الخاصة ، كقاعدة عامّة . فهو يسمح للأفراد بالملكية الخاصة لمختلف أنواع الثروة في البلاد تبعاً لنشاطاتهم وظروفهم . ولا يعترف بالملكية العامة إلاّ حين تفرض الضرورة الاجتماعية ، وتبرهن التجربة على وجوب تأميم هذا المرفق أو ذاك . فتكون هذه الضرورة حالة استثنائية يضطرّ المجتمع الرأسمالي على أساسها إلى الخروج عن مبدأ الملكية الخاصة ، واستثناء مرفق أو ثروة معينة من مجالها .
والمجتمع الاشتراكي على العكس تماماً من ذلك ؛ فإنّ الملكية الاشتراكيّة فيه هي المبدأ العام الذي يطبّق على كلّ أنواع الثروة في البلاد ، وليست الملكية الخاصة لبعض الثروات ـ في نظره ـ إلاّ شذوذاً واستثناءاً ، قد يعترف به أحياناً بحكم ضرورة اجتماعية قاهرة .
وعلى أساس هاتين النظرتين المتعاكستين ، للرأسمالية والاشتراكية، يطلق اسم : ( المجتمع الرأسمالي ) على كلّ مجتمع يؤمن بالملكية الخاصة بوصفها المبدأ الوحيد ، وبالتأميم باعتباره استثناءاً ومعالجة لضرورة اجتماعية ، كما يطلق اسم : ( المجتمع الاشتراكي ) على كل مجتمع يرى أنّ الملكية الاشتراكية هي المبدأ ، ولا يعترف بالملكية الخاصة إلاّ في حالات استثنائية .
وأمّا المجتمع الإسلامي فلا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكلّ من المجتمعين ؛ لأنّ المذهب الإسلامي لا يتّفق مع الرأسمالية في القول : بأنّ الملكية الخاصة هي المبدأ . ولا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكية الاشتراكية مبدأ عاماً ، بل إنّه يقرّر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد ، فيضع بذلك مبدأ الملكية المزدوجة ( الملكية ذات الأشكال المتنوعة ) بدلاً عن مبدأ الشكل الواحد للملكية الذي أخذت به الرأسمالية والاشتراكية . فهو يؤمن بالملكية الخاصة ، والملكية
العامة ، وملكية الدولة[1]. ويخصّص لكلّ واحدٍ من هذه الأشكال الثلاثة للملكية حقلاً خاصاً تعمل فيه ، ولا يعتبر شيئاً منها شذوذاً واستثناءً ، أو علاجاً موقّتاً اقتضته الظروف .
ولهذا كان من الخطأ أن يسمّى المجتمع الإسلامي : مجتمعاً رأسمالياً . وإن سمح بالملكية الخاصة لعدّة من رؤوس الأموال ووسائل الإنتاج ؛ لأنّ الملكية الخاصة عنده ليست هي القاعدة العامة . كما أنّ من الخطأ أن نطلق على المجتمع الإسلامي اسم المجتمع الاشتراكي ، وإن أخذ بمبدأ الملكية العامة ، وملكية الدولة في بعض الثروات ورؤوس الأموال ؛ لأنّ الشكل الاشتراكي للملكية ليس هو القاعدة العامة في رأيه . وكذلك من الخطأ أيضاً أن يعتبر مزاجاً مركّباً من هذا وذاك ؛ لأنّ تنوع الأشكال الرئيسية للملكية في المجتمع الإسلامي لا يعني أنّ الإسلام مزج بين المذهبين : الرأسمالي والاشتراكي ، وأخذ من كلّ منهما جانباً . وإنّما يعبّر ذلك التنوّع في أشكال الملكية عن : تصميمٍ مذهبيٍّ أصيل قائم على أسس وقواعد فكرية معيّنة ، وموضوع ضمن إطار خاص من القيم والمفاهيم ، تناقض الأسس والقواعد والقيم والمفاهيم التي قامت عليها الرأسمالية
[1]أمّا الملكية الخاصة فهي معروفة ولا حاجة إلى الإشارة إلى موارها . وأمّا الملكية العامة فمثل الأرض المفتوحة عنوة ، فإنّها مشتركة بين المسلمين إذا لم تكن مواتاً حين الفتح . وسائل الشيعة 25 : 435 ، الباب 18 من أبواب كتاب إحياء الموات ، وكذا هم شركاء في الماء والنار والكلأ ما لم يكن ملك أحدٍ بعينه . المصدر نفسه : 417 ، الباب 5 .
ومثال ملكية الدولة : الأنفال وكلّ أرض ملكتها بغير قتال وكلّ أرضٍ مواتٍ ، وميراث من لا وارث له ، وما غنمه المسلمون بغير إذن الإمام ، وسائل الشيعة 9 : 523 ، الباب الأوّل من أبواب الأنفال . ( لجنة التحقيق )
الحرة ، والاشتراكية الماركسية .
وليس هناك أدلّ على صحة الموقف الإسلامي من الملكية القائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة من واقع التجربتين الرأسمالية والاشتراكية ، فإنّ كلتا التجربتين اضطرّتا إلى الاعتراف بالشكل الآخر للملكية الذي يتعارض مع القاعدة العامة فيهما ؛ لأنّ الواقع برهن على خطأ الفكرة القائلة بالشكل الواحد للملكية . فقد بدأ المجتمع الرأسمالي منذ أمد طويل يأخذ بفكرة التأميم وينزع عن بعض المرافق إطار الملكية الخاصة ، وليست حركة التأميم هذه إلاّ اعترافاً ضمنياً من المجتمعات الرأسمالية بعدم جدارة المبدأ الرأسمالي في الملكية ، ومحاولة لمعالجة ما نجم عن ذلك المبدأ من مضاعفات وتناقضات .
كما أنّ المجتمع الاشتراكي من الناحية الأخرى ، وجد نفسه ـ بالرغم من حداثته ـ مضطرّاً أيضاً إلى الاعتراف بالملكية الخاصة قانونياً حيناً وبشكل غير قانوني أحياناً أخرى ، فمن اعترافه القانوني بذلك ما تضمّنته المادة السابعة في الدستور السوفيتي ، من النصّ على :
( أنّ لكلّ عائلة من عوائل المزرعة التعاونية ـ بالإضافة إلى دخلها الأساسي الذي يأتيها من اقتصاد المزرعة التعاونية المشترك ـ قطعة من الأرض خاصة بها وملحقة بمحلّ السكن ، ولها في الأرض اقتصاد إضافي ومنزل للسكنى وماشية منتجة وطيور وأدوات زراعية بسيطة كملكية خاصة )[1].
وكذلك سمحت المادة التاسعة بتملّك الفلاحين الفردّيين والحرفيين لمشاريع اقتصادية صغيرة ، وقيام هذه الملكيات الصغيرة إلى جانب النظام الاشتراكي السائد .
[1]الاشتراكية : 144 .
2ـ مبدأ الحرّية الاقتصادية في نطاق محدود
والثاني من أركان الاقتصاد الإسلامي : السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرّية محدودة بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يؤمن بها الإسلام .
وفي هذا الركن نجد أيضاً الاختلاف البارز بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي . فبينما يمارس الأفراد حرّيات غير محدودة في ظلّ الاقتصاد الرأسمالي ، وبينما يصادر الاقتصاد الاشتراكي حرّيات الجميع ، يقف الإسلام موقفه الذي يتّفق مع طبيعته العامة فيسمح للأفراد بممارسة حرّياتهم ضمن نطاق القيم والمُثل ، التي تهذب الحرّية وتصقلها ، وتجعل منها أداة خير للإنسانية كلّها .
والتحديد الإسلامي للحرّية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين :
أحدهما : التحديد الذاتي الذي ينبع من أعماق النفس ، ويستمد قوته ورصيده من المحتوى الروحي والفكري للشخصية الإسلامية .
والآخر : التحديد الموضوعي ، الذي يعبر عن قوّة خارجية تحدد السلوك الاجتماعي وتضبطه .
[ التحديد الذاتي للحرّية : ]
أمّا التحديد الذاتي : فهو يتكوّن طبيعياً في ظلّ التربية الخاصة التي ينشئ الإسلام عليها الفرد في المجتمع الذي يتحكّم الإسلام في كلّ مرافق حياته ( المجتمع الإسلامي ) . فإن للإطارات الفكرية والروحية التي يصوغ الإسلام
الشخصية الإسلامية ضمنها ، حين يعطي فرصةَ مباشرةِ واقع الحياة وصنع التأريخ على أساسه .. إنّ لتلك الإطارات قوّتها المعنوية الهائلة ، وتأثيرها الكبير في التحديد ذاتياً وطبيعياً من الحرّية الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلامي ، وتوجيهها توجيهاً مهذّباً صالحاً ، دون أن يشعر الأفراد بسلب شيء من حرّيتهم ؛ لأنّ التحديد نبع من واقعهم الروحي والفكري ، فلا يجدون فيه حدّاً لحرّياتهم . ولذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديداً للحرّية في الحقيقة ، وإنّما هو عملية إنشاء للمحتوى الداخلي للإنسان الحرّ ، إنشاءً معنوياً صالحاً ، حيث تؤدّي الحرّية في ظلّه رسالتها الصحيحة .
وقد كان لهذا التحديد الذاتي نتائجه الرائعة وآثاره الكبيرة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلامي ومزاجه العام ، وبالرغم من أنّ التجربة الإسلامية الكاملة كانت قصيرة الأمد فقد آتت ثمارها ، وفجّرت في النفس البشرية إمكاناتها المثالية العالية ، ومنحتها رصيداً روحياً زاخراً بمشاعر العدل والخير والإحسان ، ولو قدّر لتلك التجربة أن تستمر وتمتدّ في عمر الإنسانية أكثر ممّا امتدّت في شوطها التأريخي القصير لاستطاعت أن تبرهن على كفاءة الإنسانية لخلافة الأرض ، ولصنعت عالماً جديداً زاخراً بمشاعر العدل والرحمة ، واجتثت من النفس البشرية أكثر ما يمكن استئصاله من عناصر الشر ودوافع الظلم والفساد .
وناهيك من نتائج التحديد الذاتي أنّه ظل وحده هو الضامن الأساسي لأعمال البرّ والخير في مجتمع المسلمين ، منذ خسر الإسلام تجربته للحياة . وفقد قيادته السياسية وإمامته الاجتماعية ، وبالرغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التجربة والقيادة ، بعداً زمنياً امتدّ قروناً عديدة ، وبعداً روحياً يقدّر بانخفاض مستوياتهم الفكرية والنفسية ، واعتيادهم على ألوان أخرى للحياة الاجتماعية والسياسية .. بالرغم من ذلك كلّه ، فقد كان للتحديد الذاتي الذي وضع الإسلام
نواته في تجربته الكاملة للحياة دوره الإيجابي الفعّال في ضمان أعمال البرّ والخير ، التي تتمثّل في إقدام الملايين من المسلمين بملء حرّيتهم المتبلورة في إطار ذلك التحديد على دفع الزكاة وغيرها من حقوق الله ، والمساهمة في تحقيق مفاهيم الإسلام عن العدل الاجتماعي ، فماذا تقدّر من نتائج في ضوء هذا الواقع لو كان هؤلاء المسلمون يعيشون التجربة الإسلامية الكاملة ، وكان مجتمعهم تجسيداً كاملاً للإسلام في أفكاره وقيمه وسياسته ، وتعبيراً عملياً عن مفاهيمه ومُثُله ؟!
[ التحديد الموضوعي للحرّية : ]
وأمّا التحديد الموضوعي للحرّية ، فنعني به : التحديد الذي يفرض على الفرد في المجتمع الإسلامي من خارج بقوة الشرع ، ويقوم هذا التحديد الموضوعي للحرّية في الإسلام على المبدأ القائل : إنّه لا حرّية للشخص فيما نصّت عليه الشريعة المقدسة من ألوان النشاط التي تتعارض مع المُثُل والغايات التي يؤمن الإسلام بضرورتها .
وقد تمّ تنفيذ هذا المبدأ في الإسلام بالطريقة التالية :
أولاً : كفلت الشريعة في مصادرها العامة النصّ على المنع عن مجموعة من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية ، المعيقة ـ في نظر الإسلام ـ عن تحقيق المُثُل والقيم التي يتبنّاها الإسلام ، كالرِّبا والاحتكار[1]، وغير ذلك[2].
[1]قوله تعالى : ( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ) سورة البقرة : 275 . وسائل الشيعة 18 : 117 ، الباب الأوّل من أبواب الرِّبا . و 17 : 423 ، الباب 27 من أبواب آداب التجارة .
[2]كالقمار ، قال تعالى : ( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) سورة المائدة : 90 وسائل الشيعة 17 : 164 ، الباب 35 من أبواب ما يكتسب به .
وثانياً : وضعت الشريعة مبدأ إشراف وليِّ الأمر على النشاط العام وتدخّل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها بالتحديد من حرّيات الأفراد فيما يمارسون من أعمال . وقد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضرورياً لكي يضمن تحقيق مُثُله ومفاهيمه في العدالة الاجتماعية على مرّ الزمن . فإنّ متطلّبات العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها الإسلام تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية للمجتمع ، والأوضاع المادّية التي تكتنفه ، فقد يكون القيام بعمل مضرّاً بالمجتمع وكيانه الضروري في زمان دون زمان ، فلا يمكن تفصيل ذلك في صِيَغٍ دستورية ثابتة ، وإنّما السبيل الوحيد هو فسح المجال لوليِّ الأمر ليمارس وظيفته بصفته سلطة مراقبة وموجّهة ومحدّدة لحرّيات الإفراد فيما يفعلون أو يتركون من الأمور المباحة في الشرع ، وفقاً للمثل الإسلامي في المجتمع .
والأصل التشريعي لمبدأ الإشراف والتدخّل هو القرآن الكريم ، في قوله تعالى :
( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ )[1].
فإنّ هذا النصّ دلّ بوضوح على وجوب إطاعة أولي الأمر . ولا خلاف بين المسلمين في أنّ أولي الأمر هم أصحاب السلطة الشرعية في المجتمع الإسلامي ، وإن اختلفوا في تعيينهم وتحديد شروطهم وصفاتهم ، فللسلطة الإسلامية العليا ـ إذن ـ حقّ الطاعة والتدخّل لحماية المجتمع وتحقيق التوازن الإسلامي فيه ، على أن يكون هذا التدخّل ضمن دائرة الشرعية المقدّسة . فلا يجوز للدولة أو لولي الأمر أن يحلّل الرِّبا ، أو يجيز الغش ، أو يعطّل قانون الإرث ، أو يلغي ملكية ثابتة في المجتمع على أساس إسلامي .. وإنّما يُسمح لولي الأمر في الإسلام بالنسبة إلى التصرفات والأعمال المباحة في الشريعة أن يتدخّل فيها ، فيمنع عنها أو يأمر بها وفقاً للمثل
[1]سورة النساء : 59 .
الإسلامي للمجتمع . فإحياء الأرض ، واستخراج المعادن ، وشقّ الأنهار ، وغير ذلك من ألوان النشاط والاتجار .. أعمال مباحة سمحت بها الشريعة سماحاً عاماً ووضعت لكلّ عمل نتائجه الشرعية التي تترتّب عليه ، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع عن القيام بشيء من تلك التصرفات أو يأمر به ـ في حدود صلاحياته ـ كان له ذلك ، وفقا ًللمبدأ الآنف الذكر .
وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يطبّق مبدأ التدخّل هذا حين تقضي الحاجة ويتطلّب الموقف شيئاً من التدخّل والتوجيه . ومن أمثلة ذلك : ما جاء في الحديث الصحيح عنه(صلى الله عليه وآله):
( من أنّه قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل : أنّه لا يمنع نفع الشيء . وقضى بين أهل البادية : أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ ، وقال : لا ضرر ولا ضرار )[1].
فإنّ من الواضح لدى الفقهاء أنّ منع نفع الشيء أو فضل الماء ليس محرّماً بصورة عامة في الشريعة المقدسة . وفي هذا الضوء نعرف أنّ النبي لم يحرّم على أهل المدينة منع نفع الشيء ، أو منع فضل الماء بصفته رسولاً مبلّغاً للأحكام الشرعية العامة ، وإنّما حرّم ذلك بوصفه وليِّ الأمر المسئول عن تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع وتوجيهها توجيهاً لا يتعارض مع المصلحة العامة التي يقدّرها . وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل الرواية تعبّر عن تحريم النبيِّ(صلى الله عليه وآله): بالقضاء لا بالنهي ، نظراً إلى أنّ القضاء لون من الحكم[2].
[1]وسائل الشيعة 25 : 42 ، الباب 7 من أبواب إحياء الموات ، الحديث 2 .
[2]وقد اعتقد بعض الفقهاء [ مسالك الأفهام 12 : 446 ، وجواهر الكلام 38 : 119 ] في قضاء النبيّ ( بأنّ لا يمنع فضل الماء أو نفع الشيء ) : أنّه نهي كراهة لا نهي تحريم . وإنّما اضطروا إلى هذا النوع من التأويل وانتزاع طابع الحتم والوجوب عن قضاء النبيّ ، اعتقاداً =