بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 289

الفيزياء والفلك ، وكما تعمل القوانين الطبيعية في الإنتاج التي عرضناها في الفئة الأولى ، وإنّما يمثّل قانون العرض والطلب ظواهر الحياة الواعية للإنسان ، فهو يوضح أنّ المشتري سيقدم ـ في الحالة التي ينصّ عليها القانون الآنف الذكر ـ على شراء السلعة بثمن أكبر من ثمنها في حالة مساواة الطلب للعرض ، وأنّ البائع سيمتنع في تلك الحالة عن البيع إلاّ بذلك الثمن .

وتدخّل الإرادة الإنسانية في مجرى الحياة الاقتصادية لا يعني إبعاد الحياة الاقتصادية عن مجال القوانين العلمية ، واستحالة البحث العلمي فيها ، كما ذهب إلى ذلك وَهْمُ بعض المفكّرين في بداية ولادة الاقتصاد السياسي ، إذ اعتقدوا : أنّ طابع الحتمية والضرورة للقوانين العلمية يتنافى مع طبيعة الحرّية التي تعكسها الإرادة الإنسانية . فإذا أخضعت الحياة الإنسانية لقوانين علمية صارمة كان ذلك مناقضاً لما يتمتّع به الإنسان في حياته من حرّية وانطلاق ، إذ يصبح لدى خضوعه لتلك القوانين آلة جامدة تسير وتتكّيف ميكانيكياً طبقاً للقوانين الطبيعية التي تتحكّم في مجرى حياته الاقتصادية .

وهذا الوهم يرتكز على مفهوم خاطئ عن الحرّية الإنسانية وإدراك معكوس للعلاقة بين الحرّية والإرادة ، وبين تلك القوانين . فإنّ وجود قوانين طبيعية لحياة الإنسان الاقتصادية لا يعني أنّ الإنسان يفقد حرّيته وإرادته ، وإنّما هي قوانين للإرادة البشرية تفسّر كيف يستعمل الإنسان حرّيته في المجال الاقتصادي فلا يمكن أن تعتبر إلغاء لإرادة الإنسان وحرّيته .

[ اختلاف القوانين الاقتصادية عن سائر القوانين العلمية : ]

ولكنّ هذه القوانين الاقتصادية تختلف عن القوانين العلمية في مناحي الكون الأخرى في نقطة ، وهي : أنّ هذه القوانين نظراً إلى علاقتها بإرادة الإنسان


صفحه 290

تتأثّر بكلّ المؤثّرات التي تطرأ على الوعي الإنساني ، وبكلّ العوامل التي تتدخّل في إرادة الإنسان وميوله . وبَدهيٌّ أنّ إرادة الإنسان التي تعالجها تلك القوانين تتحدّد وتتكّيف وفقاً لأفكار الإنسان ومفاهيمه ، ولنوعية المذهب السائد في المجتمع ولون التشريعات التي تقيّد سلوك الأفراد . فهذه العوامل هي التي تملي على الإنسان إرادته وموقفه العملي ، وحين تتغيّر تلك العوامل يختلف اتجاه الإنسان وإرادته ، وبالتالي تختلف القوانين العلمية العامة التي تفسّر مجرى الحياة الاقتصادية ، فلا يمكن في كثير من الأحيان إعطاء قانون عام للإنسانية في الحياة الاقتصادية بمختلف إطاراته الفكرية والمذهبية والروحية . وليس من الصحيح علمياً أن نترقّب من الإرادة الإنسانية في مجرى الحياة الاقتصادية أن تسير وتنشط ـ دائماً وفي كلّ مجتمع ـ كما تسير وتنشط في المجتمع الرأسمالي الذي درسه الاقتصاديون الرأسماليون ، ووضعوا قوانين الاقتصاد السياسي في ضوئه ما دامت المجتمعات قد تختلف في إطاراتها الفكرية والمذهبية والروحية ، بل يجب أن تؤخذ هذه الإطارات كمدلولات ثابتة في مجال البحث العلمي . ومن الطبيعي أن تتكشّف نتائج البحث حينئذٍ عن القوانين الجارية ضمن تلك الإطارات خاصة .

وعلى سبيل المثال نذكر القاعدة الرئيسية التي وُضع في ضوئها كثير من قوانين الاقتصاد الكلاسيكي ، وهي : القاعدة التي تجرّد من الإنسان الاجتماعي المحسوس ، إنساناً اقتصادياً يؤمن بالمصلحة الشخصية كهدفٍ أعلى له في كلّ ميادين النشاط الاقتصادي . فقد افترض الاقتصاديون ـ منذ البدء ـ أنّ كلّ فرد في المجتمع يستوحي اتّجاهه العملي في نشاطه الاقتصادي من مصلحته المادّية الخاصة دائماً ، وأخذوا يستكشفون القوانين العلمية التي تتحكّم في مثل هذا المجتمع . وقد كان افتراضهم هذا على نصيب كبير من الواقع بالنسبة إلى المجتمع


صفحه 291

الرأسمالي الأوروبي وطابعة الفكري والروحي ومقاييسه الخُلُُقية والعملية . غير أنّ من الممكن أن يحدث تحوّل أساسي في القوانين الاقتصادية لحياة المجتمع بمجرّد تغيير هذا الأساس ، ومواجهة مجتمع يختلف عن المجتمع الرأسمالي في القاعدة العامة لسلوك أفراده وفي الأفكار والقيم التي يؤمنون بها . وليس هذا افترضاً نفترضه وإنّما هو واقع نتحدّث عنه ، فإنّ المجتمعات تختلف في العوامل التي تحدّد لها دوافع السلوك والقيم العملية في الحياة .

ولنأخذ مثلاً لذلك المجتمع الرأسمالي ، والمجتمع الذي دعا إليه الإسلام وتمكّن من إخراجه إلى حيز الوجود . فقد عاش في ظلّ الإسلام مجتمع بشري من لحمٍ ودمٍ تختلف القاعدة العامة لسلوكه ومقاييسه العملية ، ومحتوياته الروحية والفكرية عن المجتمع الرأسمالي كلّ الاختلاف ؛ فإنّ الإسلام ـ بوصفه ديناً و مذهباً خاصاً في الحياة ـ وإن كان لا يعالج أحداث الاقتصاد معاجلة علمية ، ولكنّه يؤثّر على هذه الأحداث ومجراها الاجتماعي تأثيراً كبيراً بوصفه يعالج محور تلك الأحداث ، وهو الإنسان في مفاهيمه عن الحياة ودوافعه وغاياته ، يصهره في قالبه الخاص ويصوغه في إطاره الروحي والفكري ، وبالرغم من أنّ التجربة التي خاضها الإسلام في سبيل إيجاد هذا المجتمع كانت قصيرة ، فقد أسفرت عن أروع النتائج التي شهدتها حياة الإنسان ، وبرهنت على إمكان التحليق بالإنسان إلى آفاق لم يستطع أن يتطلّع إليها أفراد المجتمع الرأسمالي ، الغارقون في ضرورات المادّة ومفاهيمها إلى رؤوسهم .

وفي النزر اليسير ممّا يحدثنا به التأريخ عن نتائج التجربة الإسلامية وروائعها ما يلقي ضوءاً على إمكانات الخير المكتنزة في نفس الإنسان ، ويكشف عن الطاقة الرسالية في الإسلام التي استطاع بها أن يجنّد تلك الإمكانات


صفحه 292

ويستثمرها لصالح القضية الإنسانية الكبرى . فقد ورد في تأريخ تلك التجربة الذهبية : أنّ جماعة من غير ذوي اليسار والثروة جاءوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)قائلين :

يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجور ؛ يصلّون كما نصلّي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدّقون بفضول أموالهم . فأجاب النبيّ قائلاً :

( أوَليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به ؛ إنّ لكم بكلّ تسبيحة صدقة ، وبكلّ تكبيرة صدقة ، وأمرٌ بالمعروف صدقة ، ونهيٌ عن المنكر صدقة )[1].

فهؤلاء المسلمون الذين احتجّوا بين يدي الرسول(صلى الله عليه وآله)على واقعهم لم يكونوا يريدون الثروة بوصفها أداة من أدوات المِنعة والقوّة أو ضماناً لإشباع الرغبات الشخصية ، وإنّما عزّ عليهم أن يسبقهم الأغنياء في المقاييس المعنوية بألوان البِّر والإحسان ، وبالمساهمة في المصالح العامة على الصعيد الاجتماعي . وهذا يعكس مفهوم الثروة وطبيعة الإنسان المسلم في ظلّ تجربةٍ إسلاميةٍ كاملةٍ للحياة .

وجاء في وصف الإجارات والتجارات في المجتمع الإسلامي ما حدّث به الشاطبي ، إذ كتب يقول :

( نجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلاّ بأقلّ ما يكون من الربح أو الأجرة ؛ حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسباً لغيره لا له . ولذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم ، كأنّهم وكلاء للناس لا لأنفسهم ، بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم ـ وإن جازت ـ كالغش لغيرهم )[2].

[1]مستدرك الوسائل 7 : 263 ، الباب 49 من أبواب من أبواب الصدقة ، الحديث 10 ، مع اختلاف يسير .

[2]الموافقات في أصول الشريعة 2 : 134 ، المسألة الرابعة ، مبحث حظوظ المكلّف .


صفحه 293

وتحدّث محمد بن زياد عن شيء من مظاهر التعاون والتكافل في المجتمع الإسلامي فقال :

( ربّما نزل على بعضهم الضيف ، وقِدْرُ أحدهم على النار ، فيأخذها صاحب الضيف لضيفه ، فيفقد القِدْرَ صاحبُها ، فيقول : من أخذ القِدْر ؟ فيقول صاحب الضيف : نحن أخذناها لضيفنا ، فيقول صاحب القِدْر : بارك الله لكم فيها )[1].

وهكذا ندرك الدور الإيجابي الفعال للإسلام في تغيير مجرى الحياة الاقتصادية وقوانينها الطبيعية ، بتغيير الإنسان نفسه ، وخلق شروط روحية وفكريّة جديدة له . وكذلك نعرف مدى الخطأ في إخضاع مجتمع يتمتّع بهذه الخصائص والمقوّمات لنفس القوانين التي يخضع لها مجتمع رأسمالي ، زاخر بالأنانية والمفاهيم المادّية .

ويمكننا أن نأخذ ـ على سبيل المثال أيضاً ـ قوانين توزيع الدخل ، وقوانين العرض والطلب . فقوانين توزيع الدخل في الاقتصاد الرأسمالي كما يشرحها (ريكاردو) وغيره من الأقطاب الكلاسيكيين تقضي : بتخصيص جزء منه أجراً للعامل ، يحدّد وفقاً لقيمة المواد الغذائية القادرة على إعاشة العامل والاحتفاظ بقواه ، ويقسّم الباقي على شكل ربح وفائدة وريع . وقد استخلص الاقتصاد الرأسمالي من ذلك : أنّ للأجور قانوناً حديدياً لا يمكن بموجبه أن تزيد وتنقص ، وإن زادت أو انخفضت كمّية النقد التي يتسلّم بها العامل أجره تبعاً لارتفاع قيمة المواد الغذائية وهبوطها . ويتلخّص هذا القانون الحديدي : في أنّ العمّال إذا ازدادت أجورهم لسبب ما فسوف تتحسّن حالتهم المعيشية ، ويقدمون بصورة أكثر

[1]الأدب المفرد ( للبخاري ) : 160 .


صفحه 294

على الزواج والتناسل فتكثر الأيدي العاملة ، ويتضاعف العرض ، وتنخفض الأجور إلى الحدّ الطبيعي . وإذا حدث العكس ، فهبط الأجر عن مستواه الطبيعي ، أدّى ذلك إلى انتشار البؤس والمرض في صفوف العمّال ، فيقلّ عددهم وتنخفض كمّية العرض ، فترتفع الأجور .

يتقدم إلينا بهذا الاقتصاديون الكلاسيكيون بوصفه تفسيراً علمياً للواقع ، وقانوناً طبيعياً للحياة الاقتصادية ، وهو في الحقيقة لا ينطبق إلاّ ضمن حدود خاصة ، وفي مجتمعات رأسمالية لا يوجد فيها ضمان اجتماعي عام ، ويعتمد التسعير فيها على جهاز السوق . وأمّا في مجتمع يسود فيه مبدأ الضمان العام لمستوى كريم من المعيشة ، كالمجتمع الإسلامي ، أو في مجتمع يُلغى فيه جهاز السوق ويجرّد عن وظيفته في تحديد الأسعار تبعاً لنسبة العرض إلى الطلب ، كالمجتمع الاشتراكي ، فلا تتحكّم فيه تلك القوانين بالشكل الذي تعمل به في المجتمع الرأسمالي .

وهكذا يتّضح أنّ الهيكل العلمي العام للاقتصاد الرأسمالي ذو إطار مذهبي خاص ، وليس له قدسية القوانين العلمية المطلقة .


صفحه 295

دراسة الرأسمالية المذهبية في أفكارها وقيمتها الأساسية

إنّ المقوّمات الأساسية للمذهب الرأسمالي ـ التي استعرضناها سابقاً ـ تدلّ على أنّ حجر الزاوية في المذهب هو : حرية الإنسان في الحقل الاقتصادي بمختلف مجالاته ، من تملكٍ واستغلالٍ واستهلاكٍ. فالحرّية ـ بأشكالها المتنوّعة ـ هي الأساس الذي تنبثق منه كلّ الحقوق والقيم المذهبية التي تنادي بها الرأسمالية ، بل إنّ القوانين العلمية للاقتصاد الرأسمالي نفسها ليست إلاّ تفسيراً للواقع الموضوعي المتجمّد في إطار هذه الحرّية كما مرّ بنا .

وإذا كانت فكرة الحرّية هي الجوهر والمحتوى الأساسي للرأسمالية المذهبية ، فيجب عند دراسة المذهب الرأسمالي نقد هذه الفكرة وتحليلها ، ودرس بذورها الفكرية وما ترتكز عليه من أفكار وقِيم .

أوّل سؤال يقفز إلى مجال البحث : لماذا يجب أن يقام المجتمع على أساس الحرّية الاقتصادية ؟ وكيف نشأ حقّ الإنسان فيها ، الأمر الذي تؤكّد عليه الرأسمالية المذهبية ، وترفض الاعتراف بأيّ تحديد أساسي له ؟ ويجب أن نعرف في سبيل الإجابة على هذا السؤال : أنّ الحرّية في التفكير الرأسمالي ترتبط عادة بعدة أفكار وقيم ، تستمد منها وجودها المركزي في المذهب وصفتها كضرورة اجتماعية أو إنسانية للكيان البشري .


صفحه 296

فهي تارةً ترتبط بالفكرة القائلة : بالتوافق بين مصالح الفرد التي يندفع إلى تحقيقها بدوافعه الذاتية ، ومصالح المجتمع التي يتوقّف عليها كيانه العام . فإنّ مصالح الفرد والمجتمع إذا كانت متوافقة فليس على المذهب الاجتماعي الذي يستهدف ضمان الصالح الاجتماعي إلاّ أن يطلق الحرّية للفرد ويفسح المجال لدوافعه الذاتية أن تقوده إلى تحقيق مصالحه الخاصة ، التي تؤدّي بصورة آلية إلى توفير المصالح العامّة . فالحرّية على أساس هذه الفكرة ليست إلاّ أداة لتوفير تلك المصالح العامة وضمان ما يتطلّبه المجتمع من خيرٍ ورفاه ، وبصفتها أداة لذلك تكون جديرة بمركزها القاعدي في المذهب .

وهي تارةً أخرى : ترتبط بفكرة تنمية الإنتاج ، وترتكز على الرأي القائل : أنّ الحرّية الاقتصادية هي أفضل قوّة دافعة للقوى المنتجة ، وأكفأ وسيلة لتفجير كلّ الطاقات والإمكانات وتجنيدها للإنتاج العام ، وبالتالي لمضاعفة الثروة الاجتماعية في البلاد . ومردّ هذا ـ في الحقيقة ـ إلى الفكرة الأولى ؛ لأنّه يعبّر عن جانب من جوانب الصالح العام ، وهو توفير الإنتاج الاجتماعي الذي يمكن تحقيقه عن طريق الحرّية .

وهناك فكرة ثالثة يرتبط بها مفهوم الحرّية الرأسمالية ، وهي فكرةٌ ذات طابع خُلُقي خالص ، يستعمل الرأسماليون ـ عادةً ـ في التعبير عنها عبارات غائمة ، أو غير واضحة كلّ الوضوح . فيكرّرون القول : بأنّ الحرّية بوجه عام حقّ إنساني أصيل ، وتعبير عملي عن الكرامة البشرية ، وعن شعور الإنسان بها . فليست هي مجرّد أداة للرّفاه الاجتماعي أو لتنمية الإنتاج ، وإنّما هي تحقيق لإنسانية الإنسان ووجوده الطبيعي الصحيح .

ومن الواضح أنّ القيمة المذهبية للحرّية الاقتصادية على أساس الفكرتين الأوليتين قيمة موضوعية ، مردها إلى النتائج والآثار التي تؤدّي إليها في واقع