[ 1 ـ محو الملكية الخاصة : ]
أمّا محو الملكية الخاصة في كلّ المجالات فهو لا يستمدّ وجوده في المذهب من قانون علمي للقيمة ، كما كان تأميم وسائل الإنتاج الرأسمالي يقوم على أساس نظرية القيمة الفائضة ، والقانون الماركسي للقيمة ، وإنّما تقوم الفكرة في تعميم التأميم على افتراض أنّ المجتمع يبلغ بفضل النظام الاشتراكي درجة عالية من الثروة ، كما تنمو القوى المنتجة نمواً هائلاً ، فلا يبقى موقع للملكيّة الخاصة لبضائع الاستهلاك ، فضلاً عن ملكيّة وسائل الإنتاج ؛ لأنّ كلّ فرد سوف يحصل في المجتمع الشيوعي على ما يحتاج إليه ويتوق إلى استهلاكه في أيّ وقت شاء ، فأيّ حاجة له في الملكية الخاصة ؟!
وعلى هذا الأساس يقوم مبدأ التوزيع في المجتمع الشيوعي على قاعدة : أنّ لكلٍّ حسب حاجته لا حسب عمله ، أيّ أنّ كلّ فرد يُعطى قدر ما يشبع رغبته ويحقّق سائر طلباته ؛ لأنّ الثروة التي يملكها المجتمع قادرة على إشباع كلّ الرغبات .
ونحن لا نعرف فرضية أكثر إمعاناً في الخيال وتجنيحاً في آفاقه البعيدة من هذه الفرضية التي تعتبر : أنّ كلّ إنسان في المجتمع الشيوعي قادر على إشباع جميع رغباته وحاجته إشباعاً كلياً ، كما يشبع حاجاته من الهواء والماء ، فلا تبقى ندرة ولا تزاحم على السلع ، ولا حاجة إلى الاختصاص بشيء .
ويبدو من هذا : أنّ الشيوعية كما تصنع المعجزات في الشخصية الإنسانية فتحوّل الناس إلى عمالقة في الإنتاج ، بالرغم من انطفاء الدوافع الذاتية والأنانية في ظل التأميم ، كذلك تصنع المعجزة مع الطبيعة نفسها ، فتجرّدها عن الشحّ والتقتير ، وتمنحها روحاً كريمة تسخو دائما بكلّ ما يتطلّبه الإنتاج الهائل
من موارد ومعادن وأنهار .
ومن سوء الحظ أنّ قادة التجربة الماركسية حاولوا أن يخلقوا الجنّة الموعودة على الأرض ففشلوا ، وظلّت التجربة تتأرجح بين الاشتراكية والشيوعية حتى أعلنت بصراحة عجزها عن تحقيق الشيوعية بالفعل ، كما تعجز كلّ تجربة تحاول اتجاهاً خيالياً يتناقض مع طبيعة الإنسان . فقد اتجهت الثورة الاشتراكية في بادئ الأمر اتجاهاً شيوعياً خالصاً ، إذ حاول لينين أن يكون كلّ شيء شائعاً بين المجموع ، فانتزع الأرض من أصحابها وجرّد الفلاحين من وسائل إنتاجهم الفردية ، فتمرّد الفلاحون وأعلنوا إضرابهم عن العمل والإنتاج ، فنشأت المجاعة الهائلة التي زعزعت كيان البلاد ، وأرغمت السلطة على العدول عن تصميمها فردت للفلاح حقّ التملّك واستعادت البلاد حالتها الطبيعية ، إلى أن جاءت سنة( 28 ـ30 ) فحدث انقلاب آخر أريد به تحريم الملكية من جديد ، فاستأنف الفلاحون ثورتهم وإضرابهم ، وأمعنت الحكومة في الناس قتلاً وتشريداً وغصّت السجون بالمعتقلين ، وبلغت الضحايا ـ على ما قيل ـ مئة ألف قتيل ، باعتراف التقارير الشيوعية . وأضعاف هذا العدد في تقدير أعدائها . وراح ضحية المجاعة الناجمة عن الإضراب والقلق سنة( 1932م ) ستّة ملايين نسمة باعتراف الحكومة نفسها ، فاضطرّت السلطة إلى التراجع ، وقرّرت منح الفلاح شيئاً من الأرض وكوخاً وبعض الحيوانات للاستفادة منها على أن تبقى الملكية الأساسية للدولة ، وينضمّ الفلاح إلى جمعية ( الكلخوز الزراعية الاشتراكية )[1]التي تتعهّدها الدولة وتستطيع أن تطرد أيّ عضو منها متى شاءت .
[1]راجع : تأريخ الملكية : 132 ـ 126 ، والملكية في النظام الاشتراكي : 391 ـ 395 .
[ 2 ـ زوال الحكومة : ]
وأمّا الركن الثاني للشيوعية ( زوال الحكومة ) فهو أطرف ما في الشيوعية من طرائف . وتقوم الفكرة فيه على أساس رأي المادّية التأريخية في تفسير الحكومة ، القائل : بأنّ الحكومة وليدة التناقض الطبقي ؛ لأنّها الهيئة التي تخلقها الطبقة المالكة لإخضاع الطبقة العاملة لها . ففي ضوء هذا التفسير لا يبقى للحكومة أيّ مبرر في مجتمع لا طبقي ، بعد أن يتخلّص من كلّ آثار الطبقية وبقاياها ، ويصبح من الطبيعي أن تتلاشى الحكومة تبعاً لزوال الأساس التأريخي لها .
ومن حقّنا أن نتساءل عن هذا التحوّل الذي ينقل التأريخ من مجتمع الدولة إلى مجتمع متحرّر منها ، من المرحلة الاشتراكية إلى المرحلة الشيوعية :
كيف يتمّ هذا التحوّل الاجتماعي ؟! وهل يحصل بطريقة ثورية وانقلابية ، فينتقل المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية في لحظة حاسمة ، كما انتقل من الرأسمالية إلى الاشتراكية ؟! أو أنّ التحوّل يحصل بطريقة تدريجية فتذبل الدولة وتتقلّص حتى تضمحلّ وتتلاشى ؟!
فإذا كان التحول ثورياً آنياً وكان القضاء على حكومة البروليتاريا سيتمّ عن طريق الثورة ، فمن هي الطبقة الثائرة التي سيتمّ على يدها هذا التحوّل ؟! وقد علّمتنا الماركسية أنّ الثورة الاجتماعية على حكومة إنّما تنبثق دائماً من الطبقة التي لا تمثلها تلك الحكومة . فلا بد إذن في هذا الضوء أن يتمّ التحوّل الثوري إلى الشيوعية على أيدي غير الطبقة التي تمثلها الحكومة الاشتراكية وهي طبقة البروليتاريا . فهل تريد الماركسية أن تقول لنا أن الثورة الشيوعية تحصل على أيدي رأسماليين مثلا ؟!
وإذا كان التحوّل من الاشتراكية وزوال الحكومة تدريجياً.. فهذا يناقض ـ قبل كلّ شيء ـ قوانين الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية ؛ فإنّ قانون
الكمّية والكيفية في الديالكتيك يؤكّد : أنّ التغيرات الكيفية ليست تدريجية ، بل تحصل بصورة فجائية ، وتحدث بقفزة من حالة إلى أخرى . وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كلّ مرحلة تأريخية بوصفها تحوّلاً آنياً . فكيف بطل هذا القانون عند تحوّل المجتمع من الاشتراكية إلى الشيوعية ؟!
والتحوّل التدريجي السلمي من المرحلة الاشتراكية إلى الشيوعية كما يناقض قوانين الديالكتيك كذلك يناقض طبيعة الأشياء ، إذ كيف يمكن أن نتصوّر أنّ الحكومة في المجتمع الاشتراكي تتنازل في التدريج عن السلطة وتقلّص ظلّها ، حتى تقضي بنفسها على نفسها ، بينما كانت كلّ حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسّك بمركزها وتدافع عن وجودها السياسي إلى آخر لحظة من حياتها ؟! فهل هناك أغرب من هذا التقليص التدريجي تتبرّع بتحقيقه الحكومة نفسها ، فتسخو بحياتها في سبيل تطوير المجتمع ؟! بل هل هناك ما هو أبعد من هذا عن طبيعة المرحلة الاشتراكية والتجربة الواقعية التي تجسد اليوم في العالم ؟! فقد عرفنا أنّ من ضرورات المرحلة الاشتراكية قيام حكومة دكتاتورية مطلقة السلطان ، فكيف تصبح هذه الدكتاتورية المطلقة مقدّمة لتلاشي الحكومة واضمحلالها نهائياً ؟! وكيف يمهّد استفحال السلطة واستبدادها إلى زوالها واختفائها ؟!
وأخيراً : فَلِنجنَح مع الماركسية في أخيلتها ، ولنفترض أنّ المعجزة قد تحقّقت ، وأنّ المجتمع الشيوعي قد وجد ، وأصبح كلّ شخص يعمل حسب طاقته ويأخذ حسب حاجته ، أفلا يحتاج المجتمع إلى سلطة تحدّد هذه الحاجة ، وتوفّق بين الحاجات المتناقضة فيما إذا تزاحمت على سلعة واحدة ، وتنظّم العمل وتوزعه على فروع الإنتاج ؟!
مع الرأسمالية
الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية .
الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية .
القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي .
دراسة الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمها الأساسية .
[ تمهيد : ]
كما يقسّم الاقتصاد الماركسي إلى علم ومذهب كذلك ينقسم الاقتصاد الرأسمالي إلى هذين القسمين . ففيه الجانب العلمي الذي تحاول الرأسمالية فيه أن تفسّر مجرى الحياة الاقتصادية وأحداثها تفسيراً موضوعياً قائماً على أساس الاستقرار والتحليل . وفيه أيضاً الجانب المذهبي الذي تدعو الرأسمالية إلى تطبيقه وتتبنّى الدعوة إليه .
وقد اختلط هذان الجانبان أو الوجهان للاقتصاد الرأسمالي في كثير من البحوث والأفكار ، مع أنّهما وجهان مختلفان ولكلّ منهما طبيعة الخاصة وأُسسه ومقاييسه . فإذا حاولنا أن نسبغ على أحد الوجهين الطابع المميّز للآخر ، فنعتبر القوانين العلمية مذهباً خالصاً ، أو نضفي الطابع العلمي على المذهب ، فسوف نقع في خطأ كبير كما سنرى .
والرأسمالية وإن اتّفقت مع الماركسيّة في تشعّبها إلى جانب علمي وجانب مذهبي ، ولكنّ العلاقة بين علم الاقتصاد الرأسمالي والمذهب الرأسمالي في الاقتصاد تختلف اختلافاً جوهرياً عن العلاقة بين الجانب العلمي من الماركسيّة
والجانب المذهبي منها ، أي : بين المادّية التأريخية من ناحية والاشتراكية والشيوعية من ناحية أخرى ، وهذا الاختلاف هو الذي سيجعل طريقة بحثنا مع الرأسمالية تختلف عن طريقة دراستنا للماركسيّة ، كما يتضح خلال هذا الفصل ( مع الماركسية ) .
وسوف نستعرض فيما يلي : الاقتصاد الرأسمالي في خطوطه الرئيسية ، ونعالج بعد ذلك علاقة المذهب الرأسمالي بالجانب العلمي من الرأسمالية ، وندرس أخيراً الرأسمالية في ضوء أفكارها المذهبية التي ترتكز عليها .