بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 354

كشفت عن الصلة بين هذا الإطار وذلك القانون مثلاً ، ليست قوّة دافعة إلى العمل وتغيير الإطار ، وإنّما يحتاج العمل إلى دافع ، والدوافع الذاتية للأفراد لا تلتقي دائماً ، بل تختلف تبعاً لاختلاف المصالح الخاصة .

وهكذا يجب أن نفرّق بين اكتشاف الحقيقة العلمية ، والعمل في ضوئها على إسعاد المجتمع . فالعلم إنّما يكشف الحقيقة بدرجة ما ، وليس هو الذي يطوّرها .

المادّية التأريخية والمشكلة :

وتقول الماركسية بهذا الصدد ـ على أساس المادّية التأريخية ـ دعوا المشكلة نفسها فإنّ قوانين التأريخ كفيلة بحلّها في يوم من الأيام ؛ أفَليست المشكلة هي أنّ الدوافع الذاتية لا تستطيع أن تضمن مصالح المجتمع وسعادته لأنّها تنبع من المصالح الخاصة التي تختلف في أكثر الأحايين مع المصالح الاجتماعية العامة ؟! إنّ هذه ليست مشكلة ! وإنّما هي حقيقة المجتمعات البشرية منذ فجر التأريخ ، فقد كان كلّ شيء يسير طبقاً للدافع الذاتي الذي ينعكس في المجتمع بشكل طبقي ، فيثور الصراع بين الدوافع الذاتية للطبقات المختلفة والغلبة دائماً تكون من حظّ الدافع الذاتي للطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج ، وهكذا يتحكّم الدافع الذاتي بشكلٍ محتوم ، حتى تضع قوانين التأريخ حلّها الجذري للمشكلة بإنشاء المجتمع اللاطبقي ، تزول فيه الدوافع الذاتية وتنشأ بدلاً عنها الدوافع الجماعية ، وفقاً للملكية الجماعية .

وقد عرفنا في دراستنا للمادّية التأريخية أنّ أمثال هذه النبوءات التي تتنبأ بها المادّية التأريخية لا تقوم على أساس علمي ، ولا يمكن انتظار حلّ حاسم للمشكلة من ورائها .

* * *


صفحه 355

وهكذا تبقى المشكلة كما هي مشكلة مجتمع يتحكّم فيه الدافع الذاتي ، وما دامت الكلمة العليا للدافع الذاتي الذي تمليه على كلّ فرد مصلحته الخاصة فسوف تكون السيطرة للمصلحة التي تملك قوّة التنفيذ ، فمن يكفل لمصلحة المجتمع في زحمة الأنانيات المتناقضة أن يصاغ قانونه وفقاً للمصالح الاجتماعية للإنسانية مادام هذا القانون تعبيراً عن القوّة السائدة في المجتمع ؟!

ولا يمكننا أن ننتظر من جهاز اجتماعي ـ كالجهاز الحكومي ـ أن يحلّ المشكلة بالقوّة ويوقف الدوافع الذاتية عند حدّها ؛ لأنّ هذا الجهاز منبثق عن المجتمع نفسه ، فالمشكلة فيه هي المشكلة في المجتمع بأسره ؛ لأنّ الدافع الذاتي هو الذي يتحكّم فيه .

ونخلص من ذلك كلّه إلى : أنّ الدافع الذاتي هو مثار المشكلة الاجتماعية ، وأنّ هذا الدافع أصيل في الإنسان لأنّه ينبع من حبّه لذاته .

فهل كتب على الإنسانية أن تعيش دائماً في هذه المشكلة الاجتماعية النابعة من دوافعها الذاتية وفطرتها ، وأن تشقى بهذه الفطرة ؟!

وهل استثنيت الإنسانية من نظام الكون الذي زُوِّد كلّ كائن فيه بإمكانات التكامل ، وأودعت فيه الفطرة التي تسوقه إلى كماله الخاص ، كما دلّت على ذلك التجارب العلمية إلى جانب البرهان الفلسفي ؟!

[ دور الدين في حلّ المشكلة : ]

وهنا يجيء دور الدين بوصفه الحلّ الوحيد للمشكلة ، فإنّ الدين هو الإطار الوحيد الذي يمكن للمسألة الاجتماعية أن تجد ضمنه حلّها الصحيح ؛ ذلك أنّ الحلّ يتوقّف على التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة ، وهذا التوفيق هو الذي يستطيع أن يقدّمه الدين للإنسانية ، لأنّ الدين هو الطاقة


صفحه 356

الروحية التي تستطيع أن تعوّض الإنسان عن لذائذه الموقوتة التي يتركها في حياته الأرضية أملاً في النعيم الدائم ، وتستطيع أن تدفعه إلى التضحية بوجوده عن إيمان بأنّ هذا الوجود المحدود الذي يضحي به ليس إلاّ تمهيداً لوجود خالد وحياة دائمة ، وتستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه ، ومفهوماً عن الربح والخسارة أرفع من مفاهيمهما التجارية المادّية . فالعناء طريق اللذّة ، والخسارة لحساب المجتمع سبيل الربح ، وحماية مصالح الآخرين تعني ضمناً حماية مصالح الفرد في حياة أسمى وأرفع ... وهكذا ترتبط المصالح الاجتماعية العامة بالدوافع الذاتية ، بوصفها مصالح للفرد في حسابه الديني .

وفي القرآن الكريم نجد التأكيدات الرائعة على هذا المعنى منتشرة في كلّ مكان ، وهي تستهدف جميعاً تكوين تلك النظرة الجديدة عند الفرد عن مصالحه و أرباحه ، فالقرآن يقول :

( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ )[1].

( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا )[2].

( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ )[3].

( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ

[1]سورة غافر : 40 .

[2]سورة فصّلت 46 ، وسورة الجاثية : 15 .

[3]سورة الزلزلة : 6 ـ 8 .


صفحه 357

يُرْزَقُونَ )[1].

( مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )[2].

هذه صور رائعة يقدّمها الدين في نصوص القرآن ليربط بين الدوافع الذاتية وسبل الخير في الحياة ، ويطوّر من مصلحة الفرد تطويراً يجعله يؤمن بأنّ مصالحه الخاصة والمصالح الحقيقية العامة للإنسانية ـ التي يحددها الإسلام ـ مترابطتان .

فالدين إذن هو صاحب الدور الأساسي في حلّ المشكلة الاجتماعية ، عن طريق تجنيد الدافع الذاتي لحساب المصلحة العامة .

وبهذا نعرف أنّ الدين حاجة فطرية للإنسانية ، لأنّ الفطرة ما دامت هي أساس الدوافع الذاتية التي نبعت منها المشكلة فلا بدّ أن تكون قد جهّزت بإمكانات لحلّ المشكلة أيضاً ؛ لئلا يشذّ الإنسان عن سائر الكائنات التي زُوّدت فطرتها جميعاً بالإمكانات التي تسوق كلّ كائن إلى كماله الخاص . وليست تلك الإمكانات التي تملكها الفطرة الإنسانية لحلّ مشكلة إلاّ غريزة التديّن والاستعداد الطبيعي لربط الحياة بالدين وصوغها في إطاره العام .

فللفطرة الإنسانية ـ إذن ـ جانبان : فهي من ناحية تملي على الإنسان دوافعه

[1]سورة آل عمران : 169 .

[2]سورة التوبة : 120 ـ 121 .


صفحه 358

الذاتية . التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الإنسان ( مشكلة التناقض بين تلك الدوافع والمصالح الحقيقية العامة للمجتمع الإنساني ) . وهي من ناحية أخرى تزوّد الإنسان بإمكانية حلّ المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التديّن، وتحكيم الدين في الحياة بالشكل الذي يوفّق بين المصالح العامة والدوافع الذاتية . وبهذا أتمّت الفطرة وظيفتها في هداية الإنسان إلى كماله ، فلو بقيت تثير المشكلة ولا تموّن الطبيعة الإنسانية بحلّها ، لكان معنى هذا أنّ الكائن الإنساني يبقى قيد المشكلة عاجزاً عن حلّها ، مسوقاً بحكم فطرته إلى شرورها ومضاعفاتها . وهذا ما قرره الإسلام بكل وضوح في قوله تعالى :

( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )[1].

فإن هذه الآية الكريمة تقرّر :

أولاً : أنّ الدين من شؤون الفطرة الإنسانية التي فطر الناس عليها جميعاً ، ولا تبديل لخلق الله .

وثانياً : أنّ هذا الدين الذي فطرت الإنسانية عليه ليس هو إلاّ الدين الحنيف ، أي : دين التوحيد الخالص ؛ لأنّ دين التوحيد هو وحده الذي يمكن أن يؤدّي وظيفة الدين الكبرى ، ويوجّه البشرية على مقياس عملي وتنظيم اجتماعي ، تُحفظ فيه المصالح الاجتماعية . وأمّا أديان الشرك أو الأرباب المتفرّقة ـ على حدّ تعبير القرآن ـ فهي في الحقيقة نتيجة للمشكلة فلا يمكن أن تكون علاجاً لها ؛ لأنّها كما قال يوسف لصاحِبَي السجن :( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء

[1]سورة الروم : 30 .


صفحه 359

سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ )[1].. يعني بذلك أنّها وليدة الدوافع الذاتية ، التي أملت على الناس أديان الشرك طبقاً لمصالحهم الشخصية المختلفة ، لتصرف بذلك ميلهم الطبيعي إلى الدين الحنيف تصريفاً غير طبيعي ، وتحول بينهم وبين الاستجابة الصحيحة لميلهم الديني الأصيل .

وثالثا ً: أنّ الدين الحنيف الذي فطرت الإنسانية عليه يتميّز بكونه ديناً قيّماً على الحياة( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ )، قادراً على التحكّم فيها وصياغتها في إطاره العام . وأمّا الدين الذي لا يتولّى إمامة الحياة وتوجيهها فهو لا يستطيع أن يستجيب استجابة كاملةً للحاجة الفطرية في الإنسان إلى الدين ، ولا يمكنه أن يعالج المشكلة الأساسية في حياة الإنسان .

* * *

ونخلص من ذلك إلى عدّة مفاهيم للإسلام عن الدين والحياة :

فالمشكلة الأساسية في حياة الإنسان نابعة من الفطرة ؛ لأنّها مشكلة الدوافع الذاتية في اختلافاتها وتناقضاتها مع المصالح العامة .

والفطرة في نفس الوقت تموّن الإنسانية بالعلاج .

وليس هذا العلاج إلاّ الدين الحنيف القيّم ؛ لأنّه وحده القادر على التوفيق بين الدوافع الذاتية وتوحيد مصالحها ومقاييسها العملية .

فلا بدّ للحياة الاجتماعية إذن من دين حنيف قيّم .

ولا بدّ للتنظيم الاجتماعي في مختلف شُعب الحياة أن يُوضع في إطار ذلك الدين القادر على التجاوب مع الفطرة ومعالجة المشكلة الأساسية في حياة الإنسان .

* * *

[1]سورة يوسف : 40 .


صفحه 360

وفي هذا الضوء نعرف أنّ الاقتصاد الإسلامي بوصفه جزءاً من تنظيمٍ اجتماعيٍّ شاملٍ للحياة يجب أن يندرج ضمن الإطار العام لذلك التنظيم ، وهو الدين ، فالدين هو الإطار العام لاقتصادنا المذهبي .

ووظيفة الدين ـ بوصفه إطاراً للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي في الإسلام ـ أنّ يوفّق بين الدوافع الذاتية والمصالح الخاصة من ناحية ، والمصالح الحقيقة العامة للمجتمع الإنساني ـ من وجهة رأي الإسلام ـ من ناحيةٍ أُخرى .


صفحه 361

4 ـ الاقتصاد الإسلامي ليس علماً

يشكّل كلّ واحدٍ من مذاهب الاقتصاد التي عرضناها جزءاً من مذهبٍ كاملٍ يتناول مختلف شُعب الحياة ومناحيها . فالاقتصاد الإسلامي جزء من المذهب الإسلامي الشامل لشتّى فروع الحياة ، والاقتصاد الرأسمالي جزء من الديمقراطية الرأسمالية التي تستوعب بنظرتها التنظيميّة المجتمع كلّه ، كما أنّ الاقتصاد الماركسي جزءٌ أيضاً من المذهب الماركسي الذي يبلور الحياة الاجتماعية كلّها في إطاره الخاص .

وتختلف هذه المذاهب في بذورها الفكرية الأساسية وجذورها الرئيسية التي تستمدّ منها روحها وكيانها ، وتبعاً لذلك تختلف في طابعها الخاص .

فالاقتصاد الماركسي يحمل في رأي الماركسية طابعاً علمياً ، لأنّه يعتبر في عقيدة أنصاره نتيجةً محتومةً للقوانين الطبيعة التي تهيمن على التأريخ وتتصرّف فيه ، وعلى العكس من ذلك المذهب الرأسمالي ، فإنّه لم يضعه أصحابه ـ كما مرّ معنا في بحثٍ سابق ـ كنتيجة ضرورية لطبيعة التأريخ وقوانينه ، وإنّما عبّروا به عن الصورة الاجتماعية . التي تتّفق مع القيم العلمية والمُثل التي يعتنقونها .

وأمّا المذهب الإسلامي فهو لا يزعم لنفسه الطابع العلمي كالمذهب الماركسي ، كما أنّه ليس مجرّداً عن أساس عقائدي معيّن ونظرة رئيسية إلى