بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 379

6 ـ المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام وحلولها

ما هي المشكلة الاقتصادية ؟

تتّفق التيارات الفكرية في الحقل الاقتصادي جميعاً على : أنّ في الحياة الاقتصادية مشكلة يجب أن تعالج ، وتختلف بعد ذلك في تحديد طبيعة هذه المشكلة ، والطريقة العامة لعلاجها .

فالرأسمالية تعتقد : أنّ المشكلة الاقتصادية الأساسية هي قلّة الموارد الطبيعية نسبياً ؛ نظراً إلى أنّ الطبيعة محدودة . فلا يمكن أن يزاد في كمّية الأرض التي يعيش عليها الإنسان ، ولا في كمّية الثروات الطبيعية المتنوّعة المخبوءة فيها ، مع أنّ الحاجات الحياتية للإنسان تنمو باطّراد وفقاً لتقدّم المدينة وازدهارها ، الأمر الذي يجعل الطبيعة عاجزة عن تلبية جميع تلك الحاجات بالنسبة إلى الأفراد كافّة ، فيؤدّي ذلك إلى التزاحم بين الإفراد على إشباع حاجاتهم ، وتنشأ عن ذلك المشكلة الاقتصادية .

فالمشكلة الاقتصادية في رأي الرأسمالية هي : أنّ الموارد الطبيعية للثروة لا تستطيع أن تواكب المدنيّة ، وتضمن إشباع جميع ما يستجدّ خلال التطوّر المدني من حاجات ورغبات .


صفحه 380

والماركسية ترى : أنّ المشكلة الاقتصادية دائماً هي مشكلة التناقض بين شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع . فمتى تمّ الوفاق بين ذلك الشكل وهذه العلاقات ساد الاستقرار في الحياة الاقتصادية ، مهما كانت نوعية النظام الاجتماعي الناتج عن التوفيق بين شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع .

وأمّا الإسلام فهو لا يعتقد مع الرأسمالية : أنّ المشكلة مشكلة الطبيعة وقلّة مواردها ؛ لأنّه يرى أنّ الطبيعة قادرة على ضمان كلّ حاجات الحياة التي يؤدّي عدم إشباعها إلى مشكلة حقيقة في حياة الإنسان .

كما لا يرى الإسلام أيضاً : أنّ المشكلة هي التناقض بين شكل الإنتاج وعلاقات التوزيع ، كما تقرّر الماركسية ، وإنّما المشكلة ـ قبل كلّ شيء ـ مشكلة الإنسان نفسه لا الطبيعة ، ولا أشكال الإنتاج .

وهذا ما يقرّره الإسلام في الفقرات القرآنية التالية :

( اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ )[1].

فهذه الفقرات الكريمة تقرّر بوضوح : أنّ الله تعالى قد حشد للإنسان في هذا الكون الفسيح كلّ مصالحه ومنافعه ، ووفّر له الموارد الكافية لإمداده بحياته وحاجاته المادّية ، ولكنّ الإنسان هو الذي ضيّع على نفسه هذه الفرصة التي منحها الله له بظلمه وكفرانه :( إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ). فظلم الإنسان في حياته العملية وكفرانه بالنعمة الإلهية ، هما السببان الأساسيان للمشكلة الاقتصادية في

[1]سورة إبراهيم : 32 ـ 34 .


صفحه 381

حياة الإنسان .

ويتجسّد ظلم الإنسان على الصعيد الاقتصادي : في سوء التوزيع . ويتجسّد كفرانه للنعمة : في إهماله لاستثمار الطبيعة وموقفه السلبي منها .

فحين يمحى الظلم من العلاقات الاجتماعية للتوزيع ، وتجنّد طاقات الإنسان للاستفادة من الطبيعة واستثمارها . تزول المشكلة الحقيقة على الصعيد الاقتصادي .

وقد كفل الإسلام محو الظلم بما قدّمه من حلول لمسائل التوزيع والتداول ، وعالج الكفران بما وضعه للإنتاج من مفاهيم وأحكام . وهذا ما سنشرحه فيما يلي بالمقدار الذي يتّصل بالسبب الأوّل من المشكلة الاجتماعية في نظر الإسلام وهو الظلم في مجالات التوزيع والتداول . وأمّا موقف الإسلام من السبب الثاني ، وهو كفران النعمة ، فسوف نتناوله بالدرس في بحثٍ مقبلٍ[1]، أعددناه لعرض موقف الإسلام من الإنتاج وأحكامه ومفاهيمه عنه .

جهاز التوزيع

فبالنسبة إلى مجالات التوزيع مُنيت الإنسانية على مرّ التأريخ بألوان من الظلم ؛ لقيام التوزيع تارةً : على أساس فرديٍّ بحت ، وأخرى : على أساس لا فردي خالص . فكان الأوّل تعدّياً على حقوق الجماعة ، وكان الثاني بخساً لحقوق الفرد. وقد وضع الإسلام جهاز التوزيع للمجتمع الإسلامي بالشكل الذي تلتقي فيه حقوق الفرد بحقوق الجماعة . فلم يَحُلْ بين الفرد وحقّه وإشباع ميوله الطبيعية ،

[1]سيأتي في مبحث : وسائل الإسلام في تنمية الإنتاج .


صفحه 382

كما لم يسلب الجماعة كرامتها ولم يهدّد حياتها ، وبذلك امتاز عن أجهزة التوزيع المختلفة التي جرّبها الإنسان على مرّ التأريخ .

وجهاز التوزيع في الإسلام يتكوّن من أداتين رئيسيتين ، وهما : العمل والحاجة . ولكلّ من الأداتين دورهما الفعّال في الحقل العام للثروة الاجتماعية . وسوف نتناول كُلاً من الأداتين بالدرس ، لنعرف دورها الذي تؤدّيه في مجال التوزيع ، مع المقارنة بين مكانة العمل والحاجة في جهاز التوزيع الإسلامي للثروة ، ومكانتهما في التصاميم والنظريات الأخرى للتوزيع التي تقوم على أُسس شيوعية واشتراكية ورأسمالية .

دور العمل في التوزيع :

لكي نعرف دور العمل في التوزيع يجب أن ندرس الصلة الاجتماعية بين العمل والثروة التي ينتجها . فالعمل ينصبّ على مختلف المواد الطبيعية ؛ فيستخرج المعدن من الأرض ، ويقتطع الخشب من الأشجار ، ويغوص على اللؤلؤ في البحر ، ويصطاد طائراً من الجو .. إلى غير ذلك من الثروات والمواد التي يحصل عليها الإنسان من الطبيعة عن طريق العمل . والسؤال الذي نعالجه بهذا الصدد هو : ماذا تكتسب المادة من طابع اجتماعي بسبب العمل ؟ وما هي علاقة العامل بالثروة التي حصل عليها عن طريق عمله ؟

فهناك الرأي القائل : بانقطاع الصلة الاجتماعية بين العمل والعامل وموضوعه ، فليس للعمل أو العامل من حقّ إلاّ في إشباع حاجته مهما كان عمله ؛ لأنّ العمل ليس إلاّ وظيفة اجتماعية يؤدّيها الفرد للمجتمع ، فيكافئه عليها المجتمع بضمان حاجاته .

ويتّفق هذا الرأي مع وجهة نظر الاقتصاد الشيوعي ، فإنّ الاقتصاد الشيوعي


صفحه 383

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 384

أفراد المجتمع في حظّهم من التوزيع ، وفقاً لاختلاف حاجاتهم، لا لاختلاف أعمالهم .

وأمّا الاقتصاد الاشتراكي الماركسي ، فهو يحدّد صلة العامل بنتيجة عمله في ضوء مفهومه الخاص عن القيمة : فهو يرى أنّ العامل هو الذي يخلق القيمة التبادلية للمادة التي ينفق فيها عمله ، فلا قيمة للمادة بدون العمل البشري المتجسّد فيها . وما دام العمل هو الينبوع الأساسي للقيمة ، فيجب أن يكون توزيع القيم المنتجة في مختلف فروع الثروة على أساس العمل ، فيملك كلّ عامل نتيجة عمله والمادة التي انفق عمله فيها ؛ لأنّها أصبحت ذات قيمة بسبب العمل ، وينتج عن ذلك : أنّ ( لكلٍّ حسب عمله ) لا حسب حاجته ؛ لأنّ من حقّ كلّ عاملٍ أن يحصل على ما خَلق من قِيم ، ولمّا كان العمل هو الخلاّق الوحيد للقِيم ، فهو الأداة الوحيدة للتوزيع . فبينما كانت أداة التوزيع في المجتمع الشيوعي هي الحاجة ، يصبح العمل أداة التوزيع الأساسية في المجتمع الاشتراكي .

وأمّا الإسلام فيختلف عن الاقتصاد الشيوعي والاشتراكي معاً . فهو يخالف الشيوعية في قطعها الصلة بين عمل الفرد ونتائج عمله ، وتأكيدها على المجتمع بوصفه المالك الوحيد لنتائج أعمال الأفراد جميعاً ؛ لأنّ الإسلام لا ينظر إلى المجتمع بصفته كائناً كبيراً يختفي من وراء الأفراد ويحركها في هذا الاتجاه وذاك ، بل ليس المجتمع إلاّ الكثرة الكاثرة من الإفراد ، فالنظرة الواقعية إنّما تنصبّ على الأفراد بوصفهم بشراً يتحرّكون ويعملون ، فلا يمكن بحالٍ من الأحوال أن تنقطع الصلة بين العامل ونتيجة عمله .

ويختلف الإسلام أيضاً عن الاقتصاد الاشتراكي ، القائل : أنّ الفرد هو الذي يمنح المادة قيمتها التبادلية بعمله ، فالمواد الطبيعية كالخشب والمعادن وغير ذلك من ثروات الطبيعة لا تستمدّ قيمتها ـ في رأي الإسلام ـ من العمل ، بل قيمة كلّ


صفحه 385

مادّة حصيلة الرغبة الاجتماعية العامة في الحصول عليها ، كما أوضحنا ذلك في دراستنا للمادّية التأريخية .

وإنّما العمل في نظر الإسلام سبب لملكية العامل لنتيجة عمله[1]، وهذه الملكية الخاصة القائمة على أساس العمل ، تعبير عن ميل طبيعي في الإنسان إلى تملّك نتائج عمله ، ومرّد هذا الميل إلى شعور كلّ فرد بالسيطرة على عمله ، فإنّ هذا الشعور يوحي طبيعياً بالميل إلى السيطرة على نتائج العمل ومكاسبه ، وبذلك تكون الملكية القائمة على أساس العمل حقاً للإنسان نابعاً من مشاعره الأصيلة . وحتى المجتمعات التي تحدّثنا الشيوعية عن انعدام الملكيّة الخاصة فيها ، لا تدحض حقّ الملكية القائم على أساس العمل بوصفه تعبيراً عن ميل أصيل في الإنسان ، وإنّما تعني أنّ العمل في تلك المجتمعات كان يحمل طابعاً اشتراكياً ، فكانت الملكية القائمة على أساسه اشتراكية أيضاً . فالحقيقة هي الحقيقة ، والميل الطبيعي إلى التملك على أساس العمل ثابت على أيّ حال ، وإن اختلفت نوعية الملكية لاختلاف شكل العمل من ناحية كونه فرديّاً أو اجتماعياً .

فالعمل إذن أساس لتملك العامل في نظر الإسلام ، وعلى هذا الأساس فهو أداة رئيسية في جهاز التوزيع الإسلامي ؛ لأنّ كلّ عامل يحظى بالثروات الطبيعية التي يحصل عليها بالعمل ، ويمتلكها وفقاً لقاعدة : أنّ العمل سبب الملكية .

وهكذا نستطيع أن نستخلص في النهاية المواقف المذهبية المختلفة ، من

[1]قال تعالى :( لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ )سورة النساء : 32 ، وانظر : بحار الأنوار 66 : 313 ، ووسائل الشيعة 19 : 126 ـ 134 ، الباب 23 من أبواب كتاب الإجارة ، باب : أنّ مَن تقبّل بعمل لم يجز أنّ يقبّل غيره بنقيصة إلاّ أن يعمل فيه شيئاً ، والباب 21 ، 22 .


صفحه 386

الصلة الاجتماعية بين الفرد العامل ونتيجة عمله .

فالقاعدة الشيوعية في هذا المجال : ( أنّ العمل سبب لتملّك المجتمع لا الفرد ) .

والقاعدة الاشتراكية : ( أنّ العمل سبب لقيمة المادة ، وبالتالي سبب تملّك العامل لها ) .

والقاعدة الإسلامية : ( أنّ العمل سبب لتملّك العامل للمادة ، وليس سبباً لقيمتها ) .

فالعامل حين يستخرج اللؤلؤ لا يمنحه بعمله هذا قيمته وإنّما يملكه بهذا العمل .

دور الحاجة في التوزيع :

إنّ العمل هو الأداة الرئيسية الأولى في جهاز التوزيع بوصفه أساساً للملكيّة كما عرفنا قبل لحظة . والأداة الأخرى التي تساهم في عملية التوزيع مساهمة رئيسية هي الحاجة .

والدور المشترك الذي يؤدّيه العمل والحاجة معاً في هذا المجال هو الذي يحدّد الشكل الأوّلي العام للتوزيع في المجتمع الإسلامي .

ويمكننا لإيضاح هذا الدور المشترك الذي تساهم فيه الحاجة أن نقسّم أفراد المجتمع إلى ثلاث فئات : فإنّ المجتمع يحتوي عادة على :

فئةٍ : قادرة ـ بما تتمتّع به من مواهب وطاقات فكريّة وعملية ـ على توفير معيشتها في مستوى مرفّه غني .

وفئةٍ أخرى : تستطيع أن تعمل ولكنّها لا تنتج في عملها إلاّ ما يشبع ضروراتها ويوفّر لها حاجاتها الأساسية .

وفئةٍ ثالثة : لا يمكنها أن تعمل لضعف بدني أو عاهة عقلية ، وما إلى ذلك من الأسباب التي تشلّ نشاط الإنسان ، وتقذف به خارج نطاق العمل والإنتاج .