمة التي


صفحه 268

يخلقها غيره في ساعتين بسبب من كفاءته الطبيعية ، لا من تدريس سابق . فهل يأخذ هذا العامل ضِعف ما يأخذه غيره ، فيمنى المجتمع الاشتراكي بالفوارق والتناقضات ، أو يساوى بينه وبين غيره ولا يعطي إلاّ نصف ما يخلقه من القيمة ، فيرتكب المجتمع الاشتراكي بذلك سرقة القيمة الفائضة ؟!

وهكذا يتلخّص : أنّ الحكومة في المرحلة الاشتراكية الماركسية ، لا مَحيد لها عن أحد أمرين : فأمّا أن تطبّق النظرية كما يفرضه القانون الماركسي للقيمة ، فتوزّع على كلّ فرد حسب عمله ، فتخلق بذرة التناقض الطبقي من جديد . وإمّا أن تنحرف عن النظرية في مجال التطبيق وتساوي بين العمل البسيط والمركب ، والعامل الاعتيادي والموهوب ، فتكون قد اقتطعت من العامل الموهوب القيمة الفائضة التي يتفوّق بها عن العامل البسيط ، كما كان يصنع الرأسمالي تماماً في حساب المادّية التأريخية .

الشيوعية :

وننتهي من دراسة المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة النهائية التي يولد فيها المجتمع الشيوعي ، ويحشر البشر إلى الفردوس الأرضي الموعود ، في نبوءات المادّية التأريخية.

وللشيوعية ركنان رئيسيان :

الأوّل : محو الملكية الخاصة ، لا في مجال الإنتاج الرأسمالي فحسب ، بل في مجال الإنتاج بصورة عامة وفي مجال الاستهلاك أيضاً ، فتؤمّم كلّ وسائل الإنتاج وكلّ البضائع الاستهلاكية .

والثاني : محو السلطة السياسية وتحرير المجتمع من الحكومة بصورة نهائية .


صفحه 269

[ 1 ـ محو الملكية الخاصة : ]

أمّا محو الملكية الخاصة في كلّ المجالات فهو لا يستمدّ وجوده في المذهب من قانون علمي للقيمة ، كما كان تأميم وسائل الإنتاج الرأسمالي يقوم على أساس نظرية القيمة الفائضة ، والقانون الماركسي للقيمة ، وإنّما تقوم الفكرة في تعميم التأميم على افتراض أنّ المجتمع يبلغ بفضل النظام الاشتراكي درجة عالية من الثروة ، كما تنمو القوى المنتجة نمواً هائلاً ، فلا يبقى موقع للملكيّة الخاصة لبضائع الاستهلاك ، فضلاً عن ملكيّة وسائل الإنتاج ؛ لأنّ كلّ فرد سوف يحصل في المجتمع الشيوعي على ما يحتاج إليه ويتوق إلى استهلاكه في أيّ وقت شاء ، فأيّ حاجة له في الملكية الخاصة ؟!

وعلى هذا الأساس يقوم مبدأ التوزيع في المجتمع الشيوعي على قاعدة : أنّ لكلٍّ حسب حاجته لا حسب عمله ، أيّ أنّ كلّ فرد يُعطى قدر ما يشبع رغبته ويحقّق سائر طلباته ؛ لأنّ الثروة التي يملكها المجتمع قادرة على إشباع كلّ الرغبات .

ونحن لا نعرف فرضية أكثر إمعاناً في الخيال وتجنيحاً في آفاقه البعيدة من هذه الفرضية التي تعتبر : أنّ كلّ إنسان في المجتمع الشيوعي قادر على إشباع جميع رغباته وحاجته إشباعاً كلياً ، كما يشبع حاجاته من الهواء والماء ، فلا تبقى ندرة ولا تزاحم على السلع ، ولا حاجة إلى الاختصاص بشيء .

ويبدو من هذا : أنّ الشيوعية كما تصنع المعجزات في الشخصية الإنسانية فتحوّل الناس إلى عمالقة في الإنتاج ، بالرغم من انطفاء الدوافع الذاتية والأنانية في ظل التأميم ، كذلك تصنع المعجزة مع الطبيعة نفسها ، فتجرّدها عن الشحّ والتقتير ، وتمنحها روحاً كريمة تسخو دائما بكلّ ما يتطلّبه الإنتاج الهائل