بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 31

عالمية منفتحة على الجماعة البشرية يرسّخ في نفسه الشعور بالعالمية والارتباط بالجماعة . وهذه الأخلاقية التي يعيشها إنسان العالم الإسلامي إذا لاحظناها بوصفها حقيقة ماثلة في كيان الأمّة يمكن الاستفادة منها في المنهجة للاقتصاد داخل العالم الإسلامي ووضعه في إطار يواكب تلك الأخلاقية ؛ لكي تصبح قوّة دفع وتحريك كما كانت أخلاقية مناهج الاقتصاد الأوروبي الحديث عاملاً كبيراً في إنجاح تلك المناهج لما بينهما من انسجام .

فنظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض يمكن أن تؤدّي إلى موقف سلبي تجاه الأرض وما في الأرض من ثروات وخيرات يتمثّل في الزهد أو القناعة أو الكسل إذا فصلت الأرض عن السماء ، وأمّا إذا أُلبست الأرض إطار السماء وأعطي العمل مع الطبيعة صفة الواجب ومفهوم العبادة فسوف تتحوّل تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان المسلم إلى طاقة محرّكة وقوّة دفع نحو المساهمة بأكبر قدر ممكن في رفع المستوى الاقتصادي . وبدلاً عما يحسّه اليوم المسلم السلبي من برود تجاه الأرض أو ما يحسّه المسلم النشيط الذي يتحرّك وفق أساليب الاقتصاد الحرّ أو الاشتراكي من قلق نفسي في أكثر الأحيان ولو كان مسلماً متميعاً ، سوف يولد انسجام كامل بين نفسية إنسان العالم الإسلامي ودوره الايجابي المرتقب في عملية التنمية.

ومفهوم إنسان العالم الإسلامي عن التحديد الداخلي والرقابة الغيبية الذي يجعله لا يعيش فكرة الحرّية بالطريقة الأوروبية يمكن أن يساعد إلى درجة كبيرة في تفادي الصعاب التي تنجم عن الاقتصاد الحرّ والمشاكل التي تواجهها التنمية الاقتصادية في ظلّه عن تخطيط عام يستمدّ مشروعيته في ذهن إنسان العالم الإسلامي من مفهومه عن التحديد الداخلي و الرقابة غير المنظورة ، أي : يستند إلى


صفحه 32

مبررات أخلاقية .

والإحساس بالجماعة والارتباط بها يمكن أن يساهم إلى جانب ما تقدّم في تعبئة طاقات الأمّة الإسلامية للمعركة ضدّ التخلّف إذا أعطي للمعركة شعار يلتقي مع ذلك الإحساس كشعار الجهاد في سبيل الحفاظ على كيان الأمّة وبقائها الذي أعطاه القرآن الكريم حين قال :( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ )[1]، فأمر بإعداد كلّ القوى الاقتصادية التي يمثّلها مستوى الإنتاج باعتباره جزءاً من معركة الأمّة وجهادها للاحتفاظ بوجودها وسيادتها .

وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي بوصفه المنهج الاقتصادي القادر على الاستفادة من أخلاقية إنسان العالم الإسلامي التي رأيناها وتحويلها إلى طاقة دفع وبناء كبيرة في عمليات التنمية وإنجاح تخطيط سليم للحياة الاقتصادية .

فنحن حينما نأخذ بالنظام الإسلامي سوف نستفيد من هذه الأخلاقية ونستطيع أن نعبّأها في المعركة ضدّ التخلّف على عكس ما إذا أخذنا بمناهج في الاقتصاد ترتبط نفسياً وتأريخيّاً بأرضية أخلاقية أخرى .

وقد أخذ بعض المفكرين الأوروبيين يدركون هذه الحقيقة أيضاً ويلمّحون إليها معترفين بأنّ مناهجهم لا تتفق مع طبيعة العالم الإسلامي ، واذكر كمثال على ذلك ( جاك أُوستروى ) فقد سجّل هذه الملاحظة بكلّ وضوح في كتابه (التنمية الاقتصادية) بالرغم من أنّه لم يستطع أن يبرّز التسلسل الفنّي والمنطقي لتكوّن الأخلاقية الأوروبية وتكوّن الأخلاقية الإسلامية وترتب حلقاتها ، ولا الأبعاد الكاملة لمحتوى كل من الأخلاقيّتين ، وتورّط في عدّة أخطاء ، وبالرغم من

[1]سورة الأنفال : 60 .


صفحه 33

إمكان الاعتماد بصورة كاملة في إبراز هذه الأخطاء على ما كتبه الأستاذ الجليل محمّد المبارك في مقدّمة الكتاب ، والأستاذ الدكتور نبيل صبحي الطويل الذي ترجم الكتاب إلى العربية ، فإنّ بودي أن أتوسع في فرصة مقبلة بهذا الصدد مكتفياً الآن بالقول بأنّ اتجاه إنسان العالم الإسلامي إلى السماء لا يعني بمدلوله الأصيل استسلام الإنسان للقدر واتكاله على الظروف والفرص وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والإبداع كما حاول ذلك ( جاك أُوستروي ) ، بل إنّ هذا الاتجاه لدى الإنسان المسلم يعبّر في الحقيقة عن مبدأ خلافة الإنسان في الأرض فهو يميل بطبيعته إلى إدراك موقفه في الأرض باعتباره خليفة لله ولا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون ، كما لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف ؛ لأنّ الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يُستخلف عليه ولا مسؤولية بدون حرّية وشعور بالاختيار والتمكّن من التحكّم في الظروف ، وإلاّ فأي استخلاف هذا إذا كان الإنسان مقيداً أو مسيّراً ؟!

ولهذا قلنا إنّ إلباس الأرض إطار السماء يفجّر في الإنسان المسلم طاقاته ويثير إمكاناته ، بينما قطع الأرض عن السماء يعطّل في الخلافة معناها ويجمّد نظرة الإنسان المسلم إلى الأرض في صيغة سلبية ، فالسلبية لا تنبع عن طبيعة نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء بل عن تعطيل قوى التحريك الهائلة في هذه النظرة بتقديم الأرض إلى هذا الإنسان في إطار لا ينسجم مع تلك النظرة .

وإضافة إلى كل ما تقدّم ، نلاحظ أنّ الأخذ بالإسلام أساساً للتنظيم العام يتيح لنا أن نقيم حياتنا كلّها بجانبيها الروحي والاجتماعي على أساس واحد ؛ لأنّ الإسلام يمتدّ إلى كلا الجانبين بينما تقتصر كثير من المناهج الاجتماعية الأخرى


صفحه 34

غير الإسلام على جانب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية من حياة الإنسان ومُثُله ، فإذا أخذنا مناهجنا العامة في الحياة من مصادر بشرية بدلاً عن النظام الإسلامي لم نستطع أن نكتفي بذلك عن تنظيم آخر للجانب الروحي ، ولا يوجد مصدر صالح لتنظيم حياتنا الروحية إلاّ الإسلام فلا بدّ حينئذ من إقامة كلّ من الجانبين الروحي والاجتماعي على أساس خاص به ، مع أنّ الجانبين ليسا منعزلين أحدهما عن الآخر ، بل هما متفاعلان إلى درجة كبيرة ، وهذا التفاعل يجعل إقامتهما على أساس واحد أسلم وأكثر انسجام مع التشابك الأكيد بين النشاطات الروحية والاجتماعية في حياة الإنسان .

محمّد باقر الصدر

العراق ـ النجف الأشرف


صفحه 35

مقـدّمة الطبعة الأولى

كلمة المؤلّف :

كنّا ـ يا قرائي الأعزاء ـ على موعد منذ افترقنا في كتاب فلسفتنا ، فقد حدّثتكم : أنّ ( فلسفتنا ) هي الحلقة الأولى من دراستنا الإسلامية ، بوصفه دراسة تعالج الصرح الإسلامي الشامخ ، الصرح العقائدي للتوحيد ، وتتلوه بعد ذلك الدراسات التي تتعلّق بالبُنيات الفوقية في ذلك الصرح الإسلامي ؛ لتكتمل لنا في نهاية المطاف صورة ذهنية كاملة عن الإسلام ، بوصفه عقيدة حيّة في الأعماق ، ونظاماً كاملاً للحياة ، ومنهجاً خاصاً قي التربية والتفكير .

قلنا هذا في مقدّمة ( فلسفتنا ) ، وكنّا نقدّر أن يكون ( مجتمعنا ) هو الدراسة الثانية في بحوثنا ، نتناول فيها أفكار الإسلام عن الإنسان وحياته الاجتماعية ، وطريقته في تحليل المركّب الاجتماعي وتفسيره ، لننتهي من ذلك إلى المرحلة الثالثة ، إلى النظم الإسلامية للحياة التي تتّصل بأفكار الإسلام الاجتماعية ، وترتكز على صرحه العقائدي الثابت . ولكن شاءت رغبة القرّاء الملحّة أن نؤجّل ( مجتمعنا ) ونبدأ بإصدار ( اقتصادنا ) ؛ عجلةً منهم في الإطلاع على دراسة مفصّلة للاقتصاد الإسلامي ، في فلسفته وأسسه وخطوطه وتعاليمه .

وهكذا كان ، فتوفّرنا على أنجاز ( اقتصادنا ) محاولين أن نقدّم فيه الصورة الكاملة نسبياً عن الاقتصاد الإسلامي ـ كما نفهمه اليوم ـ من مصادره وينابيعه .


صفحه 36

وكنت أرجو أن يكون لقاؤنا هذا أقرب ممّا كان ، ولكن ظروفاً قاهرة اضطرّت إلى شيء من التأخير ، بالرغم من الجهود التي بذلتها بالتضامن مع عضدي المفدّى العلاّمة الجليل السيد محمّد باقر الحكيم ، في سبيل إنجاز هذه الدراسة ووضعها بين أيديكم في أقرب وقت ممكن .

* * *

وبودّي أن أقول هنا وفي المقدّمة شيئاً عن كلمة ( اقتصادنا ) ، أو كلمة : الاقتصاد الإسلامي ، الذي تدور حوله بحوث الكتاب ، وما أعنيه بهذه الكلمة حين أطلقها ؛ لأنّ كلمة الاقتصاد ذات تأريخ طويل في التفكير الإنساني ، وقد أكسبها ذلك شيئاً من الغموض نتيجة للمعاني التي مرّت بها ، وللازدواج في مدلولها بين الجانب العلمي من الاقتصاد والجانب المذهبي . فحين نريد أن نعرف مدلول الاقتصاد الإسلامي بالضبط ، يجب أن نميّز علم الاقتصاد عن المذهب الاقتصادي ، وندرك مدى التفاعل بين التفكير العلمي والتفكير المذهبي ، لننتهي من ذلك إلى تحديد المقصود من الاقتصاد الإسلامي ، الذي نتوفّر على دراسته في هذا الكتاب .

فعلم الاقتصاد : هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأحداثها وظواهرها ، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكّم فيها .

وهذا العلم حديث الولادة ، فهو لم يحدث ـ بالمعني الدقيق للكلمة ـ إلاّ في بداية العصر الرأسمالي ، منذ أربعة قرون تقريباً ، وإن كانت جذوره البدائية تمتد إلى أعماق التأريخ ، فقد ساهمت كلّ حضارة في التفكير الاقتصادي بمقدار ما أتيح لها من إمكانات ، غير أنّ الاستنتاج العلمي الدقيق الذي نجده لأوّل مرّة في علم الاقتصاد السياسي مدين للقرون الأخيرة .


صفحه 37

وأمّا المذهب الاقتصادي للمجتمع : فهو عبارة عن الطريقة التي يفضّل المجتمع اتّباعها في حياته الاقتصادية ، وحلّ مشاكلها العملية .

وعلى هذا الأساس لا يمكن أن نتصوّر مجتمعاً دون مذهب اقتصادي ؛ لأنّ كلّ مجتمع يمارس إنتاج الثروة وتوزيعها لا بدّ له من طريقة يتّفق عليه في تنظيم هذه العمليات الاقتصادية ، وهذه الطريقة هي التي تحدّد موقفه المذهبي من الحياة الاقتصادية .

ولا شكّ في أنّ اختيار طريقة معيّنة لتنظيم الحياة الاقتصادية ليس اعتباط مطلقاً ، وإنّما يقوم دائماً على أساس أفكار ومفاهيم معينة ، ذات طابع أخلاقي أو علمي أو أيّ طابع آخر . وهذه الأفكار والمفاهيم تكوّن الرصيد الفكري للمذهب الاقتصادي القائم على أساسها . وحين يُدرس أيّ مذهب اقتصادي يجب أن يُتناول من ناحية : طريقته في تنظيم الحياة الاقتصادية ، ومن ناحية أخرى : رصيده من الأفكار والمفاهيم التي يرتبط المذهب بها . فإذا درسنا ـ مثلاً ـ المذهب الرأسمالي القائل بالحرية الاقتصادية ، كان لزاماً علينا أن نبحث الأفكار والمفاهيم الأساسية ، التي يقوم على أساسها تقديس الرأسمالية للحريّة وإيمانها بها .. وهكذا الحال في أيّ دراسة مذهبية أخرى .

ومنذ بدأ علم الاقتصاد السياسي يشقّ طريقه في مجال التفكير الاقتصادي ، أخذت بعض النظريات العلمية في الاقتصاد تكوّن جزءاً من هذا الرصيد الفكري للمذهب .

فالتجاريون[1]مثلاً ـ وهم طلائع التفكير الاقتصادي الحديث ـ حين زعموا

[1]راجع : الرأسمالية الناشئة : 61 ـ 64 .


صفحه 38

أنّهم فسّروا من ناحية علمية كمّية الثروة لدى كل أمّة بـ : المقدار الذي تملكه من النقد ، استخدموا هذه الفكرة في وضع مذهبهم التجاري ، فدعوا إلى تنشيط التجارة الخارجية بوصفها الأداة الوحيدة لجلب النقد من الخارج ، ووضعوا معالم سياسة اقتصادية تؤدّي إلى زيادة قيمة البضائع المصدّرة على قيمة البضائع المستوردة ؛ لتدخل إلى البلاد نقود بقدر الزيادة في الصادرات .

والطبيعيون[1]حين جاؤوا بتفسير جديد للثروة ، قائم على أساس الإيمان بـ : أنّ الإنتاج الزراعي وحده هو الإنتاج الكفيل بتنمية الثروة وخلق القيم الجديدة ، دون التجارة والصناعة .. وضعوا ـ في ضوء التفسير العلمي المزعوم ـ سياسة مذهبية جديدة ، تهدف إلى العمل على ازدهار الزراعة وتقدّمها ؛ بوصفها قوام الحياة الاقتصادية كلّها .

و( مالتس ) حين قرّر في نظريته الشهيرة على ضوء إحصاءاته العلمية : أنّ نمو البشر أسرع نسبياً من نمو الإنتاج الزراعي ، ممّا يؤدّي ـ حتماً ـ إلى مجاعة هائلة في مستقبل الإنسانية ، لزيادة الناس على المواد الغذائية .. تبنّى الدعوة إلى تحديد النسل ، ووضع لهذه الدعوة أساليبها السياسية والاقتصادية والأخلاقية .

وحين فسّر الاشتراكيون قيمة السلعة : بالعمل المنفق على إنتاجها .. شجبوا الربح الرأسمالي ، وتبنّوا المذهب الاشتراكي في التوزيع ، الذي يجعل الناتج من حقّ العامل وحده ؛ لأنّه الخالق الوحيد للقيمة التي يتمتّع بها الناتج .

وهكذا أخذت جملة من النظريات العلمية تؤثّر على النظرة المذهبية ، وتُنير

[1]راجع : الاقتصاد الإسلامي مدخل ومنهاج : 93 .