بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 313

ضمان الحصول على أيّ شيء يسعى إليه الفرد في مجال نشاطه الاقتصادي وإن كان حلماً خيالياً غير ممكن التحقيق ، ومن الشطط أن يُكلّف المذهب الاجتماعي بتحقيقه ، غير أنّ توفير حدّ أدنى من الحرّية الجوهرية في المجال الاقتصادي وإعطاء ضمانات كافية لمستوى معيّن من المعيشة ، مهما كانت فرص الإنسان وشروطه ، ليس شيئاً مثالياً متعذّر التحقيق ، ولا سبباً في تجميد المواهب وطاقات النموّ والتكامل في الإنسان ، ما دامت المستويات الأكثر رقياً قيد التنافس الحرّ ، فهي تتطلّب من الأفراد جهداً ونشاطاً وتنمّي فيهم الاعتماد على أنفسهم .

فالرأسمالية إذن لا تستطيع أن تستند في موقفها السلبي من الحرّية الجوهرية والضمان ، إلى استحالة إعطاء مثل هذا الضمان، أو القول : بأنّ هذا الضمان يشلّ الطاقة الحرارية في النشاط الإنساني ؛ مادام يمكن للمذهب أن يوفّر درجة معقولة من الضمان ، ويفتح خارج حدود هذه الدرجة مجالات للتنافس الذي يذكي القابليات وينمّيها .

والحقيقة : أنّ موقف الرأسمالية السلبي من فكرة الضمان والحرّية الجوهرية كان نتيجة حتمية لموقفها الإيجابي من الحرّية الشكلية . لأنّها حين تبنّت الحرّية الشكلية وأقامت كيانها المذهبي عليها كان من الضروري لها أن ترفض فكرة الضمان ، وتقف موقفها السلبي من الحرّية الجوهرية ، لأنّ الحرّية الجوهرية والحرّية الشكلية متعارضتان . فلا يمكن توفير الحرّية الجوهرية في مجتمع يؤمن بمبدأ الحرّية الشكلية ويحرص على توفيرها لجميع الأفراد في مختلف المجالات ، فإنّ حرّية رجال الأعمال في استخدام العامل ورفضه ، وحرّية أصحاب الثروات في التصرّف في أموالهم طبقاً لمصالحهم الخاصة كما يقرّره مبدأ الحرّية الشكليّة ، يعني عدم إمكان وضع مبدأ ضمان العمل للعامل ، أو ضمان المعيشة لغير العامل من العاجزين ؛ لأنّ وضع مثل هذه الضمانات لا يمكن أن يتمّ


صفحه 314

بدون تحديد تلك الحرّيات التي يتمتّع بها أصحاب العمل وأرباب الثروة . فأمّا أن يُسمح لأصحاب العمل أو المال بالتصرّف وفقاً لإرادتهم ، فتوفّر بذلك لهم الحرّية الشكلية ، ويصبح من غير الممكن إعطاء ضمانات للعمل أو المعيشة . وأمّا أن تعطى هذه الضمانات فلا يسمح لأصحاب العمل والمال أن يتصرّفوا كما يحلو لهم ، وفي ذلك خروج على مبدأ الحرّية الشكلية ، القائل : بضرورة السماح لكلّ أحد بالتصرّف في المجال الاقتصادي كما يريد . ولمّا كانت الرأسمالية تؤمن بهذا المبدأ ، فقد وجدت نفسها مضطرّة إلى رفض فكرة الضمان ـ فكرة الحرّية الجوهرية ـ حفاظاً على توفير الحرّية الشكلية لجميع الأفراد على السواء .

وبينما أخذ المجتمع الرأسمالي بالحرّية الشكلية وطرح الحرّية الجوهرية وفكرة الضمان جانباً ، وقف المجتمع الاشتراكي موقفاً معاكساً ، إذ قضت الاشتراكية الماركسية فيه على الحرّية الشكلية بإقامة جهاز دكتاتوري يتولّى السلطة المطلقة في البلاد ، وزعمت أنّها عوّضت عن تلك الحرّية الشكلية بحرّية جوهرية ، أي : بما تقدّمه للمواطنين من ضمانات للعمل والحياة .

وهكذا أخذ كلّ من المذهبين بجانب من الحرّية وطرح الجانب الآخر ، ولم يُحلّ هذا التناقض المستقطب بين الحرّية الشكلية والحرّية الجوهرية ، أو بين الشكل والجوهر إلاّ في الإسلام ، الذي آمن بحاجة المجتمع إلى كلا اللونين من الحرّية ، فوفّر للمجتمع الحرّية الجوهرية بوضع درجة معقولة من الضمان تسمح لجميع أفراد المجتمع الإسلامي بالحياة الكريمة وممارسة متطلّباتها الضرورية ، ولم يعترف في حدود هذا الضمان بالحرّية ، وفي نفس الوقت لم يجعل من هذا الضمان مبرّراً للقضاء على الحرّية الشكلية وهدر قيمتها الذاتية والموضوعية ، بل فتح السبيل أمام كلّ فرد ، خارج حدود الضمان ، ومنحه من الحرّيات ما ينسجم مع مفاهيمه عن الكون والحياة . فالمرء مضمون بدرجة وفي حدود خاصة ، وحرّ


صفحه 315

خارج هذه الحدود .

وهكذا امتزجت الحرّية الجوهرية والحرّية الشكلية معاً في التصميم الإسلامي ، هذا الامتزاج الرائع الذي لم تنتجه الإنسانية ـ في غير ظلّ الإسلام ـ إلى التفكير فيه وتحقيقه إلا في غضون هذا القرن الأخير ، إذ بدأت المحاولات إلى إقرار مبدأ الضمان والتوفيق بينه وبين الحرّية ؛ بعد أن فشلت تجربة الحرّية الرأسمالية فشلاً مريراً .

* * *

وعلى أيّ حال فقد ضحّت الرأسمالية بفكرة الضمان والحرّية الجوهرية في سبيل الحرّية الشكلية .

وهنا نصل إلى النقطة الأساسية في دراستنا لنتساءل : ما هي تلك القيم التي ترتكز عليها الحرّية الشكلية في المذهب الرأسمالي والتي سمحت للرأسمالية أن تهدر جوهر الحرّية وضماناتها في سبيلها ؟

ويجب أن نستبعد هنا كلّ المحاولات الرامية إلى تبرير الحرّية الشكلية بمبرّرات موضوعية اجتماعية ؛ كوصفها بأنّها أداة لتوفير الإنتاج العام ، أو لتحقيق الرَّفاه الاجتماعي ؛ فقد مرّت بنا هذه المبرّرات ودرسناها ولم تصمد للدرس والامتحان ، وإنّما نُعنى الآن بمحاولة الرأسمالية لتفسير قيمة الحرّية تفسيراً ذاتياً .

فقد يقال بهذا الصدد : إنّ الحرّية جزء من كيان الإنسان وإذا سلب الإنسان حرّيته فقد بذلك كرامته ، ومعناه الإنساني يتميّز به عن سائر الكائنات . وهذا التعبير المهلهل لا ينطوي على تحليل علمي للقيمة الذاتية للحرّية ولا يمكن أن يجذب سوى من يستهويه التلاعب بالألفاظ ؛ لأنّ الإنسان إنّما يتميّز كيانه الإنساني الخاص عن سائر الكائنات بالحرّية الطبيعية بوصفه كائناً طبيعياً ، لا بالحرّية الاجتماعية باعتباره كائناً اجتماعياً ، فالحرّية التي تعتبر شيئاً من كيان


صفحه 316

الإنسان هي الحرّية الطبيعية لا الاجتماعية التي تُمنح وتُسلب تبعاً للمذهب الاجتماعي السائد .

وقد يقال : إنّ الحرّية بمدلولها الاجتماعي تعبّر عن نزعة أصيلة في نفس الإنسان ، وحاجة من حاجاته الجوهرية . فالإنسان بوصفه يتمتّع بالحرّية الطبيعية يميل ذاتياً إلى أن يكون حرّاً من ناحية المجتمع الذي يعيش ضمنه في سلوكه وعلاقاته مع الآخرين ، كما كان حرّاً من الناحية الطبيعية . ومن وظيفة المذهب الاجتماعي أن يعترف بالنزعات والميول الأصيلة في الإنسان ويضمن إشباعها ؛ لكي يصبح مذهباً واقعياً ينسجم مع الطبيعة الإنسانية التي يعالجها ويشرّع لها ، فلا يمكن لمذهب إذن أن يكبت في الإنسان نزعته الأصلية إلى الحرّية .

وهذا صحيح إلى حدٍّ ما ، ولكنّنا نقول من الناحية الأخرى : أنّ من وظيفة المذهب الاجتماعي الذي يريد أن يرسي بنيانه على قواعد مكينة من النفس البشرية ، أن يعترف بمختلف النزعات الأصلية في الإنسان ، وبحاجاته الجوهرية المتنوّعة ويسعى إلى التوفيق والملائمة بينها . وليس من المستساغ ـ لكي يكون المذهب واقعياً وإنسانياً ـ أن يعترف بإحدى تلك النزعات الأصيلة ويضمن إشباعها إلى أقصى حدّ على حساب النزعات الأخرى .

فالحرّية ـ مثلاً ـ وإن كانت نزعة أصيلة في الإنسان ؛ لأنّه يرفض بطبعه القسر والضغط والإكراه ، ولكن لهذا الإنسان حاجات جوهرية وميولاً أصيلة أخرى ، فهو بحاجة ماسة ـ مثلاً ـ إلى شيء من السكينة والاطمئنان في حياته ؛ لأنّ القلق يرعبه ، كما ينغّصه الضغط والإكراه . فإذا فقد كلّ الضمانات التي يمكن للمجتمع أن يؤدّيها له في حياته ومعيشته خسر بذلك حاجة من حاجاته الجوهرية ، وحرم من إشباع ميله الأصيل إلى الاستقرار والثقة .

كما أنّه إذا خسر حرّيته تماماً ، وقام جهاز اجتماعي يملي عليه إرادته


صفحه 317

بالضغط والإكراه كان قد فقد حاجة جوهرية أخرى ، وهي حاجته إلى الحرّية التي تعبّر عن نزعة أصيلة في نفسه ، فالتوفيق الدقيق الحكيم بين حاجة الإنسان الأصيلة إلى الحرّية ، وحاجته الأصيلة إلى شيء من الاستقرار والثقة ، وسائر حاجاته الأصيلة الأخرى ، هو العملية التي يجب أن يؤدّيها المذهب للإنسانية ، إذا حاول أن يكون واقعياً قائماً على أسس راسخة من الواقع الإنساني . وإمّا أن تطرح الميول والحاجات الأخرى جانباً ، ويضّحى بها لحساب حاجة أصيلة واحدة ، كي يتوفّر إشباعها إلى أبعد الحدود ـ كما فعل المذهب الرأسمالي ـ فهذا ما يتعارض مع أبسط الواجبات المذهبية .

وأخيراً : فإنّ موقف الرأسمالية من الحرّية والضمان لئن كان خطأ فهو مع هذا ينسجم مع الإطار العام للتفكير الرأسمالي كلّ الانسجام ؛ لأنّ الضمان ينطوي على فكرة تحديد حرّيات الأفراد والضغط عليها ، ولا تستطيع الرأسمالية أن تجد لهذا الضغط والتحديد مسوغاً على أساس مفاهيمها العامة عن الكون والإنسان . وذلك أنّ الضغط والتحديد قد يستمدّ مبرّره من الضرورة التأريخية كما تعتقد الماركسية في ضوء المادّية التأريخية ، إذ ترى أنّ دكتاتورية البروليتاريا التي تمارس سياسة الضغط والتحديد من الحرّيات في المجتمع الاشتراكي تنبع من الضرورة الحتمية لقوانين التأريخ .

ولكنّ الرأسمالية لا تؤمن بالمادّية التأريخية بتسلسلها الماركسي الخاص . وقد يستمد الضغط والتحديد مبررة من الإيمان بسلطة عليا تمتلك حقّ تنظيم الإنسانية وتوجيهها في حياتها ، ووضع الضمانات المحدّدة لحرّيات الأفراد ، كما يعتقد الدين ، إذ يرى أنّ للإنسان خالقاً حكيماً من حقّه أن يصنع له وجوده الاجتماعي ويحدّد طريقته في الحياة .

وهذا ما لا يمكن للرأسمالية أن تقرّه في ضوء مفهومها الأساسي القائل


صفحه 318

بفصل الدين عن واقع الحياة ، وسحبه من كلّ الحقول الاجتماعية العامة .

وقد يبرّر الضغط والتحديد بوصفه قوّة نابعة من داخل الإنسان ، ومفروضة عليه من ضميره الذي يفرض عليه قيماً خلقية ، وحدوداً معيّنة لسلوكه مع الآخرين وموقفه من المجتمع ، ولكنّ الضمير ليس بمفهومه في فلسفة الأخلاق عند الرأسمالية إلاّ انعكاساً داخلياً للعرف أو العادات ، أو أيّ تحديد آخر يفرض على الفرد من الخارج . فالضمير في نهاية التحليل ضغط خارجي وليس نابعاً من الأعماق الداخلية .

وهكذا تنتهي الرأسمالية إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرّية عن طريق الضرورة التأريخية ، أو الدين ، أو الضمير . وهكذا يرتبط موقفها من الحرّية بجذورها الفكرية ومفاهيمها الرئيسية عن الكون والإنسان ، عن التأريخ والدين والأخلاق .

وعلى هذا الأساس وضعت الرأسمالية مفهومها السياسي عن الحكومة ومختلف السلطات الاجتماعية . فهي لا ترى مبرراً لتدخّل هذا السلطات في حرّيات الأفراد إلاّ بالقدر الذي يتطلّبه الحفاظ عليها وصيانتها عن الفوضى والاصطدام ، لأنّ هذا هو القدر الذي يسمح به الأفراد أنفسهم . وأمّا التدخّل خارج هذه الحدود فلا مسوّغ له من حتمية تأريخية ، أو دين، أو قيم وأخلاق . ومن الطبيعي عندئذٍ أن تنتهي الرأسمالية من تسلسلها الفكري إلى التأكيد على : الحرّية في المجال الاقتصادي ، ورفض فكرة قيام السلطة بوضع أيّ ضمانات أو تحديدات .

هذه هي مفاهيم الرأسمالية في ترابطها العام الذي ينتهي إلى الأُسس الفكرية العامة .

وهذه هي وجهة النظر التي يجب تمحيص تلك المفاهيم ، وبالتالي تفنيدها ، على أساس تلك النظرة .


صفحه 319

اقتصادنا في معالمه الرئيسية :

1 ـ الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي .

2 ـ الاقتصاد الإسلامي جزء من كل .

3 ـ الإطار العام للاقتصاد الإسلامي .

4 ـ الاقتصاد الإسلامي ليس علماً .

5 ـ علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج .

6 ـ المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام، وحلولها .


صفحه 320