بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 318

بفصل الدين عن واقع الحياة ، وسحبه من كلّ الحقول الاجتماعية العامة .

وقد يبرّر الضغط والتحديد بوصفه قوّة نابعة من داخل الإنسان ، ومفروضة عليه من ضميره الذي يفرض عليه قيماً خلقية ، وحدوداً معيّنة لسلوكه مع الآخرين وموقفه من المجتمع ، ولكنّ الضمير ليس بمفهومه في فلسفة الأخلاق عند الرأسمالية إلاّ انعكاساً داخلياً للعرف أو العادات ، أو أيّ تحديد آخر يفرض على الفرد من الخارج . فالضمير في نهاية التحليل ضغط خارجي وليس نابعاً من الأعماق الداخلية .

وهكذا تنتهي الرأسمالية إلى العجز عن تفسير الضغط على الحرّية عن طريق الضرورة التأريخية ، أو الدين ، أو الضمير . وهكذا يرتبط موقفها من الحرّية بجذورها الفكرية ومفاهيمها الرئيسية عن الكون والإنسان ، عن التأريخ والدين والأخلاق .

وعلى هذا الأساس وضعت الرأسمالية مفهومها السياسي عن الحكومة ومختلف السلطات الاجتماعية . فهي لا ترى مبرراً لتدخّل هذا السلطات في حرّيات الأفراد إلاّ بالقدر الذي يتطلّبه الحفاظ عليها وصيانتها عن الفوضى والاصطدام ، لأنّ هذا هو القدر الذي يسمح به الأفراد أنفسهم . وأمّا التدخّل خارج هذه الحدود فلا مسوّغ له من حتمية تأريخية ، أو دين، أو قيم وأخلاق . ومن الطبيعي عندئذٍ أن تنتهي الرأسمالية من تسلسلها الفكري إلى التأكيد على : الحرّية في المجال الاقتصادي ، ورفض فكرة قيام السلطة بوضع أيّ ضمانات أو تحديدات .

هذه هي مفاهيم الرأسمالية في ترابطها العام الذي ينتهي إلى الأُسس الفكرية العامة .

وهذه هي وجهة النظر التي يجب تمحيص تلك المفاهيم ، وبالتالي تفنيدها ، على أساس تلك النظرة .


صفحه 319

اقتصادنا في معالمه الرئيسية :

1 ـ الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي .

2 ـ الاقتصاد الإسلامي جزء من كل .

3 ـ الإطار العام للاقتصاد الإسلامي .

4 ـ الاقتصاد الإسلامي ليس علماً .

5 ـ علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج .

6 ـ المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام، وحلولها .


صفحه 320

صفحه 321

1 ـ الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي

يتألّف الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي من أركان رئيسية ثلاثة ، يتحدّد وفقاً لها محتواه المذهبي ويتميّز بذلك عن سائر المذاهب الاقتصادية الأخرى في خطوطها العريضة ، وهذه الأركان هي كما يلي :

1ـ مبدأ الملكية المزدوجة .

2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود .

3ـ مبدأ العدالة الاجتماعية .

وسوف نتناول هذه الأركان الرئيسية بالشرح والتفسير فنكوّن فكرة عامة عن الاقتصاد الإسلامي ، كي يتاح لنا مجال البحث بصورة أوسع في تفاصيله وخصائصه المذهبية .

1ـ مبدأ الملكية المزدوجة

يختلف الإسلام عن الرأسمالية والاشتراكية في نوعية الملكية التي يقرّرها اختلافاً جوهرياً ؛ فالمجتمع الرأسمالي يؤمن بالشكل الخاص الفردي للملكيّة ، أي : بالملكيّة


صفحه 322

الخاصة ، كقاعدة عامّة . فهو يسمح للأفراد بالملكية الخاصة لمختلف أنواع الثروة في البلاد تبعاً لنشاطاتهم وظروفهم . ولا يعترف بالملكية العامة إلاّ حين تفرض الضرورة الاجتماعية ، وتبرهن التجربة على وجوب تأميم هذا المرفق أو ذاك . فتكون هذه الضرورة حالة استثنائية يضطرّ المجتمع الرأسمالي على أساسها إلى الخروج عن مبدأ الملكية الخاصة ، واستثناء مرفق أو ثروة معينة من مجالها .

والمجتمع الاشتراكي على العكس تماماً من ذلك ؛ فإنّ الملكية الاشتراكيّة فيه هي المبدأ العام الذي يطبّق على كلّ أنواع الثروة في البلاد ، وليست الملكية الخاصة لبعض الثروات ـ في نظره ـ إلاّ شذوذاً واستثناءاً ، قد يعترف به أحياناً بحكم ضرورة اجتماعية قاهرة .

وعلى أساس هاتين النظرتين المتعاكستين ، للرأسمالية والاشتراكية، يطلق اسم : ( المجتمع الرأسمالي ) على كلّ مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة بوصفها المبدأ الوحيد ، وبالتأميم باعتباره استثناءاً ومعالجة لضرورة اجتماعية ، كما يطلق اسم : ( المجتمع الاشتراكي ) على كل مجتمع يرى أنّ الملكية الاشتراكية هي المبدأ ، ولا يعترف بالملكية الخاصة إلاّ في حالات استثنائية .

وأمّا المجتمع الإسلامي فلا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكلّ من المجتمعين ؛ لأنّ المذهب الإسلامي لا يتّفق مع الرأسمالية في القول : بأنّ الملكية الخاصة هي المبدأ . ولا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكية الاشتراكية مبدأ عاماً ، بل إنّه يقرّر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد ، فيضع بذلك مبدأ الملكية المزدوجة ( الملكية ذات الأشكال المتنوعة ) بدلاً عن مبدأ الشكل الواحد للملكية الذي أخذت به الرأسمالية والاشتراكية . فهو يؤمن بالملكية الخاصة ، والملكية


صفحه 323

العامة ، وملكية الدولة[1]. ويخصّص لكلّ واحدٍ من هذه الأشكال الثلاثة للملكية حقلاً خاصاً تعمل فيه ، ولا يعتبر شيئاً منها شذوذاً واستثناءً ، أو علاجاً موقّتاً اقتضته الظروف .

ولهذا كان من الخطأ أن يسمّى المجتمع الإسلامي : مجتمعاً رأسمالياً . وإن سمح بالملكية الخاصة لعدّة من رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج ؛ لأنّ الملكية الخاصة عنده ليست هي القاعدة العامة . كما أنّ من الخطأ أن نطلق على المجتمع الإسلامي اسم المجتمع الاشتراكي ، وإن أخذ بمبدأ الملكية العامة ، وملكية الدولة في بعض الثروات ورؤوس الأموال ؛ لأنّ الشكل الاشتراكي للملكية ليس هو القاعدة العامة في رأيه . وكذلك من الخطأ أيضاً أن يعتبر مزاجاً مركّباً من هذا وذاك ؛ لأنّ تنوع الأشكال الرئيسية للملكية في المجتمع الإسلامي لا يعني أنّ الإسلام مزج بين المذهبين : الرأسمالي والاشتراكي ، وأخذ من كلّ منهما جانباً . وإنّما يعبّر ذلك التنوّع في أشكال الملكية عن : تصميمٍ مذهبيٍّ أصيل قائم على أسس وقواعد فكرية معيّنة ، وموضوع ضمن إطار خاص من القيم والمفاهيم ، تناقض الأسس والقواعد والقيم والمفاهيم التي قامت عليها الرأسمالية

[1]أمّا الملكية الخاصة فهي معروفة ولا حاجة إلى الإشارة إلى موارها . وأمّا الملكية العامة فمثل الأرض المفتوحة عنوة ، فإنّها مشتركة بين المسلمين إذا لم تكن مواتاً حين الفتح . وسائل الشيعة 25 : 435 ، الباب 18 من أبواب كتاب إحياء الموات ، وكذا هم شركاء في الماء والنار والكلأ ما لم يكن ملك أحدٍ بعينه . المصدر نفسه : 417 ، الباب 5 .

ومثال ملكية الدولة : الأنفال وكلّ أرض ملكتها بغير قتال وكلّ أرضٍ مواتٍ ، وميراث من لا وارث له ، وما غنمه المسلمون بغير إذن الإمام ، وسائل الشيعة 9 : 523 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال . ( لجنة التحقيق )


صفحه 324

الحرة ، والاشتراكية الماركسية .

وليس هناك أدلّ على صحة الموقف الإسلامي من الملكية القائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة من واقع التجربتين الرأسمالية والاشتراكية ، فإنّ كلتا التجربتين اضطرّتا إلى الاعتراف بالشكل الآخر للملكية الذي يتعارض مع القاعدة العامة فيهما ؛ لأنّ الواقع برهن على خطأ الفكرة القائلة بالشكل الواحد للملكية . فقد بدأ المجتمع الرأسمالي منذ أمد طويل يأخذ بفكرة التأميم وينزع عن بعض المرافق إطار الملكية الخاصة ، وليست حركة التأميم هذه إلاّ اعترافاً ضمنياً من المجتمعات الرأسمالية بعدم جدارة المبدأ الرأسمالي في الملكية ، ومحاولة لمعالجة ما نجم عن ذلك المبدأ من مضاعفات وتناقضات .

كما أنّ المجتمع الاشتراكي من الناحية الأخرى ، وجد نفسه ـ بالرغم من حداثته ـ مضطرّاً أيضاً إلى الاعتراف بالملكية الخاصة قانونياً حيناً وبشكل غير قانوني أحياناً أخرى ، فمن اعترافه القانوني بذلك ما تضمّنته المادة السابعة في الدستور السوفيتي ، من النصّ على :

( أنّ لكلّ عائلة من عوائل المزرعة التعاونية ـ بالإضافة إلى دخلها الأساسي الذي يأتيها من اقتصاد المزرعة التعاونية المشترك ـ قطعة من الأرض خاصة بها وملحقة بمحلّ السكن ، ولها في الأرض اقتصاد إضافي ومنزل للسكنى وماشية منتجة وطيور وأدوات زراعية بسيطة كملكية خاصة )[1].

وكذلك سمحت المادة التاسعة بتملّك الفلاحين الفردّيين والحرفيين لمشاريع اقتصادية صغيرة ، وقيام هذه الملكيات الصغيرة إلى جانب النظام الاشتراكي السائد .

[1]الاشتراكية : 144 .


صفحه 325

2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود

والثاني من أركان الاقتصاد الإسلامي : السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرّية محدودة بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يؤمن بها الإسلام .

وفي هذا الركن نجد أيضاً الاختلاف البارز بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي . فبينما يمارس الأفراد حرّيات غير محدودة في ظلّ الاقتصاد الرأسمالي ، وبينما يصادر الاقتصاد الاشتراكي حرّيات الجميع ، يقف الإسلام موقفه الذي يتّفق مع طبيعته العامة فيسمح للأفراد بممارسة حرّياتهم ضمن نطاق القيم والمُثل ، التي تهذب الحرّية وتصقلها ، وتجعل منها أداة خير للإنسانية كلّها .

والتحديد الإسلامي للحرّية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين :

أحدهما : التحديد الذاتي الذي ينبع من أعماق النفس ، ويستمد قوته ورصيده من المحتوى الروحي والفكري للشخصية الإسلامية .

والآخر : التحديد الموضوعي ، الذي يعبر عن قوّة خارجية تحدد السلوك الاجتماعي وتضبطه .

[ التحديد الذاتي للحرّية : ]

أمّا التحديد الذاتي : فهو يتكوّن طبيعياً في ظلّ التربية الخاصة التي ينشئ الإسلام عليها الفرد في المجتمع الذي يتحكّم الإسلام في كلّ مرافق حياته ( المجتمع الإسلامي ) . فإن للإطارات الفكرية والروحية التي يصوغ الإسلام