للتوزيع ، محدودة بحدود من القيم المعنوية والمصالح الاجتماعية التي يتبنّاها الإسلام .
* * *
هذه هي الصورة الإسلامية للتوزيع ، نستخلصها ممّا سبق ضمن هذه السطور :
ـ العمل أداة رئيسية للتوزيع بوصفه أساساً للملكية ، فمن يعمل في حقل الطبيعة يقطف ثمار عمله ويتملّكها .
ـ الحاجة أداة رئيسية للتوزيع بوصفها تعبيراً عن حقّ إنساني ثابت في الحياة الكريمة ، وبهذا تُكفل الحاجات في المجتمع الإسلامي ويضمن إشباعها .
ـ الملكية أداة ثانوية للتوزيع عن طريق النشاطات التجارية التي سمح بها الإسلام ضمن شروط خاصة لا تتعارض مع المبادئ الإسلامية للعدالة الاجتماعية ، التي ضمن الإسلام تحقيقها كما سيأتي في شرح التفاصيل .
التداول
التداول (المبادلة) أحد الأركان الأساسية في الحياة الاقتصادية ، وهو لا يقلّ أهمية عن الإنتاج والتوزيع ، وإن كان متأخراً عنهما تأريخياً . فإنّ الوجود التأريخي للإنتاج والتوزيع يقترن دائماً بالوجود الاجتماعي للإنسان ، فمتى وجد مجتمع إنساني فمن الضروري ـ ليواصل حياته ويكسب معيشته ـ أن يمارس لوناً من ألوان الإنتاج ، وأن يوزّع الثروة المنتجة على أفراده بأيّ شكلٍ من أشكال التوزيع التي يتّفق عليها ، فلا حياة اجتماعية للإنسان دون إنتاج وتوزيع .
وأمّا المبادلة فليس من الضروري أن توجد في حياة المجتمع منذ البدء ؛ لأنّ المجتمعات في بداية تكوينها تعيش على الأغلب لوناً من الاقتصاد البدائي المقفل ، الذي يعني : قيام كلّ عائلة في المجتمع بإنتاج كلّ ما تحتاج إليه دون الاستعانة بمجهودات الآخرين . وهذا اللون من الاقتصاد المقفل لا يفسح مجالاً للمبادلة ، مادام كلّ منتوج يستوعب بإنتاجه كل حاجاته البسيطة ويكتفي بما ينتجه من سلع ، وإنّما تبدأ المبادلة دورها الفعّال على الصعيد الاقتصادي ، حين تتنوّع حاجات الإنسان وتنمو وتتعدّد السلع التي يحتاجها في حياته ، ويصبح كلّ فرد عاجزاً بمفرده عن إنتاج كلّ ما يحتاجه من تلك السلع بأنواعها وأشكالها المختلفة ، فيضطر المجتمع إلى تقسيم العمل بين أفراده ، ويأخذ كلّ مُنتِجٍ ـ أو فِئة من المُنتجِين ـ بالتخصّص في إنتاج سلعة معيّنة من السلع المختلفة التي يحسن إنتاجها أكثر من غيرها ، ويشبع حاجاته الأخرى بمبادلة الفائض من السلع التي ينتجها بما يحتاجه من السلع التي ينتجها الآخرون ، فتبدأ المبادلة في الحياة الاقتصادية بوصفها وسيلة لإشباع حاجات المُنتجِين ، بدلاً عن تكليف كلّ منتج بإشباع حاجاته كلّها بإنتاجه المباشر .
وهكذا تنشأ المبادلة تيسيراً للحياة ، وتجاوباً مع اتساع الحاجات واتجاه الإنتاج إلى التخصّص والتطوّر .
وعلى هذا الأساس نعرف :
أنّ المبادلة في الحقيقة تعمل في الحياة الاقتصادية للمجتمع بوصفها واسطة بين الإنتاج والاستهلاك، أو بتعبير آخر بين المنتجين والمستهلكين . فالمنتج يجد دائماً عن طريق المبادلة المستهلك الذي يحتاج إلى السلعة التي ينتجها ، وهذا المستهلك بدوره ينتج سلعة من نوع آخر ويحصل في المبادلة على المستهلك الذي يشتريها .
بدافع خاص . وهكذا يمكن للمجتمع أن يستغني عن الخدمات التي تقدّمها القيم الخُلُقية والروحية ، ويصل على مصالحه بالطريقة الرأسمالية التي توفّر لكلّ فردٍ حرّيته ، وتمنحه القدرة على تقدير موقفه في ضوء مصالحه الخاصة التي تلتقي في آخر الشوط بالمصالح العامة .
ولهذا السبب كانت الحرّية التي تنادي بها الرأسمالية مجرّدة من كلّ الإطارات والقيم الخُلُقية والروحية ؛ لأنّها (حرّية) حتى في تقدير هذه القِيَم . ولا يعني هذا أنّ تلك القيم لا وجود لها في مجتمع رأسمالي ، وإنّما يعني أنّ الرأسمالية لا تعترف بضرورة هذه القيم لضمان مصلحة المجتمع ، وتزعم إمكان الاستغناء عنها عن طريق توفير الحرّيات للأفراد ، وإن كان الناس أحرار في التقيّد بتلك القيم ورفضها .
ويذكر أنصار الرأسمالية في سياق الاستدلال على ذلك : أنّ الحرّية الاقتصادية تفتح مجال التنافس الحرّ بين مختلف مشاريع الإنتاج . وصاحب المشروع ـ في ظلّ هذا التنافس الحرّ الذي يسود الحياة الاقتصادية ـ يخاف دائماً من تفوّق مشروع آخر على مشروعه واكتساحه له ، فيعمل بدافع من مصلحته الخاصة على تحسين مشروعه والاستزادة من كفاءاته ؛ حتى يستطيع أن يخوض معركة السباق مع المشاريع الأخرى ، ويصمد في أُتون هذا النضال الأبدى ، ومِن أهمّ الوسائل التي تتّخذ في هذا السبيل : إدخال تحسينات فنّية على المشروع . وهذا يعني : أنّ صاحب المشروع في المجتمع الرأسمالي الحرّ يظل دائماً يتلقّف كلّ فكرة أو تحسين جديد على الإنتاج ، أو أيّ شيء آخر من شأنه أن يمكّنه من الإنتاج بنفقة أقل . فإذا أدخل هذه التحسينات فإنّه لا يلبث أن يرى باقي المشروعات قد لحقت به ، فيبدأ مرّة ثانية في البحث عن فكرة أخرى جديدة ، حتى يحتفظ بأسبقيته على سائر المشروعات . وجزاء من يتخلّف في هذا السباق
ولكن ظُلم الإنسان ـ كما يعبّر القرآن الكريم[1]ـ الذي حرم الإنسانية من بركات الحياة وخيراتها ، وتدخّلٌ في مجال التوزيع على حساب هذا الحقّ أو ذاك سرى أيضاً إلى المبادلة حتى طوّرها وصيّرها أداة استغلال وتعقيد ، لا أداة إشباع للحاجات وتيسير للحياة ، وواسطة بين الإنتاج والادخار لا بين الإنتاج والاستهلاك . فنشأ عن الوضع الظالم للمبادلة من المآسي وألوان الاستغلال نظير ما نشأ عن الأوضاع الظالمة للتوزيع في مجتمعات الرقّ والإقطاع ، أو في مجتمعات الرأسمالية والشيوعية .
ولكي نشرح وجهة نظر الإسلام عن المبادلة لا بدّ لنا أن نعرف رأي الإسلام في السبب الأساسي الذي جعل من المبادلة أداة ظالمة للاستغلال ، وما هي النتائج التي تمخّض عنها ، ثمّ ندرس الحلول التي تقدّم بها الإسلام للمشكلة ، وكيف أعطى للمبادلة صيغتها العادلة وقوانينها التي تواكب أغراضها الرشيدة في الحياة ؟
[ أشكال المبادلة : ]
وقبل كلّ شيء يجب أنْ نلاحظ أنّ للمبادلة شكلين :
أحدهما: المبادلة على أساس المقايضة .
والآخر: المبادلة على أساس النقد .
فالمبادلة على أساس المقايضة مبادلة سلعة بأخرى ، وهذا الشكل هو أسبق أشكال المبادلة تأريخياً ، فقد كان كلّ منتج ـ في المجتمعات الآخذة بالتخصّص وتقسيم العمل ـ يحصل على السلع التي لا ينتجها نظير الفائض من
[1]قال تعالى :( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ )سورة إبراهيم : 34 .
السلعة التي اختص بإنتاجها . فمن ينتج مئة كيلو من الحنطة يحتفظ بنصف المبلغ مثلاً لإشباع حاجته ، ويستبدل خمسين كيلو من الحنطة بمبلغ معيّن من القطن الذي ينتجه غيره .
ولكن هذا الشكل من المبادلة ( المقايضة ) ، لم يستطع أن يُيَسّر التداول في الحياة الاقتصادية ، بل أخذ يزداد صعوبة وتعقيداً على مرّ الزمن كلّما ازداد التخصّص وتنوّعت الحاجات ؛ لأنّ المقايضة تضطر منتج الحنطة أن يجد حاجته من القطن عند شخص يرغب في الحصول على الحنطة ، وأمّا إذا كان صاحب القطن بحاجة إلى فاكهة لا إلى حنطة وليس لدى صاحب الحنطة فاكهة فسوف يتعذّر على صاحب الحنطة أن يحصل على حاجته من القطن . وهكذا تتولّد الصعوبات من نُدرة التوافق بين حاجة المشتري وحاجة البائع .
أضف إلى ذلك صعوبة التوافق بين قيم الأشياء المعدّة للمبادلة . فمن كان يملك فرساً لا يستطيع أن يحصل عن طريقها على دجاجة ، لأنّ قيمة الدجاجة أقلّ من قيمة الفرس ، وهو غير مستعدّ بطبيعة الحال للحصول على دجاجة واحدة نظير فرس كاملة ، ولا هي قابلة للقسمة حتى يحصل على دجاجة نظير جزء منها .
وكذلك أيضاً كانت عمليات المبادلة تواجه مشكلة أخرى ، هي : صعوبة تقدير قيم الأشياء المعدّة للمبادلة ، إذ لا بدّ لقياس قيمة الشيء الواحد من مقارنته بباقي الأشياء الأخرى حتى تعرف قيمته بالنسبة إليها جميعاً .
لهذه الأسباب بدأت المجتمعات التي تعتمد على المبادلة تفكّر في تعديل المقايضة بشكل يعالج تلك المشاكل ، فنشأت فكرة استعمال النقد بوصفه أداة للمبادلة بدلاً عن السلعة نفسها . وظهر على هذا الأساس الشكل الثاني للمبادلة ، أي : المبادلة على أساس النقد . فأصبح النقد وكيلاًُ عن السلعة التي كان يضطرّ المشتري إلى تقديمها للبائع في المقايضة ، فبدلاً عن تكليف صاحب الحنطة ـ في
مثالنا ـ بتقديم الفاكهة إلى صاحب القطن نظير القطن الذي يشتريه منه ، يصبح بإمكانه أن يبيع حنطته نظير نقدٍ ، ثمّ يشتري بالنقد القطن الذي يرغب فيه ، وصاحب القطن بدوره يشترى الفاكهة التي يطلبها بما حصل عليه من نقود .
[ آثار وكالة النقد عن السلعة في التداول : ]
ووكالة النقد عن السلعة في عمليات التداول كفلت حلّ المشاكل التي نجمت عن المقايضة وتذليل صعوباتها .
فصعوبة التوافق بين حاجة المشتري وحاجة البائع زالت ؛ إذ لم يعد من الضروري للمشتري أن يقدّم إلى البائع السلعة التي يحتاجها ، وإنّما يكفي أن يقدّم له النقد الذي يمكّنه من شراء تلك السلعة من منتجيها بعد ذلك .
وصعوبة التوافق بين قيم الأشياء قد ذُلّلت ؛ لأنّ قيمة كلّ سلعة أصبحت تقدّر بالنسبة للنقود وهي قابلة للقسمة .
كما أصبح من الميسور تقدير قيم الأشياء بسهولة ؛ لأنّها تقدّر كلّها بالنسبة لسلعة واحدة وهي النقد ، بوصفه المقياس العام للقيمة .
وكلّ هذه التسهيلات نتجت من وكالة النقد عن السلعة في مجالات التداول .
وهذا هو الجانب المضيء المشرق من وكالة النقد عن السلعة الذي يشرح : كيف تؤدّي الوكالة وظيفتها الاجتماعية التي خُلقت لأجلها ، وهي تيسير عمليات التداول .
ولكن هذه الوكالة لم تقف عند هذا الحدّ على مرّ الزمن ، بل أخذت تلعب دوراً خطيراً في الحياة الاقتصادية ، حتى تمخّض ذلك عن صعاب ومشاكل لا تقلّ عن مشاكل المقايضة وصعابها ، غير أنّ تلك مشاكل طبيعية ، وأمّا المشاكل الجديدة التي نتجت عن وكالة النقد فهي مشاكل إنسانية تعبّر عن ألوان الظلم
والاستغلال التي مهّدت لها وكالة النقد عن السلعة في مجالات التداول . ولكي نعرف ذلك يجب أن نلاحظ التطوّرات التي حصلت في عمليات المبادلة نتيجة لتبدّل شكلها وقيامها على أساس النقد بدلاً عن قيامها على أساس المقايضة المباشرة .
ففي المبادلة القائمة على أساس المقايضة لم يكن يوجد حدّ فاصل بين البائع والمشتري ، فقد كان كلّ من المتعاقدين بائعاً ومشترياً في نفس الوقت ؛ لأنّه يدفع سلعة إلى صاحبه ويتسلّم نظيرها سلعة أيضاً . ولهذا كانت المقايضة تشبع بصورة مباشرة حاجة المتعاقدين معاً ، فيخرجان من عملية التداول وقد حصل كلّ منهما على السلعة التي يحتاجها في استهلاكه أو إنتاجه ، كالحنطة أو المحراث . وفي هذا الضوء نعرف : أنّ الشخص في عصر المقايضة لم يكن يتاح له أن يتقمّص شخصية البائع دون أن يكون مشترياً في نفس الوقت ، فلا بيع بدون شراء . والبائع يدفع بإحدى يديه سلعته إلى المشتري بوصفه بائعاً ليستلّم منه بيده الأخرى سلعة جديدة بوصفه مشترياً . والبيع والشراء مزدوجان في عملية واحدة .
وأمّا في المبادلات القائمة على أساس النقد فالأمر يختلف اختلافاً كبيراً ؛ لأنّ النقد يضع حدّاً فاصلاً بين البائع والمشتري ، فالبائع هو صاحب السلعة والمشتري هو الذي يبذل نقداً إزاء تلك السلعة . والبائع الذي يبيع حنطة ليحصل على قطن ، بينما كان يستطيع أن يبيع حنطة ويحصل على حاجته من القطن في مبادلة واحدة على أساس المقايضة يصبح مضطراً الآن إلى القيام بمبادلتين ليحصل على طلبته ، يقوم في إحداهما بدور البائع فيبيع حنطته بنقدٍ معيّن ، ويقوم في الأخرى بدور المشتري فيشتري قطناً بذلك النقد . وهذا يعني فصل البيع عن الشراء ، بينما كانا مزدوجين في المقايضة .
وفصل البيع عن الشراء في عمليات المبادلة القائمة على أساس النقد ، فسح
المجال لتأخير الشراء عن البيع ، فالبائع لم يعد مضطرّاً لكي يبيع حنطته أن يشتري من الآخر ما ينتجه من القطن ، بل يمكنه أن يبيع حنطته نظير نقدٍ معيّن ويحتفظ بالنقد لنفسه ويؤجّل شراء القطن إلى وقت آخر .
وهذه الفرصة الجديدة التي وجدها البائعون بخدمتهم ـ فرصة تأخير الشراء عن البيع ـ غيّرت الطابع العام للبيوع والمبادلات . فبينما كان البيع في عصر المقايضة يُستهدف منه دائماً شراء سلعة من السلع التي يحتاجها البائع ، أصبح للبيع في عصر النقد هدفٌ جديد . فالبائع يتخلّص من سلعته في المبادلة لا ليظفر بسلعة أخرى ، بل ليحصل على مزيد من النقد بوصفه الوكيل العام عن السلع الذي يجعل بإمكانه شراء أيّ سلعة شاء في كلّ حين .
وهكذا تحوّل البيع للشراء إلى البيع لامتصاص النقود ، ونشأت عن ذلك ظاهرة اكتناز المال وتجميده مجسداً في تلك النقود ؛ لأنّ النقد ـ ونعني بوجه خاص النقود المعدنية والورقية ـ يمتاز على سائر السلع ؛ فإنّ أيّة سلعة أخرى لم يكن يجدي اكتنازها ؛ لأنّ أكثر السلع تنقص قيمتها على مرّ الزمن وقد يتطلّب الاحتفاظ بها وبجدتها إلى نفقات عديدة ، ومن ناحية أخرى : قد لا يتيّسر لمالك تلك السلعة المكتنزة الظفر بما يطلبه المكتنز من سلع أخرى في وقت الحاجة ، فلا يكون في اكتنازها ضمان الحصول على شتى الطلبات في كلّ حين .
وعلى العكس من ذلك كلّه النقد ؛ فإنّه قابل للبقاء والادّخار ، ولا يكلّف اكتنازه شيئاً من النفقات ، كما أنّه بوصفه الوكيل العام عن السلع يضمن للمكتنز قدرته على شراء أيّ سلعة شاء في كلّ وقت .
وهكذا توفّرت دواعي الاكتناز لدى المجتمعات التي بدأت المبادلة فيها تقوم على أساس النقود ، وعلى أساس النقود الذهبية والفضية بوجه خاص .
ونجم عن ذلك : أن تخلّت المبادلة عن وظيفتها الصالحة في الحياة
الاقتصادية كواسطة بين الإنتاج والاستهلاك ، وأصبحت واسطة بين الإنتاج والادخار . فالبائع ينتج ويبيع ويبادل منتوجه بنقد ليدّخر هذا النقد ويضمه إلى ثروته المكتنزة ، والمشتري يقدّم النقد إلى البائع ليحصل على السلعة التي يبيعها ، ثمّ لا يتمكّن هو بعد ذلك أن يبيع منتوجه بدوره ؛ لأنّ البائع اكتنز النقد وسحبه من مجال التداول .
ونتج عن ذلك أيضاً اختلال كبير في التوازن بين كمّية العرض وكمّية الطلب : ذلك أنّ العرض والطلب كانا يميلان إلى التساوي في عصر المقايضة ؛ لأنّ كلّ مُنتِج كان يُنتج لإشباع حاجاته واستبدال الفائض عن حاجته بسلع أخرى يحتاجها في حياته من غير النوع الذي ينتجه . فالمنتوج دائماً يوازي حاجته ، أي : أنّ العرض دائماً يجد طلباً مساوياً له ، وبذلك تتّجه أثمان السوق إلى درجتها الطبيعية ، التي تعبّر عن القيم الحقيقية للسلع وأهمّيتها الواقعية في حياة المستهلكين .
وبعد أن بدأ عصر النقد وسيطر النقد على التجارة ، واتّجه الإنتاج والبيع اتجاهاً جديداً حتى أصبح الإنتاج والبيع لأجل اكتناز النقد وتنمية الملك لا لأجل إشباع الحاجة ، عند ذلك يختلّ طبعاً التوازن بين العرض والطلب ، وتلعب دواعي الاحتكار دورها الخطير في تعميق هذا التناقض بين العرض والطلب ، حتى أنّ المحتكر قد يخلق طلباً كاذباً فيشتري كلّ أفراد السلعة من السوق لا لحاجته إليها بل ليرفع ثمنها ، أو يعرض السلعة بأثمان دون كلفتها ؛ بقصد إلجاء المنتجين والبائعين الآخرين إلى الانسحاب من ميدان التنافس وإعلان الإفلاس .. وهكذا تتّخذ الأثمان وضعاً غير طبيعي ، ويصبح السوق تحت سيطرة الاحتكار ، ويتهاوى آلاف البائعين والمنتجين الصغار كلّ حين بين أيدي المحتكرين الكبار الذين سيطروا على السوق .