مع الرأسمالية
الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية .
الرأسمالية المذهبية ليست نتاجاً للقوانين العلمية .
القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي .
دراسة الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمها الأساسية .
[ تمهيد : ]
كما يقسّم الاقتصاد الماركسي إلى علم ومذهب كذلك ينقسم الاقتصاد الرأسمالي إلى هذين القسمين . ففيه الجانب العلمي الذي تحاول الرأسمالية فيه أن تفسّر مجرى الحياة الاقتصادية وأحداثها تفسيراً موضوعياً قائماً على أساس الاستقرار والتحليل . وفيه أيضاً الجانب المذهبي الذي تدعو الرأسمالية إلى تطبيقه وتتبنّى الدعوة إليه .
وقد اختلط هذان الجانبان أو الوجهان للاقتصاد الرأسمالي في كثير من البحوث والأفكار ، مع أنّهما وجهان مختلفان ولكلّ منهما طبيعة الخاصة وأُسسه ومقاييسه . فإذا حاولنا أن نسبغ على أحد الوجهين الطابع المميّز للآخر ، فنعتبر القوانين العلمية مذهباً خالصاً ، أو نضفي الطابع العلمي على المذهب ، فسوف نقع في خطأ كبير كما سنرى .
والرأسمالية وإن اتّفقت مع الماركسيّة في تشعّبها إلى جانب علمي وجانب مذهبي ، ولكنّ العلاقة بين علم الاقتصاد الرأسمالي والمذهب الرأسمالي في الاقتصاد تختلف اختلافاً جوهرياً عن العلاقة بين الجانب العلمي من الماركسيّة
والجانب المذهبي منها ، أي : بين المادّية التأريخية من ناحية والاشتراكية والشيوعية من ناحية أخرى ، وهذا الاختلاف هو الذي سيجعل طريقة بحثنا مع الرأسمالية تختلف عن طريقة دراستنا للماركسيّة ، كما يتضح خلال هذا الفصل ( مع الماركسية ) .
وسوف نستعرض فيما يلي : الاقتصاد الرأسمالي في خطوطه الرئيسية ، ونعالج بعد ذلك علاقة المذهب الرأسمالي بالجانب العلمي من الرأسمالية ، وندرس أخيراً الرأسمالية في ضوء أفكارها المذهبية التي ترتكز عليها .
الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية
يرتكز المذهب الرأسمالي على أركان رئيسية ثلاثة يتألّف منها كيانه العضوي الخاص ، الذي يميّزه عن الكيانات المذهبية الأخرى . وهذه الأركان هي :
أوّلاً : الأخذ بمبدأ الملكية الخاصة بشكل غير محدود ، فبينما كانت القاعدة العامة في المذهب الماركسي هي : الملكية الاشتراكية التي لا يجوز الخروج عنها إلاّ بصورة استثنائية ، تنعكس المسألة في المذهب الرأسمالي تماماً . فالملكية الخاصة في هذا المذهب هي القاعدة العامّة التي تمتد إلى كلّ المجالات وميادين الثروة المتنوّعة ، ولا يمكن الخروج عنها إلاّ بحكم ظروف استثنائية تضطرّ أحياناً إلى تأميم هذا المشروع أو ذاك وجعله ملكاً للدولة . فما لم تبرهن التجربة الاجتماعية على ضرورة تأميم أيّ مشروع تبقى الملكية الخاصة هي القاعدة النافذة المفعول .
وعلى هذا الأساس تؤمن الرأسمالية بحرية التملّك ، وتسمح للملكية الخاصة بغزو جميع عناصر الإنتاج ، من : الأرض ، والآلات ، والمباني ، والمعادن ، وغير ذلك من ألوان الثروة . ويتكفّل القانون في المجتمع الرأسمالي بحماية الملكيّة الخاصة ، وتمكين المالك من الاحتفاظ بها .
ثانياً : فسح المجال أمام كلّ فرد لاستغلال ملكيّته وإمكاناته على الوجه
الذي يروق له ، والسماح له بتنمية ثروته بمختلف الوسائل والأساليب التي يتمكّن منها . فإن كان يتملك أرضاً زراعية مثلاً ، فله أن يستغلّها بنفسه في أيّ وجه من وجوه الاستغلال ، وله أن يؤجّرها للغير ، وأن يفرض على الغير شروطه التي تهمّه ، كما له أن يترك الأرض دون استغلال .
وتستهدف هذه الحرية الرأسمالية التي يمنحها المذهب الرأسمالي للمالك : أن تجعل الفرد هو العامل الوحيد في الحركة الاقتصادية ، إذ ما من أحد أعرف منه بمنافعه الحقيقة ، ولا أقدر منه على اكتسابها . ولا يتأتّى للفرد أن يصبح كذلك ما لم يزوّد بالحرية في مجال استغلال المال وتهيئته ، ويستبعد من طريقه التدخّل الخارجي من جانب الدولة وغيرها . فبذلك يصبح لكلّ فرد الفرصة الكافية لاختيار نوع الاستغلال الذي يستغلّ به ماله ، والمهنة التي يتّخذها ، والأساليب التي يتّبعها لتحقيق أكبر مقدار ممكن من الثروة .
وثالثاً : ضمان حرية الاستهلاك كما تضمن حرية الاستغلال . فلكلّ شخص الحرية في الإنفاق من ماله كما يشاء على حاجاته ورغباته ، وهو الذي يختار نوع السلع التي يستهلكها ، ولا يمنع عن ذلك قيام الدولة أحياناً بتحريم استهلاك بعض السلع ، لاعتبارات تتعلّق بالمصلحة العامة ، كاستهلاك المخدّرات .
فهذه هي المعالم الرئيسية في المذهب الرأسمالي ، التي يمكن تلخيصها في حرّيات ثلاث : حرّية التملّك ، والاستغلال ، والاستهلاك .
ويظهر منذ النظرة الأولى : التناقض الصارخ بين المذهب الرأسمالي والمذهب الماركسي ، الذي يضع الملكية الاشتراكية مبدءاً بدلاً عن الملكية الفردية ، ويقضي على الحرّيات الرأسمالية التي ترتكز على أساس الملكية الخاصة ، ويستبدلها بسيطرة الدولة على جميع مرافق الحياة الاقتصادية .
ومن القول الشائع : أنّ اختلاف المذهبين الرأسمالي والماركسي في
معالمهما، يعكس اختلافهما في طبيعة نظرتهما إلى الفرد والمجتمع ؛ لأنّ المذهب الرأسمالي مذهب فردي يقدّس الدوافع الذاتية ، ويعتبر الفرد هو المحور الذي يجب على المذهب أن يعمل لحسابه ويضمن مصالحه الخاصة . وأمّا المذهب الماركسي فهو مذهب جماعي ، يرفض الدوافع الذاتية والأنانية ، ويُفني الفرد في المجتمع ، ويتّخذ المجتمع محوراً له . وهو لأجل هذا لا يعترف بالحرّيات الفردية ، بل يهدرها في سبيل القضية الأساسية ، قضية المجتمع بكاملة .
والواقع : أنّ كِلا المذهبين يرتكز على نظرة فردية، ويعتمد على الدوافع الذاتية والأناني ؛ فالرأسمالية تحترم في الفرد السعيد الحظ أنانيته ، فتضمن له حرية الاستغلال والنشاط في مختلف الميادين ، مستهترة بما سوف يصيب الآخرين من حيف وظلم نتيجة لتلك الحرية التي أطلقتها لذلك الفرد ما دام الآخرون يتمتّعون بالحرية مبدئياً ، كما يتمتّع بها الفرد المستغل .
وبينما توفّر الرأسمالية للمحظوظين إشباع دوافعهم الذاتية وتنمّى نزعتهم الفردية تتّجه الماركسية إلى غيرهم من الأفراد الذين لم تتهيأ لهم تلك الفرص فتركّز دعوتها المذهبية على أساس إثارة الدوافع الذاتية والأنانية فيهم ، والتأكيد على ضرورة إشباعها ، وتسعى بمختلف الأساليب إلى تنمية هذه الدوافع بوصفها القوّة التي يستخدمها التأريخ في تطوير نفسه ، حتى تتمكن من تفجيرها تفجيراً ثورياً . وتشرح لأولئك الذين تتّصل بهم : أنّ الآخرين يسرقون جهودهم وثروتهم فلا يمكن لهم أن يقرّوا هذه السرقة بحال ؛ لأنّها اعتداء صارخ على كيانهم الخاص .
وهكذا نجد أنّ الوقود الذي يعتمد عليه المذهب الماركسي هو نفس الدوافع الذاتية والفردية التي تتبنّاها الرأسمالية . فكل من المذهبين يتبنّى إشباع الدوافع الذاتية وينمّيها ، وإنّما يختلفان في نوع الأفراد الذين تتجاوب دوافعهم الذاتية
والأنانية مع هذا المذهب أو ذاك .
وأمّا المذهب الجدير بصفة المذهب الجماعي فهو المذهب الذي يعتمد على وقود من نوع آخر ، على قوى غير الأنانية والدوافع الذاتية .
إنّ المذهب الجماعي هو المذهب الذي يربّي في كلّ فرد شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه المجتمع ومصالحه ، ويفرض عليه ـ لذلك ـ أن يتنازل عن شيء من ثمار أعماله وجهوده وأمواله الخاصة في سبيل المجتمع وفي سبيل الآخرين ، لا لأنّه سرق الآخرين وقد ثاروا عليه لاسترداد حقوقهم الخاصة ، بل لأنّه يحس بأنّ ذلك جزء من واجبه ، وتعبير عن القيم التي يؤمن بها .
إنّ المذهب الجماعي هو المذهب الذي يحفظ حقوق الآخرين وسعادتهم لا بإثارة دوافعهم الذاتية ، بل بإثارة الدوافع الجماعية في الجميع ، وتفجير منابع الخير في نفوسهم . وسوف نرى في بحوث مقبلة ما هو هذا المذهب ؟