بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 417

المذهب الاقتصادي

[ مفهوم المذهب الاقتصادي : ]

من الأفضل قبل كلّ شيء ـ ما دمنا نحاول دراسة مذهب اقتصادي معيّن ـ أن نتّفق منذ البدء على المفهوم الذي نعنيه من كلمة ( المذهب ) بالضبط ، لِنَتَبيَّن في بداية الطريق معالم الهدف ونوعية المضمون ، الذي يجب على أيّ بحثٍ في المذهب الاقتصادي أن يجليه ويحدّده . فماذا تعنيه كلمة المذهب ؟ وما هو الفارق بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد ؟ وما هي المجالات التي تعالج مذهبياً ؟

وعلى أساس الجواب على هذه الأسئلة الذي يحدّد معالم المذهب الاقتصادي بشكل عام ، سوف نحدد طبيعة البحث الذي نمارسه في المذهب الاقتصادي الإسلامي . وبهذا الصدد يجب أن نستذكر ما قلناه عن مفهومي المذهب والعلم في بحثٍ سابق[1]، فقد جاء فيه : أنّ المذهب الاقتصادي للمجتمع عبارة عن الطريقة التي

[1]في الكتاب الأوّل من اقتصادنا ، ( مقدّمة الطبعة الأولى ) .


صفحه 418

يفضّل المجتمع إتباعها في حياته الاقتصادية وحلّ مشاكلها العملية ، وعلم الاقتصاد هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأحداثها وظواهرها، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكّم فيها .

وهذا القدر من التمييز بين المذهب والعلم وإن كان يشير إلى الفارق الجوهري بينهما ، ولكنّه لم يعد يكفي في الوقت الذي نحاول أن نكتشف مذهباً اقتصادياً معيّناً بالذات ، أو أن نكوّن عنه فكرة محدّدة . فقد استخدمنا ذلك التمييز الأساسي بين المذهب والعلم لنتيح للقارئ أن يعرف نوعية الاقتصاد الإسلامي الذي ندرسه ، ويدرك في ضوء ذلك التمييز أنّ الاقتصاد الإسلامي مذهب وليس علماً ، لأنّه الطريقة التي يفضّل الإسلام إتباعها في الحياة الاقتصادية ، وليس تفسيراً يشرح فيه الإسلام أحداث الحياة الاقتصادية وقوانينها .

ولتحقيق هذا الغرض والتأكيد على الطابع المذهبي للاقتصاد الإسلامي كان يكفي أن نقول عن المذهب : أنّه طريقة . وعن العلم : أنّه تفسير . لنعرف أنّ الاقتصاد الإسلامي مذهب لا علم .

حسناً ، ولكنّا الآن يجب أن نعرف عن المذهب الاقتصادي أكثر من هذا ، لنستطيع أن نضبط في ضوء مفهومنا عنه المجالات التي يعمل فيها ، ثمّ نفحص كلّ ما يتّصل من الإسلام بتلك المجالات .

ففي أيّ حقل يعمل المذهب الاقتصادي ؟ وإلى أيّ مدى يمتدّ ؟ وما هي الصفة العامة التي نجدها في كلّ فكرٍ اقتصادي مذهبي ، لنجعل من تلك الصفة علامة فارقة للأفكار المذهبية في الإسلام ، التي نحاول جمعها وتنسيقها في اطراد واحد ؟

إنّ هذه الأسئلة تتطلّب أن نعطي للمذهب المتميّز عن العلم مفهوماً محدّداً قادراً على الجواب عن كلّ هذه الأسئلة ، ولا يكفي بهذا الصدد القول :


صفحه 419

بأنّ المذهب مجرّد طريقة .

[ مجالات علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي : ]

إنّ هناك من يعتبر مجال المذهب مقتصراً على توزيع الثروة فحسب ، فلا علاقة للمذهب بالإنتاج، لأن عملية إنتاج الحنطة أو النسيج مثلاً تتحكم فيها القوانين العلمية، ومستوى المعرفة البشرية بعناصر الإنتاج وخصائصها وقواها، ولا تختلف عملية إنتاج الحنطة أو النسيج باختلاف طبيعة المذهب الاقتصادي. فعلم الاقتصاد هو: علم قوانين الإنتاج. والمذهب الاقتصادي هو: فن توزيع الثروة. وكل بحث يتعلق بالإنتاج وتحسينه وإيجاد وسائله وتحسينها فهو من علم الاقتصاد، وذو صفة عالمية لا تتفاوت فيه الأمم تبعاً لاختلاف مبادئها ومفاهيمها الاجتماعية، ولا يختص به مبدأ دون مبدأ. وكل بحث يبين الثروة وتملكها والتصرف فيها فهو بحث مذهبي، ومن النظام الاقتصادي وليس من علم الاقتصاد ولا يرتبط به، وإنما يرتبط بإحدى وجهات النظر في الحياة التي تتبناها المذاهب المختلفة من رأسمالية واشتراكية وإسلام. وهذا الفصل بين العلم والمذهب_ علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي_ على أساس اختلاف المجال الذي يمارسه أحدهما عن مجال الآخر. ينطوي على خطأ كبير، لأنه يؤدي إلى اعتبار الصفة المذهبية والصفة العلمية نتيجتين لنوعية المجال المدروس. فإذا كان البحث في الإنتاج فهو بحث علمي، وإذا كان في التوزيع فهو بحث مذهبي. مع أن العلم والمذهب مختلفان في طريقة البحث وأهدافه، لا في موضوعه ومجالاته. فالبحث المذهبي يظل مذهبياً ومحافظاً على طابعه ما دام يلتزم طريقته وأهدافه الخاصة، ولو تناول الإنتاج نفسه. كما أن البحث العلمي لا يفقد طبيعته العلمية إذا تكلم عن التوزيع ودرسه بالطريقة


صفحه 420

والأهداف التي تتناسب مع العلم.

ولأجل ذلك نجد أنّ فكرة التخطيط المركزي للإنتاج ـ التي تتيح للدولة الحقّ في وضع سياسة الإنتاج والإشراف عليه ـ هي إحدى النظريات المذهبية المهمّة ، التي تعتبر من مقوّمات بعض المذاهب أو الأنظمة الاشتراكية ، أو ذات الاتجاه الاشتراكي ، مع أنّنا نعلم أنّ التخطيط المركزي للإنتاج والسماح لهيئة عُليا ـ كالدولة ـ بممارسة هذا التخطيط لا يعني تملّك تلك الهيئة لوسائل الإنتاج ، ولا يتّصل بمسألة توزيع هذه الوسائل على الأفراد .

ففكرة التخطيط المركزي للإنتاج ـ إذن ـ فكرة مذهبية ، تتّصل بالمذهب الاقتصادي وليست بحثاً علمياً ، بالرغم من أنّها تعالج الإنتاج لا التوزيع .

وعلى العكس قد نجد كثيراً من الأفكار التي تعالج قضايا التوزيع تندرج في علم الاقتصاد بالرغم من صلتها بالتوزيع دون الإنتاج فـ ( ريكاردو ) حين كان يقرّر مثلاً : أنّ نصيب العمّال من الثروة المُنتَجة ، الذي يتمثّل فيما يتقاضونه من أجور ، لا يزيد بحالٍ من الأحوال عن القدر الذي يتيح لهم معيشة الكفاف .. لم يكن يقصد بذلك أن يقرّر شيئاً مذهبياً ولا أن يطلب من الحكومات فرضه نظاماً اقتصادياً للأجور ، كنظام الملكية الخاصة والحرّية الاقتصادية ، وإنّما كان يحاول أن يشرح الواقع الذي يعيشه العمّال والنتيجة الحتمية لهذا الواقع ، بالرغم من عدم تبّني الدولة لفرض حدٍ أعلى من الأجور ، وإيمانها بالحرية الاقتصادية بوصفها دولة رأسمالية .

[ التمييز بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي : ]

فالمذهب والعلم يدخلان في كلّ تلك المجالات ويدرسان الإنتاج والتوزيع معاً ، ولكن هذا يجب أن لا يؤدّي بنا إلى عدم التمييز بينهما أو الخلط بين


صفحه 421

الطابع العلمي والمذهبي في البحث الاقتصادي ، الأمر الذي مُني به بعض أولئك الذين يؤكّدون على عدم وجود اقتصاد في الإسلام ، إذ لم يتح لهم أن يميّزوا بشكل حاسمٍ بين العلم والمذهب ، فظنّوا أنّ القول بوجود اقتصاد إسلامي يستهدف ادعاء أنّ الإسلام سبق المفكّرين الغربيين في الإبداع العلمي للاقتصاد السياسي ، وظنّوا أيضاً أنّ القول بوجود اقتصاد إسلامي يعني أنّنا سوف نجد لدى الإسلام فكراً اقتصادياً ، وبحثاً علمياً في قوانين الحياة الاقتصادية ؛ من إنتاجٍ وتوزيعٍ وغيرهما ، نظير ما نجد في بحوث ( آدم سميث ) و( ريكاردو ) ومَن إليهما من أقطاب الاقتصاد السياسي ، ولمّا كنا لا نجد في الإسلام بحوثاً من هذا القبيل فليس الاقتصاد الإسلامي إلاّ أسطورة وخيالاً مجنحاً .

ويمكن لهؤلاء أن يتنازلوا عن تأكيدهم على عدم وجود اقتصاد إسلامي إذا عرفوا ـ بوضوحٍ ـ : الفرقَ بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد ، أو ما يسمّى بالاقتصاد السياسي . وعرفوا : أنّ الاقتصاد الإسلامي مذهبٌ وليس علماً .

فالمذهب الاقتصادي يشمل كلّ قاعدة أساسية في الحياة الاقتصادية ، تتّصل بفكرة : ( العدالة الاجتماعية ) .

والعلم يشمل كلّ نظرية تفسّر واقعاً من الحياة الاقتصادية بصورة منفصلةٍ عن فكرة مسبقة أو مَثلٌ أعلى للعدالة .

ففكرة العدالة هي الحدّ الفاصل بين المذهب والعلم ، والعلامة الفارقة التي تميّز بها الأفكار المذهبية عن النظريات العلمية ؛ لأنّ فكرة العدالة نفسها ليست علمية ، ولا أمراً حسيّاً قابلاً للقياس والملاحظة ، أو خاضعاً للتجربة بالوسائل العلمية ، وإنّما العدالة تقدير وتقويم خُلُقي . فأنت حين تريد أن تعرف مَدى العدالة في نظام الملكية الخاصة ، أو تصدر حكماً على نظام الفائدة الذي تقوم على أساسه المصارف بأنّه نظام عادل أو ظالم .. لا تلجأ إلى نفس الأساليب والمقاييس


صفحه 422

العلمية التي تستخدمها حينما تريد قياس حرارة الجو ، أو درجة الغليان في مائعٍ معيّن ؛ لأنّ الحرارة والتبخّر ظاهرتان طبيعيتان يمكن إخضاعهما للحسّ العلمي ، وأمّا العدالة فتلجأ في تقديرها إلى قيم خُلُقية ومُثُل عُليا خارجة عن حدود القياس المادّي .

فالعدالة إذن ليست فكرة علمية بذاتها ، وهي لذلك حين تندمج بفكرة تدمغها بالطابع المذهبي وتميّزها عن التفكير العلمي . فمبدأ الملكية الخاصة ، أو الحرّية الاقتصادية ، أو إلغاء الفائدة ، أو تأميم وسائل الإنتاج .. كلّ ذلك يندرج في المذهب ؛ لأنّه يرتبط بفكرة العدالة ، وأمّا قانون تناقض الغلّة ، وقانون العرض والطلب ، أو القانون الحديدي للأجور .. فهي قوانين علميّة ؛ لأنّها ليست بصدد تقويم تلك الظواهر الاقتصادية . فقانون تناقص الغلّة لا يحكم بأنّ هذا التناقض عادل أو ظالم ، وإنّما يكشف عنه بوصفه حقيقة موضوعية ثابتة ، كما أنّ قانون العرض والطلب لا يبرّر ارتفاع الثمن بسبب قلّة العرض أو زيادة الطلب على أساس مفهوم معيّن عن العدالة ، وإنّما يبرز الترابط موضوعياً بين الثمن وكمّية العرض والطلب ، باعتباره ظاهرة من الظواهر الحتميّة للسوق الرأسمالية ، وكذلك الأمر في قانون الأجور الحديدي ، فهو يشرح الواقع المحتوم للعمّال الذي يجعلهم دائماً لا يحصلون في المجتمع الرأسمالي إلاّ على معيشة الكفاف ، بقطع النظر عمّا إذا كانت ضآلة نصيب العمّال في التوزيع تتّفق مع العدالة أو لا .

فكلّ القوانين العلمية لا ترتكز على فكرة العدالة ، وإنّما ترتكز على استقراء الواقع وملاحظة مختلف ظواهره المتنوعة . وعلى العكس من ذلك القواعد المذهبية التي تجسّد دائماً فكرة معيّنة للعدالة .

وهذا الفصل الحاسم بين البحث المذهبي والبحث العلمي لا يمنع عن اتخاذ المذهب إطاراً للبحث العلمي في بعض الأحيان ، كما في قوانين العرض والطلب


صفحه 423

أو قانون الأجور الحديدي للعمّال ، فإن أمثال هذه القوانين إنّما تصدّق علمياً وتنطبق على الواقع الذي تفسّره في مجتمع رأسمالي يطبق الرأسمالية المذهبية ، فهي قوانين علمية ضمن إطار مذهبي معيّن ، وليست علمية ولا صحيحة ضمن إطار آخر ، كما أوضحنا ذلك بكلّ تفصيلٍ في بحثٍ سابقٍ من هذا الكتاب[2].

وبمجرّد أن نضع هذا الفصل الحاسم بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد ، نعرف أنّ القول بوجود مذهب اقتصادي في الإسلام لا يعني أنّ الإسلام يبحث في قوانين العرض والطلب ، ويحدّد مدى تأثير زيادتهما أو انكماشهما على الثمن في السوق الحرّة ، وإنّما يبحث بدلاً عن ذلك في توفير الحرّية للسوق ، فيدعو إلى توفيرها له وصيانتها ، أو إلى الإشراف على السوق والتحديد من حرّيته ، تبعاً للصورة التي يتبنّاها للعدالة .

وكذلك لا يبحث الإسلام في العلاقة وردود الفعل بين الفائدة والربح ، أو بين حركة رأس المال الرَّبوي والتجارة ، ولا في العوامل التي تؤدّي إلى زيادة الفائدة أو انخفاضها ، وإنّما يقوّم نفس الفائدة والربح ، ويصدر حكمه على الاستثمار الرَّبوي والتجاري بما يتّفق مع مفاهيمه عن العدالة .

ولا يبحث الإسلام أيضاً في ظاهرة تناقص إنتاج الغلّة وأسبابها ، وإنّما يبحث عمّا إذا كان من الجائز ومن العدل أن يوضح الإنتاج تحت إشراف هيئة مركزية عُليا .

* * *

نعرف من ذلك كلّه : أنّ وظيفة المذهب الاقتصادي هي وضع حلول لمشاكل الحياة الاقتصادية ترتبط بفكرته ومُثُله في العدالة . وإذا أضفنا إلى هذه

[1]راجع مبحث : القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي .


صفحه 424

الحقيقة : أنّ تعبيرَي ( الحلال والحرام ) في الإسلام تجسيدان للقِيَم والمُثُل التي يؤمن بها الإسلام ، فمن الطبيعي أن ننتهي من ذلك إلى اليقين بوجود اقتصاد مذهبي إسلامي ؛ لأنّ قصّة الحلال والحرام في الإسلام تمتد إلى جميع النشاطات الإنسانية ، وألوان السلوك ؛ سلوك الحاكم والمحكوم ، وسلوك البائع والمشتري ، وسلوك المستأجر والأجير ، وسلوك العامل والمتعطّل ، فكلّ وحدة من وحَدات هذا السلوك هي إمّا حرام وإمّا حلال ، وبالتالي هي إمّا عدل وإمّا ظلم ؛ لأنّ الإسلام إن كان يشتمل على نصٍّ يمنع عن سلوك معيّن سلبي أو إيجابي فهذا السلوك حرام ، وإلاّ فهو حلال .

وإذا كانت كلّ ألوان النشاط في الحياة الاقتصادية خاضعة لقضية الحلال والحرام ، بما تعبّر عنه هذه القضية من قِيم ومُثل، فمن حقّ البحث في الإسلام أن يدعونا إلى التفكير في استخلاص وتحديد المذهب الاقتصادي ، الذي تعبّر عنه قضية الحلال والحرام بقِيَمها ومُثُلها ومفاهيمها .

العلاقة بين المذهب والقانون :

كما عرفنا أنّ المذهب الاقتصادي يختلف عن علم الاقتصاد ، كذلك يجب أن نعرف الفرق بين المذهب الاقتصادي والقانون المدني أيضاً ، فإنّ المذهب هو : مجموعة من النظريات الأساسية التي تعالج مشاكل الحياة الاقتصادية .

والقانون المدني هو : التشريع الذي ينظّم تفصيلات العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية . وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يعتبر المذهب الاقتصادي لمجتمعٍ نفس قانونه المدني . فالرأسمالية مثلاً بوصفها المذهب الاقتصادي لدول كثيرة في العالم ليست هي نفس القوانين المدنية في تلك الدول ، ولذا قد تختلف دولتان رأسماليتان في تشريعاتهما القانونية ؛ تبعاً لاتجاهات رومانية وجرمانية