بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 361

4 ـ الاقتصاد الإسلامي ليس علماً

يشكّل كلّ واحدٍ من مذاهب الاقتصاد التي عرضناها جزءاً من مذهبٍ كاملٍ يتناول مختلف شُعب الحياة ومناحيها . فالاقتصاد الإسلامي جزء من المذهب الإسلامي الشامل لشتّى فروع الحياة ، والاقتصاد الرأسمالي جزء من الديمقراطية الرأسمالية التي تستوعب بنظرتها التنظيميّة المجتمع كلّه ، كما أنّ الاقتصاد الماركسي جزءٌ أيضاً من المذهب الماركسي الذي يبلور الحياة الاجتماعية كلّها في إطاره الخاص .

وتختلف هذه المذاهب في بذورها الفكرية الأساسية وجذورها الرئيسية التي تستمدّ منها روحها وكيانها ، وتبعاً لذلك تختلف في طابعها الخاص .

فالاقتصاد الماركسي يحمل في رأي الماركسية طابعاً علمياً ، لأنّه يعتبر في عقيدة أنصاره نتيجةً محتومةً للقوانين الطبيعة التي تهيمن على التأريخ وتتصرّف فيه ، وعلى العكس من ذلك المذهب الرأسمالي ، فإنّه لم يضعه أصحابه ـ كما مرّ معنا في بحثٍ سابق ـ كنتيجة ضرورية لطبيعة التأريخ وقوانينه ، وإنّما عبّروا به عن الصورة الاجتماعية . التي تتّفق مع القيم العلمية والمُثل التي يعتنقونها .

وأمّا المذهب الإسلامي فهو لا يزعم لنفسه الطابع العلمي كالمذهب الماركسي ، كما أنّه ليس مجرّداً عن أساس عقائدي معيّن ونظرة رئيسية إلى


صفحه 362

الحياة والكون كالرأسمالية[1].

ونحن حين نقول عن الاقتصاد الإسلامي إنّه ليس علماً ، نعني : أنّ الإسلام دينٌ يتكفّل الدعوة إلى تنظيم الحياة الاقتصادية كما يعالج سائر نواحي الحياة ، وليس علماً اقتصادياً على طراز علم الاقتصاد السياسي ، وبمعنى آخر : هو ثورة لقلب الواقع الفاسد وتحويله إلى واقع سليم ، وليس تفسيراً موضوعياً للواقع . فهو حينما يضع مبدأ الملكية المزدوجة مثلاً ، لا يزعم بذلك أنّه يفسّر الواقع التأريخي لمرحلة معيّنة من حياة الإنسانية ، أو يعكس نتائج القوانين الطبيعية للتأريخ ، كما تزعم الماركسية حين تبشر بمبدأ الملكية الاشتراكية ، بوصفه الحالة الحتمية لمرحلة معينة من التأريخ والتفسير الوحيد لها .

فالاقتصاد الإسلامي من هذه الناحية يشبه الاقتصاد الرأسمالي المذهبي في كونه عملية تغيير الواقع لا عملية تفسير له . فالوظيفة المذهبية تجاه الاقتصاد الإسلامي هي : الكشف عن الصورة الكاملة للحياة الاقتصادية وِفْقاً للتشريع الإسلامي ، ودرس الأفكار والمفاهيم العامة التي تشعّ من وراء تلك الصورة ، كفكرة انفصال شكل التوزيع عن نوعية الإنتاج وما إليها من أفكار .

وأمّا الوظيفة العلمية تجاه الاقتصاد الإسلامي فيأتي دورها بعد ذلك لتكشف عن مجرى الحياة الواقعي وقوانينه ، ضمن مجتمع إسلامي يطبّق فيه مذهب الإسلام تطبيقاً كاملاً . فالباحث العلمي يأخذ الاقتصاد المذهبي في الإسلام قاعدة ثابتة للمجتمع الذي يحاول تفسيره وربط الأحداث فيه بعضها ببعض . فهو في هذا نظير الاقتصاد السياسي لعلماء الاقتصاد الرأسماليين ، الذين فرغوا من وضع

[1]راجع في درس الفرق بين المذهب الإسلامي والمذهب الرأسمالي من هذه الناحية : كتاب ( فلسفتنا ) ، التمهيد . ( المؤلّف(قدّس سرّه))


صفحه 363

خطوطهم المذهبية ، ثمّ بدأوا يفسّرون الواقع ضمن تلك الخطوط ، ويدرسون طبيعة القوانين التي تتحكّم في المجتمع الذي تطبّق عليه ، فنتج عن دراستهم هذه علم الاقتصاد السياسي .

وهكذا يمكن أن يتكون للاقتصاد الإسلامي علم ـ بعد أن يدرس دراسة مذهبية شاملة ، من خلال دراسة الواقع في هذا الإطار ـ والسؤال هو : متى وكيف يمكن وضع علم الاقتصاد الإسلامي كما وضع الرأسماليون علم الاقتصاد السياسي ، أو بتعبير آخر : علم الاقتصاد الذي يفسّر أحداث المجتمع الرأسمالي ؟

والجواب على هذا السؤال : أنّ التفسير العلمي لأحداث الحياة الاقتصادية يرتكز على أحد أمرين :

الأوّل : جمع الأحداث الاقتصادية من التجربة الواقعية للحياة ، وتنظيمها تنظيماً عليماً يكشف عن القوانين التي تتحكّم بها في مجال تلك الحياة ، وشروطها الخاصة .

الثاني : البدء في البحث العلمي من مسلّمات معيّنة تُفترض افتراضاً ، ويستنتج في ضوئها الاتجاه الاقتصادي ومجرى الأحداث .

أمّا التفسير العلمي على الأساس الأوّل ، فهو يتوقّف على تجسيد المذهب في كيان واقعي قائم ؛ ليتاح للباحث أن يسجّل أحداث هذا الواقع ، ويستخلص ظواهرها وقوانينها العامة . وهذا ما ظفر به الاقتصاديون الرأسماليون ، حين عاشوا في مجتمع يؤمن بالرأسمالية ويطبّقها ، فأتيح لهم أن يضعوا نظرياتهم على أساس تجارب الواقع الاجتماعي التي عاشوها . ولكن شيئاً كهذا لا يتاح للاقتصاديين الإسلاميين مادام الاقتصاد الإسلامي بعيداً عن مسرح الحياة ، فهم لا يملكون من حياتهم اليوم تجارب عن الاقتصاد الإسلامي خلال التطبيق ، ليدركوا في ضوئها طبيعة القوانين التي تتحكّم في حياة تقوم على أساس الإسلام .


صفحه 364

وأمّا التفسير العلمي على الأساس الثاني فمن الممكن استخدامه في سبيل توضيح بعض الحقائق التي تتميّز بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي ، بالانطلاق من نقاط مذهبية معيّنة ، واستنتاج آثارها في مجال التطبيق المفترض ، ووضع نظريّات عامة عن الجانب الاقتصادي في المجتمع الإسلامي على ضوء تلك النقاط المذهبية .

فمثلاً : يمكن للباحث الإسلامي القول : بأنّ مصالح التجارة متّفقة في المجتمع الإسلامي مع مصالح الماليين وأصحاب المصارف ؛ لأنّ المصرف في المجتمع الإسلامي يقوم على أساس المضاربة لا على أساس الرِّبا ، فهو يتّجر بأموال زبائنه ويوزّع الأرباح بينه وبينهم بنسبة مئوية معيّنة من الربح ، وفي النهاية يتوقّف مصيره المالي على مدى الربح التجاري الذي يجنيه لا على الفائدة التي يقتطعها من الديون . فهذه الظاهرة ـ ظاهرة الاتفاق بين مصالح المصارف ومصالح التجارة ـ هي بطبيعتها ظاهرة موضوعية ينطلق الباحث إلى استنتاجها من نقطة هي : إلغاء النظام الربوي للمصارف في المجتمع الإسلامي[1].

ويمكن للباحث أيضاً بالانطلاق من نقطة كهذه أن يقرّر ظاهرة موضوعية أخرى ، وهي : نجاة المجتمع الإسلامي من عامل رئيسي للأزمات التي تمنى بها الحياة الاقتصادية في المجتمع الرأسمالي ؛ فإنّ دورات الإنتاج والاستهلاك في مجتمع قائم على أساس الرِّبا يعرقلها هذا الجزء الكبير من الثروة الأهلية الذي يدّخر طمعاً بالفائدة الربوية ، ويُسحب بذلك من مجالات الإنتاج والاستهلاك ، الأمر الذي يؤدّي إلى كساد قسم كبير من الإنتاج الاجتماعي للبضائع الرأسمالية

[1]راجع التفصيل : البنك اللارِبوي في الإسلام ، للمؤلّف ((قدّس سرّه)) ، مبحث : ( مفهوم المضاربة في الفقه الإسلامي ) و ( إلغاء العنصر الربوي من الفائدة ) .


صفحه 365

والبضائع الاستهلاكية . فحين يقوم المجتمع على أساس الاقتصاد الإسلامي ، ويحرّم فيه الرِّبا تحريماً تاماً ، كما يمنع عن الاكتناز بالنهي عنه ، أو يفرض ضريبةً عليه ، فسوف ينتج عن ذلك إقبال الناس جميعاً على إنفاق ثرواتهم .

ففي هذه التفسيرات نفترض واقعاً اجتماعياً واقتصادياً قائماً على أُسس معيّنة ، ونأخذ بتفسير هذا الواقع المفترض واستكشاف خصائصه العامة في ضوء تلك الأسس .

ولكن هذه التفسيرات لا تكوّن لنا بدّقة المفهوم العلمي الشامل للحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي ، ما لم تجمع مواد الدراسة العلمية من تجارب الواقع المحسوس . فكثيراً ما تقع مفارقات بين الحياة الواقعية للنظام وبين التفسيرات التي تقدم لهذه الحياة على أساس الافتراض ، كما اتفق للاقتصاديين الرأسماليين الذين بَنوا كثيراً من نظريّاتهم التحليلية على أساس افتراضي فانتهوا إلى نتائج تناقض الواقع الذي يعيشونه ؛ لانكشاف عدّة عوامل في الحقل الواقعي للحياة لم تؤخذ في مجال الافتراض .

أضف إلى ذلك : أنّ العنصر الروحي والفكري ، أو بكلمةٍ أخرى : المزاج النفسي العام للمجتمع الإسلامي ، ذو أثرٍ كبير في مجرى الحياة الاقتصادية ، وليس لهذا المزاج درجة محدودة أو صيغة معيّنة يمكن أن تفترض مسبقاً وتقام على أساسها النظريات المختلفة .

فعلم الاقتصاد الإسلامي لا يمكن أن يولد ولادة حقيقة إلاّ إذا جُسّد هذا الاقتصاد في كيان المجتمع بجذوره ومعالمه وتفاصيله ، ودُرست الأحداث والتجارب الاقتصادية التي يمرّ بها دراسة منظّمة .


صفحه 366

صفحه 367

علاقات التوزيع منفصلة عن شكل الإنتاج

يمارس الناس في حياتهم الاجتماعية عمليتين مختلفتين :

إحداهما : عملية الإنتاج .

والأخرى : عملية التوزيع .

فهم من ناحية يخوضون معركة مع الطبيعة في سبيل إخضاعها لرغباتهم ويتسلّحون في هذه المعركة بما تسمح به خبرتهم من أدوات الإنتاج ، ومن ناحية أخرى يقيم هؤلاء الناس بينهم علاقات معيّنة تحدّد صلة الأفراد بعضهم ببعض في مختلف شؤون الحياة ، وهذه العلاقات هي التي نطلق عليها اسم : النظام الاجتماعي . وتندرج فيها علاقات التوزيع للثروة التي ينتجها المجتمع . فالأفراد في عملية الإنتاج يحصلون على مكاسبهم من الطبيعة ، وفي النظام الاجتماعي الذي يحدّد العلاقات بينهم يتقاسمون تلك المكاسب .

وَبَدَهيٌ أنّ عملية الإنتاج في تطوّر وتحوّل أساسيٍّ دائمٍ وفقاً لنمو العلم وعمقه ، فبينما كان يستخدم الإنسان في إنتاجه المحراث أصبح يستخدم الكهرباء والذرّة ، كما أنّ النظام الاجتماعي الذي يحدّد علاقات الناس بعضهم ببعض ـ بما فيها علاقات التوزيع ـ هو الآخر أيضاً لم يتّخذ صيغة ثابتة في تأريخ الإنسان ، بل اتّخذ ألواناً مختلفة باختلاف الظروف وتغيرها .


صفحه 368

والسؤال الأساسي بهذا الصدد : ما هي الصلة بين تطوّر أشكال الإنتاج وتطوّر العلاقات الاجتماعية بما فيها علاقات التوزيع ( النظام الاجتماعي) ؟ وتعتبر هذه النقطة مركز الاختلاف الرئيسي بين الاقتصاد الماركسي والاقتصاد الإسلامي ، ومن النقاط المهمّة للخلاف بين الماركسية والإسلام بوجه عام .

فالاقتصاد الماركسي يرى : أنّ كلّ تطوّر في عمليات الإنتاج وأشكاله يواكبه تطوّر حتميٌّ في العلاقات الاجتماعية عامة وعلاقات التوزيع خاصة ، فلا يمكن أن يتغيّر شكل الإنتاج وتظلّ العلاقات الاجتماعية محتفظة بشكلها القديم ، كما لا يمكن أيضاً أن تسبق العلاقات الاجتماعية شكل الإنتاج في تطوّرها . وتستخلص الماركسية من ذلك : أنّ من المستحيل أن يحتفظ نظام اجتماعي واحد بوجوده على مرّ الزمن ، أو أن يصلح للحياة الإنسانية في مراحل متعدّدة من الإنتاج ؛ لأنّ أشكال الإنتاج تتطوّر خلال التجربة البشرية دائماً ، وتتطوّر وفقاً لها العلاقات الاجتماعية .

فالنظام الذي يصلح لمجتمع الكهرباء والذرّة غير النظام الذي كان يصلح لمجتمع الصناعة اليدوية ، ما دام شكل الإنتاج مختلفاً في المجتمعين . وعلى هذا الأساس تقدّم الماركسية المذهب الاشتراكي باعتباره العلاج الضروري للمشكلة الاجتماعية في مرحلة تأريخية معيّنة وفقاً لمقتضيات الشكل الجديد للإنتاج في تلك المرحلة .

وأمّا الإسلام فهو يرفض هذه الصلة الحتمية المزعومة ، بين تطوّر الإنتاج وتطوّر النظام الاجتماعي ، ويرى أنّ للإنسان حقلين : يمارس في أحدهما عمله مع الطبيعة ، فيحاول بمختلف وسائله أن يستثمرها ويسخّرها لإشباع حاجاته ، ويمارس في الآخر علاقاته مع الأفراد الآخرين في شتى مجالات الحياة الاجتماعية . وأشكال الإنتاج هي حصيلة الحقل الأول ، والأنظمة الاجتماعية هي