بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 309

[ المحتوى الحقيقي للحرّية الاجتماعية والشكل الظاهري لها : ]

ولنأخذ الآن الحرّية الاجتماعية بهذا الوصف لندرس موقف المذهب الرأسمالي منها ، بعد أن استبعدنا من نطاق البحث المذهبي الحرّية الطبيعية ، وتعرّفنا على الطابع المميّز لكلّ من الحرّيتين .

ولدى تحليل هذا المفهوم ، مفهوم : الحرّية الاجتماعية ، نجد للحرّية الاجتماعية محتوى حقيقي ، وشكلاً ظاهرياً . فهي ذات جانبين :

أحدهما : المحتوى الحقيقي للحرّية أو ـ كما سنعبر عنه فيما بعد ـ : الحرّية الجوهرية .

والآخر : الشكل الظاهري للحرّية ، ولنطلق عليه اسم : الحرّية الشكليّة .

فهناك إذن الحرّية الاجتماعية الجوهرية ، والحرّية الاجتماعية الشكلية .

أمّا الحرّية الاجتماعية الجوهرية : فهي القدرة التي يكسبها الإنسان من المجتمع على القيام بفعل شيءٍ معيّن ، وتعني هذه القدرة : أنّ المجتمع يوفّر للفرد كلّ الوسائل والشروط التي يتطلّبها القيام بذلك الفعل . فإذا كفل لك المجتمع أن تملك ثمن سلعة معيّنة ووفّر هذه السلعة في السوق ولم يسمح لأيّ شخص آخر بالحصول على حقّ احتكاري في شراء السلعة ، فأنت عندئذٍ حرّ في شراء السلعة ؛ لأنّك تتمتّع اجتماعياً بكلّ الشروط التي يتوقف عليها شراء تلك السلعة . وأمّا إذا كان المجتمع لا يوفّر لك ملكيّة الثمن ، أو عرض السلعة في السوق ، أو يمنح لغيرك وحده الحقّ في شرائها ، فليس لديك في الواقع حرّية جوهرية ، أو قدرة حقيقية على الشراء .

وأمّا الحرّية الشكلية : فهي لا تتطلّب كلّ ذلك ، بل قد يكون الفعل مستحيلاً بالنسبة إلى الفرد ، كشراء السلعة بالنسبة إلاّ من لا يملك ثمنها ، ولكنّه بالرغم من


صفحه 310

ذلك يعتبر حرّاً اجتماعياً من الناحية الشكلية وإن لم يكن لهذه الحرّية الشكلية أيّ محتوى حقيقيّ ؛ لأنّ الحرّية الشكلية في الشراء لا تعني القدرة على الشراء فعلاً ، وإنّما تعني بمدلولها الاجتماعي : سماح المجتمع للمرء ـ ضمن نطاق إمكاناته وفرصه التي يحدّدها موقفه في حلبة التنافس مع الآخرين ـ باتخاذ أيّ أسلوب يتيح له شراء تلك السلعة . فالإنسان الاعتيادي حرّ شكلياً في شراء قلم ، كما هو حرّ في شراء شركة رأسمالية ، يقدّر رأسمالها بمئات الملايين ، ما دام النظام الاجتماعي يسمح له بالقيام بأيِّ عمل ، واتخاذ أيّ أسلوب في سبيل شراء تلك الشركة الضخمة أو ذلك القلم المتواضع . وأمّا قلّة الفرص أو الشروط التي تتيح له شراء الشركة أو انعدام تلك الفرص في حلبة التنافس نهائياً وعدم توفير المجتمع لها فلا يتناقض مع الحرّية الشكلية في إطارها الظاهري العام .

غير أنّ الحرّية الشكلية ليست خاوية هكذا تماماً ، بل إنّها تعني أحياناً معنى إيجابياً . فرجل الأعمال الذي بدأ وجوده التجاري بشكل ناجح وإن لم يكن قادراً بالفعل على شراء شركة ضخمة ، ولكنّه ما دام يتمتّع بالحرّية الشكلية اجتماعياً فهو قادر على القيام بمختلف الأعمال في سبيل الظفر بالقدرة على شراء تلك الشركة في المدى القريب أو البعيد . وعلى هذا الأساس تكون الحرّية الشكلية في شراء الشركة وامتلاكها ذات معنى إيجابي ؛ لأنّها وإن لم تسلّم إليه الشركة فعلاً ، ولكنّها تسمح له بامتحان مواهبه والقيام بمختلف النشاطات في سبيل الظفر بملكيّة تلك الشركة . والشيء الذي يفقده في ظل هذه الحرّية الشكلية هو ضمان المجتمع له الحصول على الشركة ، أو الحصول على ثمنها ، فإنّ هذا الضمان الذي هو معنى الحرّية الاجتماعية الجوهرية لا تكفله الحرّية الشكلية للأفراد .

فالحرّية الشكلية اجتماعياً ليست إذن خاوية دائماً ، بل هي أداة لاستثارة القوى والطاقات في الأفراد ، وتعبئتها في سبيل الوصول إلى مستويات أعلى وإن


صفحه 311

لم تقدّم شيئاً من ضمانات الفوز والنجاح .

وفي هذا الضوء نعرف أنّ الحرّية الشكلية وإن لم تكن تعني القدرة فعلاً ، ولكنّها شرطٌ ضروري لتوفّر هذه القدرة . فرجل الأعمال الناجح الذي تحدثّنا عنه لم يكن ليتاح له أن يحلم بامتلاك الشركة الرأسمالية الكبيرة ، وبالتالي لم يكن ليمتلكها بالفعل بعد جهد متواصل لو لم يكن يتمتّع بالحرّية الشكلية ، ولو لم يكن يسمح له المجتمع بتجربة حظّه وإمكاناته في حلبة التنافس ، وهكذا تكون الحرّية الشكلية بالنسبة إليه أداة فعّالة وشرطاً ضرورياً لاكتساب الحرّية الجوهرية ، والقدرة الحقيقية على شراء الشركة ، بينما تبقى حرّية الأفراد الفاشلين شكلياً في تملّك الشركة حرّية اسمية فحسب ، لا تشعّ بذرة من الحقيقة .

[ موقف المذهب الرأسمالي تجاه الحرّية الاجتماعية : ]

والمذهب الرأسمالي يتبنّى الحرّية الاجتماعية الشكلية ، مؤمناً بأنّ الحرّية الشكلية هي التجسيد الكامل لمفهوم الحرّية . وأمّا الحرّية الجوهرية ـ على حدّ تعبيرنا فيما سبق ـ فهي تعني في رأيه القدرة على الاستفادة من الحرّية ، وليست هي الحرّية نفسها . ولذلك فهو لا يُعنى بتوفير القدرة لدى المرء ومنحه الحرّية الجوهرية ، وإنّما يترك ذلك إلى ما تسنح له من فرص ويظفر به من إمكانات ، مكتفياً بتوفير الحرّية الشكلية بالسماح له بممارسة مختلف ألوان النشاط الاقتصادي في سبيل الغايات التي يسعى إلى تحقيقها ، ورفض أيّ سلطة اجتماعية تمارس الضغط والإكراه في حقل من حقول الحياة .

فللرأسمالية موقف سلبي تجاه الحرّية الجوهرية وموقف إيجابي تجاه الحرّية الشكلية ، أي : إنّها لا تُعنى بتوفير الحرّية الأولى ، وإنّما تكفل للأفراد الحرّية الشكلية فقط .


صفحه 312

وتوجد في رأي الرأسمالية مبرّرات لذلك الموقف السلبي تجاه الحرّية الجوهرية تتلخّص في أمرين :

أحدهما : أنّ طاقة المذهب الاجتماعي ـ أي مذهب كان ـ قاصرة عن توفير الحرّية الجوهرية لكلّ شخص ، وضمان القدرة على تحقيق كل ما يسعى نحوه ويهدف إليه ؛ لأنّ كثيراً من الأفراد يفقدون المواهب والكفاءات الخاصة التي تعتبر ضرورية لتحقيق أهدافهم ، وليس في إمكان المذهب أن يجعل من المغمور نابغاً ، أو من البليد عبقرياً ، كما أنّ كثيراً من الأهداف لا يمكن أن يضمن لكلّ الأفراد الفوز بها ، فليس من المعقول ـ مثلاً ـ أن يصبح كلّ فرد رئيساً للدولة ، وأن يضمن للأفراد جميعاً القدرة على استلام منصب الرئاسة فعلاً ، وإنّما الشيء المعقول : أن يفسح المجال أمام كلّ فردٍ ليخوض المعترك السياسي أو الاقتصادي ويجرّب مواهبه ، فإمّا أن ينجح ويصل إلى الذُّروة ، وإمّا أن يقف في منتصف الطريق ، وإمّا أن يعود من المعركة خاسراً ، وعلى أيّ يحال فهو المسئول الأخير عن مصيره في المعترك ، ومدى نجاحه أو فشله .

والأمر الآخر الذي تبرّر به الرأسمالية تخلّيها عن الحرّية الجوهرية : هو أنّ منح الفرد هذه الحرّية بتقديم الضمانات الكافية لنجاحه في أيّ سبيل يسلكه ، يضعف إلى مدى بعيد شعور الفرد بالمسئولية ، ويخمد الجذوة الحرارية فيه ، التي تدفعه إلى النشاط وتفرض عليه مزيداً من اليقظة والانتباه ؛ لأنّه ما دام قد ضمن المذهب له نجاحه فلا حاجة به إلى الاعتماد على شخصه واستثمار قدرته ومواهبه ، كما كان حريّاً به أن يفعل لو لم يوفّر المذهب له الحرّية الجوهرية ، والضمانات اللازمة .

وكِلا هذين المبررين صحيح إلى حدّ ما ، ولكن لا بالشكل الذي تقرّره الرأسمالية وترفض على أساسه فكرة الحرّية الجوهرية والضمان رفضاً تاماً ، فإنّ


صفحه 313

ضمان الحصول على أيّ شيء يسعى إليه الفرد في مجال نشاطه الاقتصادي وإن كان حلماً خيالياً غير ممكن التحقيق ، ومن الشطط أن يُكلّف المذهب الاجتماعي بتحقيقه ، غير أنّ توفير حدّ أدنى من الحرّية الجوهرية في المجال الاقتصادي وإعطاء ضمانات كافية لمستوى معيّن من المعيشة ، مهما كانت فرص الإنسان وشروطه ، ليس شيئاً مثالياً متعذّر التحقيق ، ولا سبباً في تجميد المواهب وطاقات النموّ والتكامل في الإنسان ، ما دامت المستويات الأكثر رقياً قيد التنافس الحرّ ، فهي تتطلّب من الأفراد جهداً ونشاطاً وتنمّي فيهم الاعتماد على أنفسهم .

فالرأسمالية إذن لا تستطيع أن تستند في موقفها السلبي من الحرّية الجوهرية والضمان ، إلى استحالة إعطاء مثل هذا الضمان، أو القول : بأنّ هذا الضمان يشلّ الطاقة الحرارية في النشاط الإنساني ؛ مادام يمكن للمذهب أن يوفّر درجة معقولة من الضمان ، ويفتح خارج حدود هذه الدرجة مجالات للتنافس الذي يذكي القابليات وينمّيها .

والحقيقة : أنّ موقف الرأسمالية السلبي من فكرة الضمان والحرّية الجوهرية كان نتيجة حتمية لموقفها الإيجابي من الحرّية الشكلية . لأنّها حين تبنّت الحرّية الشكلية وأقامت كيانها المذهبي عليها كان من الضروري لها أن ترفض فكرة الضمان ، وتقف موقفها السلبي من الحرّية الجوهرية ، لأنّ الحرّية الجوهرية والحرّية الشكلية متعارضتان . فلا يمكن توفير الحرّية الجوهرية في مجتمع يؤمن بمبدأ الحرّية الشكلية ويحرص على توفيرها لجميع الأفراد في مختلف المجالات ، فإنّ حرّية رجال الأعمال في استخدام العامل ورفضه ، وحرّية أصحاب الثروات في التصرّف في أموالهم طبقاً لمصالحهم الخاصة كما يقرّره مبدأ الحرّية الشكليّة ، يعني عدم إمكان وضع مبدأ ضمان العمل للعامل ، أو ضمان المعيشة لغير العامل من العاجزين ؛ لأنّ وضع مثل هذه الضمانات لا يمكن أن يتمّ


صفحه 314

بدون تحديد تلك الحرّيات التي يتمتّع بها أصحاب العمل وأرباب الثروة . فأمّا أن يُسمح لأصحاب العمل أو المال بالتصرّف وفقاً لإرادتهم ، فتوفّر بذلك لهم الحرّية الشكلية ، ويصبح من غير الممكن إعطاء ضمانات للعمل أو المعيشة . وأمّا أن تعطى هذه الضمانات فلا يسمح لأصحاب العمل والمال أن يتصرّفوا كما يحلو لهم ، وفي ذلك خروج على مبدأ الحرّية الشكلية ، القائل : بضرورة السماح لكلّ أحد بالتصرّف في المجال الاقتصادي كما يريد . ولمّا كانت الرأسمالية تؤمن بهذا المبدأ ، فقد وجدت نفسها مضطرّة إلى رفض فكرة الضمان ـ فكرة الحرّية الجوهرية ـ حفاظاً على توفير الحرّية الشكلية لجميع الأفراد على السواء .

وبينما أخذ المجتمع الرأسمالي بالحرّية الشكلية وطرح الحرّية الجوهرية وفكرة الضمان جانباً ، وقف المجتمع الاشتراكي موقفاً معاكساً ، إذ قضت الاشتراكية الماركسية فيه على الحرّية الشكلية بإقامة جهاز دكتاتوري يتولّى السلطة المطلقة في البلاد ، وزعمت أنّها عوّضت عن تلك الحرّية الشكلية بحرّية جوهرية ، أي : بما تقدّمه للمواطنين من ضمانات للعمل والحياة .

وهكذا أخذ كلّ من المذهبين بجانب من الحرّية وطرح الجانب الآخر ، ولم يُحلّ هذا التناقض المستقطب بين الحرّية الشكلية والحرّية الجوهرية ، أو بين الشكل والجوهر إلاّ في الإسلام ، الذي آمن بحاجة المجتمع إلى كلا اللونين من الحرّية ، فوفّر للمجتمع الحرّية الجوهرية بوضع درجة معقولة من الضمان تسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة وممارسة متطلّباتها الضرورية ، ولم يعترف في حدود هذا الضمان بالحرّية ، وفي نفس الوقت لم يجعل من هذا الضمان مبرّراً للقضاء على الحرّية الشكلية وهدر قيمتها الذاتية والموضوعية ، بل فتح السبيل أمام كلّ فرد ، خارج حدود الضمان ، ومنحه من الحرّيات ما ينسجم مع مفاهيمه عن الكون والحياة . فالمرء مضمون بدرجة وفي حدود خاصة ، وحرّ


صفحه 315

خارج هذه الحدود .

وهكذا امتزجت الحرّية الجوهرية والحرّية الشكلية معاً في التصميم الإسلامي ، هذا الامتزاج الرائع الذي لم تنتجه الإنسانية ـ في غير ظلّ الإسلام ـ إلى التفكير فيه وتحقيقه إلا في غضون هذا القرن الأخير ، إذ بدأت المحاولات إلى إقرار مبدأ الضمان والتوفيق بينه وبين الحرّية ؛ بعد أن فشلت تجربة الحرّية الرأسمالية فشلاً مريراً .

* * *

وعلى أيّ حال فقد ضحّت الرأسمالية بفكرة الضمان والحرّية الجوهرية في سبيل الحرّية الشكلية .

وهنا نصل إلى النقطة الأساسية في دراستنا لنتساءل : ما هي تلك القيم التي ترتكز عليها الحرّية الشكلية في المذهب الرأسمالي والتي سمحت للرأسمالية أن تهدر جوهر الحرّية وضماناتها في سبيلها ؟

ويجب أن نستبعد هنا كلّ المحاولات الرامية إلى تبرير الحرّية الشكلية بمبرّرات موضوعية اجتماعية ؛ كوصفها بأنّها أداة لتوفير الإنتاج العام ، أو لتحقيق الرَّفاه الاجتماعي ؛ فقد مرّت بنا هذه المبرّرات ودرسناها ولم تصمد للدرس والامتحان ، وإنّما نُعنى الآن بمحاولة الرأسمالية لتفسير قيمة الحرّية تفسيراً ذاتياً .

فقد يقال بهذا الصدد : إنّ الحرّية جزء من كيان الإنسان وإذا سلب الإنسان حرّيته فقد بذلك كرامته ، ومعناه الإنساني يتميّز به عن سائر الكائنات . وهذا التعبير المهلهل لا ينطوي على تحليل علمي للقيمة الذاتية للحرّية ولا يمكن أن يجذب سوى من يستهويه التلاعب بالألفاظ ؛ لأنّ الإنسان إنّما يتميّز كيانه الإنساني الخاص عن سائر الكائنات بالحرّية الطبيعية بوصفه كائناً طبيعياً ، لا بالحرّية الاجتماعية باعتباره كائناً اجتماعياً ، فالحرّية التي تعتبر شيئاً من كيان


صفحه 316

الإنسان هي الحرّية الطبيعية لا الاجتماعية التي تُمنح وتُسلب تبعاً للمذهب الاجتماعي السائد .

وقد يقال : إنّ الحرّية بمدلولها الاجتماعي تعبّر عن نزعة أصيلة في نفس الإنسان ، وحاجة من حاجاته الجوهرية . فالإنسان بوصفه يتمتّع بالحرّية الطبيعية يميل ذاتياً إلى أن يكون حرّاً من ناحية المجتمع الذي يعيش ضمنه في سلوكه وعلاقاته مع الآخرين ، كما كان حرّاً من الناحية الطبيعية . ومن وظيفة المذهب الاجتماعي أن يعترف بالنزعات والميول الأصيلة في الإنسان ويضمن إشباعها ؛ لكي يصبح مذهباً واقعياً ينسجم مع الطبيعة الإنسانية التي يعالجها ويشرّع لها ، فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت في الإنسان نزعته الأصلية إلى الحرّية .

وهذا صحيح إلى حدٍّ ما ، ولكنّنا نقول من الناحية الأخرى : أنّ من وظيفة المذهب الاجتماعي الذي يريد أن يرسي بنيانه على قواعد مكينة من النفس البشرية ، أن يعترف بمختلف النزعات الأصلية في الإنسان ، وبحاجاته الجوهرية المتنوّعة ويسعى إلى التوفيق والملائمة بينها . وليس من المستساغ ـ لكي يكون المذهب واقعياً وإنسانياً ـ أن يعترف بإحدى تلك النزعات الأصيلة ويضمن إشباعها إلى أقصى حدّ على حساب النزعات الأخرى .

فالحرّية ـ مثلاً ـ وإن كانت نزعة أصيلة في الإنسان ؛ لأنّه يرفض بطبعه القسر والضغط والإكراه ، ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية وميولاً أصيلة أخرى ، فهو بحاجة ماسة ـ مثلاً ـ إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته ؛ لأنّ القلق يرعبه ، كما ينغّصه الضغط والإكراه . فإذا فقد كلّ الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤدّيها له في حياته ومعيشته خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية ، وحرم من إشباع ميله الأصيل إلى الاستقرار والثقة .

كما أنّه إذا خسر حرّيته تماماً ، وقام جهاز اجتماعي يملي عليه إرادته