بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 27

انسجامه مع هذا المخطّط أو ذاك .

إنّ الإنسان الأوروبي ينظر إلى الأرض دائماً لا إلى السماء ، وحتى المسيحية ـ بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان مئات السنين ـ لم تستطع أن تتغلّب على النزعة الأرضية في الإنسان الأوروبي ، بل بدلاً عن أن ترفع نظره إلى السماء استطاع هو أن يستنزل إله المسيحية من السماء إلى الأرض ويجسّده في كائن أرضي .

وليست المحاولات العلمية للتفتيش عن نسب الإنسان في فصائل الحيوان وتفسير إنسانيته على أساس التكييف الموضوعي من الأرض والبيئة التي يعيش فيها أو المحاولات العلمية لتفسير الصرح الإنساني كلّه على أساس القوى المنتجة التي تمثّل الأرض وما فيها من إمكانات ـ ليست هذه المحاولات إلاّ كمحاولة استنزال الإله إلى الأرض في مدلولها النفسي وارتباطها الأخلاقي بتلك النظرة العميقة في نفس الإنسان الأوروبي إلى الأرض ، وإن اختلفت تلك المحاولات في أساليبها وطابعها العلمي أو الأسطوري .

وهذه النظرة إلى الأرض أتاحت للإنسان الأوروبي أن ينشئ قيماً للمادة والثروة والتملّك تنسجم مع تلك النظرة .

وقد استطاعت هذه القيم التي ترسّخت عبر الزمن في الإنسان الأوروبي أن تعبّر عن نفسها في مذاهب اللذّة والمنفعة التي اكتسحت التفكير الفلسفي الأخلاقي في أوروبا ؛ فإنّ لهذه المذاهب بوصفها نتاجاً فكرياً أوروبياً سجّلَ نجاحاً كبيراً إلى الصعيد الفكري الأوروبي لها مغزاها النفسي ودلالتها على المزاج العام للنفس الأوروبية .

وقد لعبت هذه التقييمات الخاصة للمادة والثروة والتملّك دوراً كبير في


صفحه 28

تفجير الطاقات المختزنة في كلّ فرد من الأمّة ووضع أهداف لعملية التنمية تتفق مع تلك التقييمات . وهكذا سرت في كل أوصال الأمّة حركة دائبة نشيطة مع مطلع الاقتصاد الأوروبي الحديث لا تعرف الملل أو الارتواء من المادة وخيراتها وتملّك تلك الخيرات .

كما أنّ انقطاع الصلة الحقيقة للإنسان الأوروبي بالله تعالى ونظرته إلى الأرض بدلاً عن النظرة إلى السماء انتزع من ذهنه أي فكرة حقيقية عن قيمومة رفيعة من جهة أعلى أو تحديدات تفرض عليه من خارج نطاق ذاته ، وهيّأه ذلك نفسياً وفكرياً للإيمان بحقّه في الحرّية ، وغمره بفيض من الشعور بالاستقلال والفردية ، الأمر الذي استطاعت بعد هذا أن تترجمه إلى اللغة الفلسفية أو تعبّر عنه على الصعيد الفلسفي فلسفة كبرى في تأريخ أوروبا الحديثة ، وهي الوجودية ؛ إذ توّجت تلك المشاعر التي غمرت الإنسان الأوروبي الحديث بالصيغة الفلسفية ، فوجد فيها إنسان أوروبا الحديث أماله وأحاسيسه .

وقد قامت الحرّية بدور رئيسي في الاقتصاد الأوروبي ، وأمكن لعملية التنمية أن تستفيد من الشعور الراسخ لدى الإنسان الأوروبي بالحرّية والاستقلال والفردية في نجاح الاقتصاد الحرّ بوصفه وسيلة تتفق مع الميول الراسخة في نفوس الشعوب الأوروبية وأفكارها ، وحتى حينما طرح الاقتصاد الأوروبي منهجاً اشتراكياً حاول فيه أن ينطلق من الشعور بالفردية والأنانية أيضاً مع تحويلها من فرديّة شخص إلى فردية طبقية .

وكلّنا نعلم أنّ الشعور العميق بالحرّية كان يوفّر شرطاً أساسيا لكثير من النشاطات التي ساهمت في عملية التنمية وهو انعدام الشعور بالمسؤولية الأخلاقية الذي لم تكن تلك النشاطات لتتمّ بدونه .


صفحه 29

والحرّية نفسها كانت أداة لانفتاح الإنسان الأوروبي على مفهوم الصراع ؛ لأنّها جعلت لكلّ إنسان أن ينطلق دون أن يحده في انطلاقه شيء سوى وجود الشخص الآخر الذي يقف في الطرف المقابل كمحدّد له ، فكان كلّ فرد يشكّل بوجوده النفي لحرّية الشخص الآخر .

وهكذا نشأت فكرة الصراع في ذهن الإنسان الأوروبي وقد عبّرت هذه الفكرة عن نفسها على الصعيد الفلسفي كما رأينا في سائر الأفكار الأساسية التي كونت مزاج الحضارة الغربية الحديثة . عبرت هذه الفكرة ـ فكرة الصراع ـ عن نفسها في الأفكار العلمية والفلسفية عن تنازع البقاء كقانون طبيعي بين الأحياء ، أو عن حتمية الصراع الطبقي داخل المجتمع ، أو عن الديالكتيك وتفسير الكون على أساس الأطروحة ونقضيها والمركّب الناجم عن الصراع بين النقيضين . إنّ كل هذه الاتجاهات ذات الطابع العلمي أو الفلسفي هي قبل كلّ شيء تعبير عن واقع نفسي عام وشعور حاد لدى إنسان الحضارة الحديثة بالصراع .

وكان للصراع أثره الكبير في توجيه الاقتصاد الأوروبي الحديث وما واكبه من عمليات التنمية سواء ما اتخذ منه الشكل الفردي وعبّر عن نفسه بالتنافس المحموم وغير المحدود بين المؤسسات والمشاريع الرأسمالية الشخصية في ظل الاقتصاد الحر التي كانت تنمو وتنمي الثروة الكلّية من خلال صراعه وتنافسها على البقاء ، أو ما اتخذ منه الشكل الطبقي وعبّر عن نفسه بتجمّعات ثورية تتسلّم مقاليد الإنتاج في البلاد وتحرّك كل الطاقات لصالح التنمية الاقتصادية .

هذه هي أخلاقية الاقتصاد الأوروبي وعلى هذه الأرضية استطاع هذا الاقتصاد أن يبدأ حركته ويحقّق نموّه ويسجّل مكاسبه الضخمة .

وهذه الأخلاقية تختلف عن الأخلاقية التي تعيشها الأمّة داخل العالم


صفحه 30

الإسلامي ؛ نتيجة لتأريخها الديني ، فالإنسان الشرقي الذي ربّته رسالات السماء وعاشت في بلاده ومرّ بتربية دينية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض ، ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بالمادة والمحسوس .

وافتتانه العميق بعالم الغيب قبل عالم الشهادة هو الذي عبّر عن نفسه على المستوى الفكري في حياة المسلمين باتجاه الفكر في العالم الإسلامي إلى المناحي العقلية من المعرفة البشرية دون المناحي التي ترتبط بالواقع المحسوس .

وهذه الغيبية العميقة في مزاج الإنسان المسلّم حدّدت من قوّة أغراء المادة للإنسان المسلم وقابليتها لأثارته الأمر الذي يتّجه بالإنسان في العالم الإسلامي حين يتجرّد عن دوافع معنوية للتفاعل مع المادة وإغرائه باستثماره إلى موقف سلبي تجاهها يتّخذ شكل الزهد تارة والقناعة أخرى والكسل ثالثة !

وقد روّضته هذه الغيبية على الشعور برقابة غير منظورة قد تعبّر في وعي المسلم التقي عن مسؤولية صريحة بين يدي الله تعالى وقد تعبّر في ذهن مسلم آخر عن ضمير محدّد وموجّه وهي على أيّ حال تبتعد بإنسان العالم الإسلامي عن الإحساس بالحرّية الشخصية والحرّية الأخلاقية بالطريقة التي أحسّ به الإنسان الأوروبي .

ونتيجة لشعور الإنسان المسلم بتحديد داخلي يقوم على أساس أخلاقي لصالح الجماعة التي يعيش ضمنها يحسّ بارتباط عميق بالجماعة التي ينتسب إليها وانسجام بينه وبينها ، بدلاً عن فكرة الصراع التي سيطرت على الفكر الأوروبي الحديث . وقد عزّز فكرة الجماعة لدى الإنسان المسلم الإطار العالمي لرسالة الإسلام الذي ينيط بِحَمَلة هذه الرسالة مسؤولية وجودها عالمياً وامتدادها مع الزمان والمكان ، فإنّ تفاعل إنسان العالم الإسلامي على مرّ التأريخ مع رسالة


صفحه 31

عالمية منفتحة على الجماعة البشرية يرسّخ في نفسه الشعور بالعالمية والارتباط بالجماعة . وهذه الأخلاقية التي يعيشها إنسان العالم الإسلامي إذا لاحظناها بوصفها حقيقة ماثلة في كيان الأمّة يمكن الاستفادة منها في المنهجة للاقتصاد داخل العالم الإسلامي ووضعه في إطار يواكب تلك الأخلاقية ؛ لكي تصبح قوّة دفع وتحريك كما كانت أخلاقية مناهج الاقتصاد الأوروبي الحديث عاملاً كبيراً في إنجاح تلك المناهج لما بينهما من انسجام .

فنظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض يمكن أن تؤدّي إلى موقف سلبي تجاه الأرض وما في الأرض من ثروات وخيرات يتمثّل في الزهد أو القناعة أو الكسل إذا فصلت الأرض عن السماء ، وأمّا إذا أُلبست الأرض إطار السماء وأعطي العمل مع الطبيعة صفة الواجب ومفهوم العبادة فسوف تتحوّل تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان المسلم إلى طاقة محرّكة وقوّة دفع نحو المساهمة بأكبر قدر ممكن في رفع المستوى الاقتصادي . وبدلاً عما يحسّه اليوم المسلم السلبي من برود تجاه الأرض أو ما يحسّه المسلم النشيط الذي يتحرّك وفق أساليب الاقتصاد الحرّ أو الاشتراكي من قلق نفسي في أكثر الأحيان ولو كان مسلماً متميعاً ، سوف يولد انسجام كامل بين نفسية إنسان العالم الإسلامي ودوره الايجابي المرتقب في عملية التنمية.

ومفهوم إنسان العالم الإسلامي عن التحديد الداخلي والرقابة الغيبية الذي يجعله لا يعيش فكرة الحرّية بالطريقة الأوروبية يمكن أن يساعد إلى درجة كبيرة في تفادي الصعاب التي تنجم عن الاقتصاد الحرّ والمشاكل التي تواجهها التنمية الاقتصادية في ظلّه عن تخطيط عام يستمدّ مشروعيته في ذهن إنسان العالم الإسلامي من مفهومه عن التحديد الداخلي و الرقابة غير المنظورة ، أي : يستند إلى


صفحه 32

مبررات أخلاقية .

والإحساس بالجماعة والارتباط بها يمكن أن يساهم إلى جانب ما تقدّم في تعبئة طاقات الأمّة الإسلامية للمعركة ضدّ التخلّف إذا أعطي للمعركة شعار يلتقي مع ذلك الإحساس كشعار الجهاد في سبيل الحفاظ على كيان الأمّة وبقائها الذي أعطاه القرآن الكريم حين قال :( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ )[1]، فأمر بإعداد كلّ القوى الاقتصادية التي يمثّلها مستوى الإنتاج باعتباره جزءاً من معركة الأمّة وجهادها للاحتفاظ بوجودها وسيادتها .

وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي بوصفه المنهج الاقتصادي القادر على الاستفادة من أخلاقية إنسان العالم الإسلامي التي رأيناها وتحويلها إلى طاقة دفع وبناء كبيرة في عمليات التنمية وإنجاح تخطيط سليم للحياة الاقتصادية .

فنحن حينما نأخذ بالنظام الإسلامي سوف نستفيد من هذه الأخلاقية ونستطيع أن نعبّأها في المعركة ضدّ التخلّف على عكس ما إذا أخذنا بمناهج في الاقتصاد ترتبط نفسياً وتأريخيّاً بأرضية أخلاقية أخرى .

وقد أخذ بعض المفكرين الأوروبيين يدركون هذه الحقيقة أيضاً ويلمّحون إليها معترفين بأنّ مناهجهم لا تتفق مع طبيعة العالم الإسلامي ، واذكر كمثال على ذلك ( جاك أُوستروى ) فقد سجّل هذه الملاحظة بكلّ وضوح في كتابه (التنمية الاقتصادية) بالرغم من أنّه لم يستطع أن يبرّز التسلسل الفنّي والمنطقي لتكوّن الأخلاقية الأوروبية وتكوّن الأخلاقية الإسلامية وترتب حلقاتها ، ولا الأبعاد الكاملة لمحتوى كل من الأخلاقيّتين ، وتورّط في عدّة أخطاء ، وبالرغم من

[1]سورة الأنفال : 60 .


صفحه 33

إمكان الاعتماد بصورة كاملة في إبراز هذه الأخطاء على ما كتبه الأستاذ الجليل محمّد المبارك في مقدّمة الكتاب ، والأستاذ الدكتور نبيل صبحي الطويل الذي ترجم الكتاب إلى العربية ، فإنّ بودي أن أتوسع في فرصة مقبلة بهذا الصدد مكتفياً الآن بالقول بأنّ اتجاه إنسان العالم الإسلامي إلى السماء لا يعني بمدلوله الأصيل استسلام الإنسان للقدر واتكاله على الظروف والفرص وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والإبداع كما حاول ذلك ( جاك أُوستروي ) ، بل إنّ هذا الاتجاه لدى الإنسان المسلم يعبّر في الحقيقة عن مبدأ خلافة الإنسان في الأرض فهو يميل بطبيعته إلى إدراك موقفه في الأرض باعتباره خليفة لله ولا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون ، كما لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف ؛ لأنّ الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يُستخلف عليه ولا مسؤولية بدون حرّية وشعور بالاختيار والتمكّن من التحكّم في الظروف ، وإلاّ فأي استخلاف هذا إذا كان الإنسان مقيداً أو مسيّراً ؟!

ولهذا قلنا إنّ إلباس الأرض إطار السماء يفجّر في الإنسان المسلم طاقاته ويثير إمكاناته ، بينما قطع الأرض عن السماء يعطّل في الخلافة معناها ويجمّد نظرة الإنسان المسلم إلى الأرض في صيغة سلبية ، فالسلبية لا تنبع عن طبيعة نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء بل عن تعطيل قوى التحريك الهائلة في هذه النظرة بتقديم الأرض إلى هذا الإنسان في إطار لا ينسجم مع تلك النظرة .

وإضافة إلى كل ما تقدّم ، نلاحظ أنّ الأخذ بالإسلام أساساً للتنظيم العام يتيح لنا أن نقيم حياتنا كلّها بجانبيها الروحي والاجتماعي على أساس واحد ؛ لأنّ الإسلام يمتدّ إلى كلا الجانبين بينما تقتصر كثير من المناهج الاجتماعية الأخرى


صفحه 34

غير الإسلام على جانب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية من حياة الإنسان ومُثُله ، فإذا أخذنا مناهجنا العامة في الحياة من مصادر بشرية بدلاً عن النظام الإسلامي لم نستطع أن نكتفي بذلك عن تنظيم آخر للجانب الروحي ، ولا يوجد مصدر صالح لتنظيم حياتنا الروحية إلاّ الإسلام فلا بدّ حينئذ من إقامة كلّ من الجانبين الروحي والاجتماعي على أساس خاص به ، مع أنّ الجانبين ليسا منعزلين أحدهما عن الآخر ، بل هما متفاعلان إلى درجة كبيرة ، وهذا التفاعل يجعل إقامتهما على أساس واحد أسلم وأكثر انسجام مع التشابك الأكيد بين النشاطات الروحية والاجتماعية في حياة الإنسان .

محمّد باقر الصدر

العراق ـ النجف الأشرف